«أنت دون غطاء» عبارة يجب أن يرددها الفرد لنفسه وللآخرين حتى لا نغفل أن التكنولوجيا الحديثة تعمد إلى رصد وتحليل وإحصاء تحرُّكات وكلمات وحتى سكنات أي فرد، إلى أن يبات المرء مكشوف العورات دون ساتر يحمي حتى أفكاره ومشاعره من أن تكون مشاع لمَلأ لا يرحم.
وقد تكون الرغبة المُلحَّة إزاء اتخاذ تلك الخطوات، والتي كانت تعتبر في الماضي أمر غير مشروع، هو منع المتطرِّفين والإرهابين من ارتكاب أعمالهم الشنيعة، وكذلك قمع الجريمة في مهدها. وفي خضم الكم الهائل من المعلومات والأخبار، وخاصة تلك التي تبثَّها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت بمثابة قنوات الإعلام الحديثة، تتوالى الأخبار الزائفة، ومن جرَّائها يتم ارتكاب العديد من الجرائم الأخلاقية والاجتماعية والجنائية وكذلك السياسية على جميع الأصعدة. ويقترف المجرمون جرائمهم المعلوماتية بأريحية شديدة؛ لأن وسائل التواصل الاجتماعي تمنحهم غطاء من الخصوصية، وكذلك تتيح لهم فرصة فتح حسابات وهمية متعددة، كان من شأنها ظهور ما يعرف باللجان الإلكترونية، التي صار لها القدرة أن تتلاعب بأفكار العامة على الصعيد العالمي بطرق شتَّى.
وغاية المارقين محترفي الوسائل الرقمية خلق ذاكرة جماعية زائفة، لتمرير أفكار هدَّامة، على أساس أنها أخلاقيات محمودة أو حقائق واقعية. وكما تؤكِّد جيليان مورفي في جامعة «كوليدج كورك»: «الذاكرة هي عبارة عن عملية إعادة بناء، وتتوالى عليها طوال الوقت أحداث تعمل على تشويه الذكريات من خلال تمريرها خلسة عبر العقل الواعي». فما يحدث هو أن العقل يتذكَّر حادثة أو مقولة ما، وبمرور الوقت تترسَّخ في ذهن الإنسان وكأنها واقع حقيقي؛ بل وفي بعض الأحيان، يُقنع المرء نفسه بأنه خاض التجربة وشارك فيها، وهذا يحدث كثيرا عندما ينفعل بعض الأشخاص مع حادث أو حكاية ما. ولقد سهَّلت وسائل التواصل الاجتماعي ذاك الانفعال بتوفير العناصر السمعية والبصرية، مع قدرة فائقة على اجتزاء الأحداث أو تناول الوقائع من زاوية تقلب الحقائق رأسا على عقب، بل، في أحيان أخرى يتم عرض مقطع فيديو كاذب وتتوالى التعليقات والتحذيرات من تصديقه، لكن الذاكرة الضعيفة والمشوَّهة للبعض تتعمد نسيان التحذيرات، وتتذكُّر المادة المرئية أو المسموعة، ثم تمررها وكأنها حدث واقعي.
وقد عانى العديد من الأكاذيب المُختلقة وإلصاق تهم لا أساس لها من الصحة بهم، بما في ذلك زعماء العالم، ومنهم الرئيس الأمريكي جورج دابليو بوش George W. Bush الذي أشيع أنه استقبل لاعب بيسبول في مزرعته في تكساس عام 2005، بينما كان إعصار «كاترينا» يضرب ولاية نيو أورليانز، على الرغم من أن الرئيس الأمريكي كان حينها في البيت الأبيض. فما حدث هو أن الخبر الكاذب أُشيع في وقت يرغب فيه العامة تصديق ما يحدث من إهمال؛ أي أن الأخبار الكاذبة حتى تترسَّخ في الذاكرة يجب أن تُبَث بطريقة تتلاعب بمشاعر العامة.
ويؤكِّد الباحثون خطورة الأخبار الكاذبة لمدى صعوبة «التراجع» عن الذكريات لطالما تم إنشاؤها في المُخ، وحينها سوف يُقِر الفرد بأن الواقعة حدثت بالفعل. وقد حاول فيسبوك الحد من الأخبار الكاذبة في السابق بوضعه علامة تحذير للإشارة إلى أن الموضوع أو الخبر يُحتمَل أن يكون كاذبا، بل اقتراح موضوعات أخرى شبيهة للتحذير منها. فما حدث هو أن المعلومات الخاطئة ترسَّخت في الأذهان وانتشرت كحقيقة ثابتة. فيجب عدم إغفال أن وسائل التواصل الاجتماعي هي بمثابة ناشر عالمي بمقدوره تغيير رأي وذوق وسلوك الجمهور العالمي، بنشر مواد تترسَّخ في الأذهان على أنها حقائق ثابتة؛ أي أن هذا النَّاشر له القدرة على خلق حالة من التنويم المغناطيسي الجمعي لتمرير أفكار تخدم مصالح بعض الأفراد والجهات.
وبما أن أي هجوم يستتبعه هجوم مضاد، تحاول السلطات قمع مروجي الشائعات ومقترفي جرائم الإنترنت بوسائل شتَّى. لكن أغربها وأكثرها تطوُّرا ودقَّة كانت تلك التي أجراها فريق من علماء اللغة التشيكيين، التي ارتكزت على تحليل المفردات اللغوية للأشخاص، من خلال جمع العديد من أقوالهم وتسجيلاتهم الصوتية وتحليلها بدقَّة لمعرفة المفردات المتواترة على لسان شخص ما، وطريقة وسياق استخدامها والتفوُّه بها، وكذلك الأسلوب اللغوي المُتَّبع. ومن ثمَّ، بات من السهل تتبع الأشخاص في أيٍّ من وسائل التواصل الاجتماعي، والكشف عن هويتهم بكل سهولة ويسر.
ولأهميَّة التجربة، استقطبت المؤسسات العسكرية هذا الفريق من علماء اللغة، ومنحتهم المزيد من التمويل من أجل تدريب برامج الذكاء الاصطناعي على القيام بالنُّسق التحليلي بسهولة وفاعلية في أقل وقت ممكن. والآثار الإيجابية للتجربة الرائدة تجعلها تبدو وكأنها من أجل الصالح العام. لكن ما لم يتم أخذه في الحُسبان هو الآثار المناوئة؛ فالقيام بالتحليل ومعرفة الهوية يكشف بالفعل عن طريقة تفكير الأشخاص. وحسبما ورد على لسان فريق العلماء، أنه بتطبيق التجربة على أحد الأشخاص البارزين لوحظت نبرة صوته، وتأرجحها بين الارتفاع والانخفاض، وكذلك أن ذاك الشخص يستخدم عبارة «في نهاية الأمر» عند التعبير عن مواقف إيجابية. وعلى هذا، عمل الفريق العلمي على استخدام ما لديهم من معطيات، وتم إقناع تلك الشخصية بالأسلوب نفسه الذي يتَّبعه هو. فما كان منه إلَّا أن مرر قرارا مهما بكل ارتياح؛ وذلك لأنه بدا وكأنه نابع منه هو، حتى إن كان القرار يناوئ قناعاته الشخصية. فمن خلال التحليل اللغوي الدقيق، تم التوصُّل لمفاتيح تفكير الأشخاص والوصول إلى عتبات عقلهم الباطن لتغيير القناعات بسهولة ويسر. فالتجربة اللغوية الرَّائدة التي كان الغرض منها الكشف عن هوية مروِّجي الأخبار الكاذبة وتتبُّع المجرمين، تم تحويلها إلى وسيلة لغسل الأدمغة بطريقة متطوِّرة. والخطير في الأمر أن تلك الوسيلة لن تكون تحت إمرة جهات عُليا تستخدمها في أغراض عسكرية أو مخابراتية؛ فتطويرها عبر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يسَهِّل تسريبها بعد فترة وجيزة. وعلى هذا، فإن غسيل الأدمغة، الذي يبدو وكأنه ضرب من ضروب التنويم المغناطيسي الرقمي، سوف يتناوله العامة ويستغلُّونه أسوأ استغلال، خاصة بين اليافعين والشباب والمراهقين، الذين سوف يكون في بادئ الأمر وسيلة للتسلية التي سرعان ما تتحوَّل إلى أداه سحرية احترافية لتغيير دفة الأمور لتسير وفق أهواء شخصية.
أمَّا ذوو الميول الإجرامية، فلسوف يجدون في تلك التكنولوجيا مغنما؛ فبدلا من ارتكاب إرهابي لجريمة ما وتعريض نفسه ومنظمته للخطر، سوف يُجنِّد أبرياء لتفعيل جرائمه عوضا عنه؛ وبذلك يوفِّر لنفسه المزيد من الحماية.
سهَّل العالم الرقمي إيجابيات شتَّى في عالمنا الحديث، لكنه معها رسَّخ ميولا شريرة بدت في مستهلها وكأنها وسيلة تسلية. الرقمنة والذكاء الاصطناعي وسائل فاعلة لخلق حالة من التنويم المغناطيسي العالمي؛ فهل يمكن الإفلات منه؟!
كاتبة مصرية