عصر الميليشيا: هل يمكن ترميم ثقافة المدن المدمّرة؟

تطرح سيادة الميليشيات، على كثير من المساحات في الدول العربية، وأحياناً على مدن شديدة الأهمية السياسية والاقتصادية والتاريخية، أسئلة كثيرة عن مآلات أي حراك اجتماعي، أو طرح نظري في ظرف كهذا. في النهاية يمكن لسلاح رخيص، يحمله مراهق، أن ينهي كل جدل أو مشروع أو نمط حياة.

لا يمكن اعتبار مفردة «ميليشيا» شتيمة بحد ذاتها، فهي تشير إلى جماعة مسلّحة غير نظامية، والأهم أنها غير دائمة. بمعنى أن عنصر الميليشيا تاريخياً هو فرد غير محترف للعمل العسكري، قد يحمل السلاح في ظروف ما، ثم يتركه إلى حين تجدد تلك الظروف، يوجد لدينا أرشيف قانوني عالمي كبير، لتقنين الميليشيا ضمن أطر الأنظمة الاجتماعية القائمة، منذ «الثورة المجيدة» البريطانية (1688)؛ مروراً بالثورة الأمريكية في القرن الثامن عشر، وما تبعها من تشريعات؛ وكذلك حالة سويسرا، التي تُعتبر معظم قواتها المسلّحة إلى اليوم «ميليشيات مواطنين»؛ وصولاً حتى لتجارب «المقاومة الشعبية» في دول التحرر الوطني.

في كل هذه الحالات كانت القوات غير النظامية خاضعة لسلطة قانونية وسياسية واضحة المعالم، وتبدو مدافعة عما يمكن تسميته «المجتمع المدني» في بلدانها، سواء ضد أي بادرة لعودة استبداد السلطة المركزية، كما في التاريخ البريطاني والأمريكي؛ أو ضد العدو الخارجي. وكانت خشية المشرّعين والسياسيين دوماً انفلات الميليشيات: مَنْ يضمن، وكيف، أن لا يوجّه أولئك المسلحون، أو الحائزون على شرعية حمل السلاح، سلاحهم ضد مجتمعاتهم؟ كان التوجّه دائماً هو بقاء الميليشيا تحت سلطة المجتمع، وبمجرد أن تخرج عنها، تصير ظاهرة خطيرة، مدمّرة للمدنيّة.

إلا أن الحالة العربية تجاوزت كل هذه الإشكاليات، بالمعنى السلبي لـ»التجاوز» فهي تقوم على تأبيد الحالة الميليشياوية، بمعنى أن حمل السلاح لا يعود أمراً «موسمياً» بل دائماً؛ كما أن المسلحين لا يخضعون، ولا يهتمون أصلاً، هم ومؤيدوهم، بأي قانون أو سلطة سياسية أو شرعية مجتمعية، نحن أمام قوات محترفة، في كثير من الأحيان، لكنها ليست في الوقت نفسه جيشاً نظامياً، ولا يمكن العودة إلى أي مؤسسة اجتماعية لمحاسبتها، أو حتى مناقشة قراراتها. ولهذا انعكاسات كبيرة، ليس فقط على الحياة المدينية، بل أيضاً على المفاهيم العامة للسياسة والحق والتواصل الإنساني. يمكن القول إن الميليشياوية دخلت في ثقافتنا المعاصرة، وصارت عاملاً أساسياً في تشكيلها. ما أهم انعكاساتها على مفاهيمنا الأكثر أهمية؟ وهل يكون التفكير بأفق خارج الميليشيا؟

استثناء الأميّة السياسية

لدى البحث عن أي مستند لشرعية الميليشيات، التي قد تكون حاكمة لمساحات ومدن يُعدّ سكانها بالملايين، لن نجد غالباً لدى التنظيمات المسلّحة، ومؤيديها، أي شيء يمكن الاعتماد عليه، اللهم إلا بعض الصيغ الإنشائية، التي تبدو جانباً من حكاية شفوية، حتى لو كانت مدوّنة كتابياً، وتنبني غالباً على ألفاظ لا يمكن الإمساك بها، مثل «شعب» «عدو» «أبطال» شهداء» «دين» «أمة» إلخ. لا يوجد تأطير مؤسساتي لأي من هذه الألفاظ، بل حتى لا يوجد سياق نصّي واضح لتأويل معناها. ماذا يعني «الشعب» مثلاً في حالة مجموعات مسلّحة دينية وطائفية، لا تستند إلى أي صيغة تمثيلية للناس، يمكن الاعتداد بها؟ أو لا تخضع لشرعية وسيادة وقرار الدول، التي تعمل ضمن حدودها؟ بل ماذا يعني ذلك اللفظ عندما نتحدّث عن مسلّحين متطرفين، لا يعترفون بمفاهيم مثل «الشرعية الشعبية» أو «الرابطة السياسية» من أساسها؟

يبدو فتى الميليشيا، بين مؤيديه والمنبهرين به، أقرب لبطل سيرة شعبية شفوية، أو مدوّنة بشكل غير موثّق، يُحِقّ الحقَ ويرفع الظلم، والمعيار الوحيد لفعله، الذي تكون له دائماً عواقب وخيمة على حياة الناس، إحساسه الداخلي بالعدل، ولذلك غالباً ما ينتقل الناس من الانبهار بأولئك «الأبطال الشعبيين» إلى الخوف منهم وكراهيتهم، فحياة البشر، في مجتمعات معقدة، لا يمكن أن تنظّم وفق إحساس داخلي لفتيان مسلّحين. في حالة الميليشيات الأكثر تنظيماً وعقائدية، التي قد تمتلك وثائق تأسيسية منشورة، وأنظمة داخلية، لا يمكن لتلك النصوص أن تصبح قوانين مرجعية للمجتمعات المتنوّعة خارجها، كما لا تعني إلا قليلاً من المنتسبين إلى الجماعة نفسها، وبالتالي تبدو أقرب لتدوينات ذاتية، فيما يدفع البشر، من جديد، أثمان قرارات وإجراءات تلك الميليشيات، التي لا مبرر شرعياً ومؤسساتياً لها، إلا حكايات عن البطولة.

بهذا المعنى، فربما كان تأييد ذلك النوع من الجماعات، مهما بدت حكاياتها مبهرة وعادلة، أقرب للأميّة السياسية، بمعنى شبه حرفي، إذ لا يمكننا أن «نقرأ» فعلاً أي مستند موثّق، حاز نوعا من المصادقة الاجتماعية، يُمكّننا من مناقشة ومحاسبة أفعال وقرارات الميليشيات، التي ستؤثر بالتأكيد على حياتنا واجتماعنا، إلا أن الأمر لا يقتصر على الأمية، فالسرد الغائم، والتدوين الناقص، غير المُصادق عليه بأي آلية شرعية، يجعل من المسلّح، سواء كان «أزعر» أو عقائدياً» أو الاثنين معنا، صاحب السيادة المطلقة، ويجعل حكمه «حالة استثناء» دائمة، تردّ البشر دائماً إلى «الوضع الطبيعي» أي تجعلهم أجساداً انتُزع عنها الحد الأدنى من الضمانات القانونية والأخلاقية، معذّبة وممزّقة، أو جائعة، أو مشرّدة، تبحث عن مساعدات وإغاثة، غالباً يتحكّم بها المسلّحون أنفسهم، ويجعلونها سبيلاً لمزيد من تحويل البشر إلى «أجساد طبيعية» و»حالات إنسانية». ربما يبرر كثير من أنصار الميليشياوية هذا بممارسات العدو، الذي لا يتورّع عن ارتكاب انتهاكات شديدة ضد المدنيين، إلا أن الاستثناء الدائم لم ينشأ بسبب الحرب التي يشنها العدو، بل هو أساس سيادة الميليشيا.

ربما كان الاستثناء الدائم، في حكم الميليشيات، أكثر أشكال السيادة وحشية وعبثية في الوقت نفسه، فإذا كان جانب من النظرية السياسية المعاصرة، يعتبر الاستثناء «معجزة» السيادة، المتضمنة في قلب القوانين الحديثة نفسها، فإن استثناء الميليشيات، التي لا قانون لها، مهزلة السيادة، التي تجعل من مجرّد الإحالة إلى حكايات مبتذلة، مبرراً لتدمير حياة البشر.

مجتمع الإغاثة

بالمقارنة مع الأمثلة التاريخية عن الميليشيات المقوننة، التي دافعت عن «المجتمع المدني» أي بعبارة أخرى: العالم البورجوازي الناشئ، بملكياته الخاصة وتنظيماته الاجتماعية والنقابية والمهنية، ضد سلطة مركزية مستبدّة، فإن الميليشيات، التي نشأت في ظرف خراب المدنيّة العربية، تمنع نشوء أي «مجتمع مدني» ليس فقط بسبب ممارسات «أمراء الحرب» المعروفة، مثل فرض الإتاوات والغرامات ومقاسمة البشر أرزاقهم، بل أيضاً لأنها تنتعش في «حالة الطوارئ الإنسانية» أي في مجتمعات بحاجة دائماً لإغاثة خارجية؛ وتسعى لإدامة تلك الحالة، التي تؤمّن لها موارد سهلة لا تنقطع. عندما تكون مسؤولاً عن منطقة فيها كثير من «الحالات الإنسانية العاجلة» التي تتحرّك لأجلها منظمات دولية وحكومات بلدان مجاورة، فإنك ستسيطر على اقتصاد كامل من التبرعات المالية؛ المشاريع الإنمائية؛ المساعدات العينية؛ وكذلك ستوفّر مصدراً غنيّاً للعملة الصعبة.

يمكن إضافة اقتصاد المساعدات هذا إلى مهزلة الاستثناء الدائم، الذي ينشئ نوعاً مستجدّاً من العلاقات الزبائنية بين الميليشيا ورعاياها؛ كما يؤمّن «موارد بشرية» مهمة من المقاتلين الجدد، وهم غالباً مراهقون فقراء، يجدون في الجماعات المسلّحة الحلّ الأمثل لمعاناتهم المادية، ومعاناة عوائلهم. بناء على هذا فإن حكم الميليشيات لا مصلحة له غالباً بتغيير صورة الحياة في مناطقه، إذ أن نموذج الأطفال، الجائعين، المصدومين، والمتكدّسين في مؤسسات تعليمية ضعيفة الإمكانيات، يستجلب كثيراً من الإغاثة من جهة؛ ويُبقى البشر في حالة تحفّز دائم، لخدمة معارك الجماعات المسلّحة التي لا تنتهي.

ضد المعركة

ليست كل معارك الميليشيات وهمية، فهي في أحيان كثيرة تنشأ لمواجهة سلطة استبدادية، أو ممارسات دول محتلّة، إلا أنها، عندما تكون خارجة عن سيادة المجتمع، تزيد من معاناة الناس، وتجعل اضطهادهم مركّباً: العدو الخارجي والمسلّح الأهلي. وهي فعلياً تمزّق مجتمعاتها، بدلاً من أن تدافع عنها.

ولذلك فقد يكون رفض حروب الميليشيات، مهما كانت «عادلة» أساساً لأي فعل يهدف جديّاً لمواجهة العدو، إذ لا معنى لأي مواجهة ما لم تكن لأجل المجتمع، ولأجل انتزاع حقوقه السياسية والاجتماعية، وأولها سيادته على حيّزه الحياتي، والقرارات المصيرية، التي ستؤثر عليه وجودياً.

يتطلب هذا نوعاً من إعادة بناء «الشرعية الشعبية» وهي ما يميّز المقاومة عن الميليشيا، ولذلك سعت كل حركات التحرر الوطني ومقاومة الديكتاتورية الفعّالة إلى اكتسابها. وبالتالي فإن ترميم المجتمع في وجه الميليشيا، ورفض تسلّطها، وحالة الاستثناء الدائم الذي تفرضه، هو فعل المقاومة المبدئي ضد العدو.

ربما كان ذلك صعباً في وضعية الخراب الشامل، الذي يشهده كثير من المدن العربية، إلا أنه يظل خياراً أكثر «واقعية» للبشر، من أن يظلوا مجرد ضحية لحروب لا تنتهي، وبلا أي أفق.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية