القاهرة ـ «القدس العربي»: غيرت غزة وأهلها فينا الكثير.. أعدنا اكتشاف ذلك الفلسطيني الذي يصنع المعجزات، ويواجة أعتى الأسلحة من المساحة صفر، ويحرز الانتصار تلو الانتصار بذراعين عاريتين ويقين لا يضعف بالثقة في نصر سماوي بات على الأبواب.. صرنا أكثر رغبة في الاعتراف بخطايانا تجاه القضية وشعبها، الذي يرفع راية النضال منذ قرابة ثمانية عقود، دون أن يدعمهم أحد، بل هرول الأشقاء نحو العدو لمد يد العون له، وعقد الاتفاقات معه. وفي الحرب التي أوشك أسبوعها الرابع أن ينتهي، ظل الشعب المناضل يخوض المعارك بمفرده، رغم تناقص الموارد وشح الدواء واختفاء الطعام والماء الصالح للشرب.. وفي سياق التطورات الجارية: كشفت وزارة الصحة والسكان عن جهودها لدعم علاج المصابين في أحداث قطاع غزة بعد دخولهم من معبر رفح البري مؤكدة توفير كل سبل الرعاية الطبية. وأشار الدكتور حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، إلى أنه تم تجهيز المستشفيات والمنشآت الصحية باختلاف تبعياتها ومدى جاهزيتها لاستقبال المرضى، وتقديم أفضل رعاية صحية لهم. وقال: تم رفع السعة الاستيعابية لمستشفيات هيئة الرعاية الصحية في الإسماعيلية لاستقبال المصابين والمرضى بما يضمن توزيعهم على المستشفيات بشكل رشيد لضمان تقديم الخدمات التشخيصية والعلاجية اللازمة لهم على أكمل وجه، فضلا عن التنسيق مع المستشفيات الجامعية في المحافظات كافة. وأعلنت وزارة الأوقاف الدفع بالقافلة الثانية من المساعدات إلى معبر رفح تحمل خمسين طنّا من اللحوم.
عطرهم يبقى
ماذا تفعل إذا وجدت العالم حولك غابة مظلمة؟ ووجدت الناس تأكل بعضها، ولاحت أمامك كائنات متوحشة تشبه البشر، ووجدت عالما يحرمك من أبسط الحقوق.. واصل فاروق جويدة أسئلته في «الأهرام»: ماذا تفعل وأنت لا تجد مكانا يؤويك ولا طعاما يعينك على استمرار الحياة، ولا دواء ينقذك ولا أحد تلجأ إليه، ربما أعانك على أن تتحمل قسوة الحياة.. ماذا تفعل إذا وجدت الناس حولك وجوها موحشة ونفوسا مريضة وقلوبا مظلمة.. ماذا تفعل إذا وجدت نفسك وحيدا تواجه حشود الظلم والطغيان، وتجد الذئاب تحيطك وأنت لا تجد من يساعدك أو ينصفك، فقد تخلى الجميع عنك الأهل والأصدقاء والجيران والأحباب.. ماذا تفعل إذا كانت حشود الظلم تهدم بيتك وتقتل طفلك وتستبيح دمك، ولا تجد أحدا ينصفك، أنت تصرخ ولا شيء يسمعك، وتموت ولا أحد يرحمك وتدافع عن أرضك وعرضك وحياتك والعالم كل العالم متآمر عليك.. لا أحد ينصفك، وسط هذا العالم الذي نسي الرحمة وتخلى عن الشرف وفرط في الكرامة، أنت أمام كائنات توحشت وضمائر ماتت وقلوب تصحرت.. لم يبق أمامك غير نفسك، إيمانك، عزيمتك، قوتك، ولا بد أن تقاوم.. لا أسألك الرحمة بمن قتل ابنك وهدم بيتك وسرق عمرك، لا أطلب منك أن تتنازل عن حقك لمغتصب، أو تتسامح مع ظالم، قف على أرضك ولا تفرط في شبر منها، وإذا سقطت شهيدا فالتراب لا ينسى عطر دماء الأبطال، تحية إلى شهداء غزة.. تحية إلى رجالها الشرفاء، تحية إلى أمهاتها البواسل، تحية إلى أطفالها الذين طهروا ترابها من رجس العدو الغاصب، تحية إلى كل حبة رمل عانقت شهيدا.
شريك في القتل
من الخطأ أن يتصور البعض أن الولايات المتحدة الأمريكية مجرد داعم أو مؤيد فقط للعدوان الوحشي الذي تشنه إسرائيل على الشعب الفلسطيني في القطاع، طوال الأسابيع الثلاثة الماضية وحتى اليوم. تابع محمد بركات في «الأخبار»: أكدنا أن الدور الأمريكي لم يتوقف عند حدود التأييد والمساندة للعدوان الإجرامي، بل إنه ومنذ اللحظات الأولى كان مشاركا مشاركة فعلية وعملية في العدوان بكل مراحله، ابتداء من التخطيط ثم الإعداد والتنفيذ أيضا. وأحسب أننا جميعا تابعنا مسارعة الرئيس الأمريكي بايدن ووزير خارجيته ووزير دفاعه، بالوصول إلى إسرائيل فور وقوع أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وإعلانه الواضح أن أمريكا تقف مع إسرائيل قلبا وقالبا، وتدعمها بكل الوسائل المادية والعسكرية، انطلاقا من تأييدها التام لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وهي الجملة التي أصبحت مكررة على ألسنة كل المسؤولين الأمريكيين وجميع حلفائهم وتابعيهم الأوروبيين. ولم يكتف الرئيس الأمريكي بذلك، بكل وجه تحذيرا خشنا وشديد اللهجة لكل القوى والأطراف الإقليمية والدولية، بعدم التدخل في الحرب التي أعلنتها إسرائيل على غزة لاقتلاع حماس. وفي تطبيق عملى لما صرح به بايدن أصدر تعليماته بتأهب وتحرك الأسطول الأمريكي والقوات الجوية والبرية، لمساندة ودعم وحماية إسرائيل، وردع كل من يفكر في الوقوف ضدها، كما بعث بقوات خاصة للمشاركة في إنقاذ الرهائن والبحث عن قادة حماس. ليس هذا فقط، بل شارك ووزير خارجيته في اجتماع الحكومة الإسرائيلية الذي بحث قرار الحرب، كما ساهم واشترك وزير الدفاع الأمريكي في اجتماع القيادة العسكرية الإسرائيلية، الذي بحث خطة الحرب ومراحلها، والاحتياجات الإسرائيلية إلى الأسلحة النوعية التي تحتاجها لتنفيذ الخطة.. ومنها على سبيل المثال وليس الحصر القنابل الإسفنجية والقنابل الخارقة للأعماق اللازمة للتعامل مع الأنفاق وغيرها من الأسلحة، التي استجابت لها أمريكا وأحضرتها إلى إسرائيل على وجه السرعة. وفي ظل ذلك وغيره كثير تتأكد الحقيقة بأن الولايات المتحدة هي الشريك الكامل مع إسرائيل في العدوان.. وليست مجرد داعم أو مساند.
على النقيض تماما
كشف الأسبوعان الماضيان عن فجوة كبيرة – ومتزايدة الاتساع- في الدول الكبرى بين الموقف الشعبي الداعم لأهل غزة، والموقف الرسمي المنحاز لإسرائيل انحيازا تاما، لا يؤثر فيه وفق ما يرى زياد بهاء الدين في «المصري اليوم» أي ثمن يدفعه الفلسطينيون. لنبدأ بالتصويت على قرار الأمم المتحدة الذي تم إقراره يوم الجمعة الماضي 27 أكتوبر/تشرين الأول بغالبية 120 دولة من أعضاء المنظمة. القرار متواضع ولم يكن في كل الأحوال ليُحدث بذاته أثرا فعليا على الأرض. كل ما انتهى إليه هو «الدعوة لهدنة إنسانية فورية دائمة ومستدامة تُفضي إلى وقف الأعمال العدائية وتوفير السلع والخدمات الأساسية للمدنيين في غزة». القرار لم يدع لتسوية عادلة للقضية الفلسطينية، ولا لوقف الاستيطان، ولا لحماية القدس.. مجرد وقف العدوان الهمجي على غزة وإدخال المواد الغذائية والأدوية اللازمة لإنقاذ أهلها. مع ذلك رفضته أربع عشرة دولة، وامتنعت عن التصويت عليه أربعون دولة أخرى. وقف بجانب إسرائيل في رفض القرار ثلاث عشرة دولة، أبرزها الولايات المتحدة وكوريا والنمسا وكرواتيا والمجر. أما الأربعون دولة التي امتنعت عن التصويت فعلى رأسها ألمانيا وبريطانيا وكندا والهند وأستراليا واليابان. (المفاجأة كانت وقوف تونس والعراق في جانب الممتنعين، الأولى لأن القرار لا يحافظ على الحق الفلسطيني بما يكفي، والثانية لأنه يعترف ضمنا بإسرائيل، وفي الحالتين أميل إلى اعتبارها غلطة دبلوماسية فادحة لا تعبر بالتأكيد عن إنكار حقيقي للحق الفلسطيني). من جهة أخرى، فقد صوَّت لصالح القرار الدولي فرنسا وإسبانيا وسويسرا والصين وروسيا والبرازيل. ومع ذلك فإن تأييد القرار لم يغير من واقع وقوف البلدان الأوروبية الكبرى، التي يقال عنها داعمة للعدالة وحقوق الإنسان، مع الجانب الإسرائيلي حتى مع استمرار القصف الوحشي لغزة واتساع الاجتياح البري وتجاوز عدد الشهداء الثمانية آلاف.
الثمن فادح
ازدواجية المعايير الدولية ليست ظاهرة جديدة، كما يرى زياد بهاء الدين، خاصة حينما يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني وما يتعرض له من عدوان وحصار إسرائيليين منذ عقود. لكن الجديد هذه المرة هو رد الفعل الشعبي، سواء من أساتذة جامعيين أو متظاهرين من الشباب أم من الرأي العام الواسع الذي يتابع وقائع العدوان على غزة يوميا ولا يكاد يصدق وقوع مثل هذه المذبحة في العصر الحديث. الدافع لهذا التغير الكبير في المقام الأول والأخير هو وحشية الانتقام الإسرائيلي، والثمن الفادح الذي دفعه ويدفعه أهل غزة، خاصة من الأطفال. وما كان يمكن تجاهله أو إخفاؤه في الماضي من أخبار العدوان وعدد ضحاياه صار متاحا أمام الجميع في الإعلام التقليدي المستقل ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي. كذلك فإن ظهور وجوه فلسطينية وعربية قادرة على نقل وجهة النظر العربية إعلاميا بذكاء ووعي وبلغة حديثة يفهمها العالم، كان له أثر كبير. ومعهم جمعيات حقوقية دولية مستقلة، ومعلقون وكتاب، ونجوم الرياضة والفن الذين يتابعهم الملايين. وفوق هذا أظن أن هناك وعيا تدريجيا ومتزايدا بين الأجيال الشابة في كل أنحاء العالم بعدالة القضية الفلسطينية، وعدم الانصياع لوجهة النظر الإسرائيلية دون تدقيق أو تفكير. فكرت في سبب استمرار حكومات هذه الدول الكبرى في دعم العدوان الإسرائيلي حتى بعدما تحول إلى عملية إبادة جماعية، وهي حكومات عادة ما تتابع وتستجيب لاتجاهات الناخبين وتحرص على كسب أصواتهم. واستعنت في ذلك ببعض من أعرفهم في مصر وخارجها. والتفسير الذي انتهيت إليه هو اليقين الراسخ في الأوساط السياسية الدولية بأنه مهما كانت فظاعة ما ترتكبه إسرائيل فإنها ستظل حليفا أكثر استقرارا على المدى الطويل. وأكثر تأثيرا في أي انتخابات مقبلة في هذه الدول، بينما ردود الفعل الداعمة للجانب الفلسطيني لن تعدو أن تكون انفعالا وقتيا بوضع إنساني قاسٍ، ومتابعة مؤقتة ستنحسر متى انحسرت التغطية الإعلامية لغزة أمام أحداث مقبلة. أما الأصوات العربية في الخارج فليست مؤثرة في انتخابات مقبلة لأنها بطبيعتها منقسمة وغير منظمة ولا تستند لمؤسسات مستقرة. العدوان الإسرائيلي على غزة يتصاعد، والشهداء يسقطون كل يوم بالعشرات والمئات، ووقف المذبحة هو الأولوية.
لا بديل آخر
تواصل إسرائيل مذابحها ضد الفلسطينيين بدم بارد، ويواصل قادة الغرب إعلان دعمهم المطلق لإسرائيل وما ترتكب من جرائم حرب، وباستثناء دول عربية قليلة جدا تدافع عن الشعب الفلسطيني قولا وفعلا، وحقه في الحياة والعيش في دولة مستقلة، يكتفى بعض القادة العرب كما أشار أشرف البربري في «الشروق» بمناشدة المجتمع الدولي التدخل لوقف إطلاق النار والسماح بدخول المساعدات الغذائية والدوائية إلى القطاع، وكأنهم فقط لا يريدون للطفل الفلسطيني أن يموت جائعا، ما داموا لا يبذلون محاولة حقيقية لوقف هذه المقتلة. وإذا كان قادة الغرب يبررون هذه المذابح الإسرائيلية غير المسبوقة بذريعة «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» لا نرد عليهم بالقول إن إسرائيل دولة احتلال وما يفعله الفلسطينيون ليس أكثر من ممارسة حقهم في مقاومة الاحتلال وفقا لكل المواثيق والقوانين الدولية. وإن الهجمات المسلحة التي تقوم بها المقاومة الفلسطينية مجرد فعل مقاوم مشروع. ولا أرى أي مبرر لامتناع بعض الحكومات العربية عن الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بفصائله المختلفة في مقاومة المحتل الإسرائيلي، اللهم إلا إذا كان ما قاله الدبلوماسي الأمريكي المخضرم دينس روس في مقاله المنشور على موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى وفي صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي عن بعض القادة العرب صحيحا عندما قال «خلال الأسبوعين الماضيين، عندما تحدثت مع مسؤولين عرب من الذين أعرفهم منذ فترة طويلة، قال لي كل واحد منهم إنه لا بد من تدمير «حماس» في غزة. وأوضحوا أنه إذا اعتبرت «حماس» منتصرة، فإن ذلك سيضفي الشرعية على أيديولوجية الرفض التي تتبناها هذه الجماعة». مهما كانت الخلافات الأيديولوجية بين أنظمة الحكم والقوى السياسية والاجتماعية في الدول العربية من ناحية وحركة حماس، فإن السماح لإسرائيل والغرب بتدمير المقاومة الفلسطينية وشيطنتها تحت شعار تدمير حركة حماس، وكل من يقاوم هو خطيئة كبرى في حق الأمن القومي العربي ككل، لأنه سيحرم العرب من الحق في المقاومة من ناحية، ويفتح الباب أمام تصفية القضية الفلسطينية ككل حتى لو كان ذلك على حساب الدول العربية المجاورة، وساعتها يمكن للغرب أن يعتبر أي رفض عربي لسيناريوهات تصفية القضية إرهابا وخروجا على الشرعية الدولية ويجب التصدي له بالقوة.
أضعف الإيمان
حركة المقاومة ممثلة في كل الفصائل الفلسطينية المسلحة التي تقاوم الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية، تمثل وفق ما أكد أشرف البربري نبض الشعب الفلسطيني من الناحية الواقعية، حتى لو كانت السلطة الفلسطينية في رام الله هي الممثل القانوني والشرعي له. فبعد مرور 26 يوما على بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وسقوط آلاف الشهداء وهدم أحياء وبلدات فلسطينية كاملة، لم نر أي مظاهرة فلسطينية تندد بحركة حماس ولا بالمقاومة المسلحة لا في غزة ولا حتى في الضفة الغربية، وإنما نرى العكس وهو أن شعبية المقاومة المسلحة في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى داخل حدود إسرائيل تتزايد. هذه الحقيقة تدركها إسرائيل جيدا لذلك فهي لا تحارب المقاومة ولا تستهدفها، وإنما تستهدف استئصال الشعب الفلسطيني كله، سواء بالقتل والتدمير، أو بدفعه للنزوح والتهجير، لذلك فالاستسلام الرسمي العربي للرواية الغربية التي توصم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب إلى الدرجة التي قال فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنه يجب إحياء التحالف الدولي المناهض لتنظيم «داعش» الإرهابي من أجل القضاء على المقاومة الفلسطينية، يعني ببساطة ـ إذا تم ـ قبولا رسميا عربيا بالقضاء على الشعب الفلسطيني، إما بإبادته أو بتهجيره. وإذا ما أرادت بعض النظم العربية كما تقول، وقف إطلاق النار في غزة وعدم تصفية القضية الفلسطينية فعليها أن تعلن بوضوح كامل اعترافها بشرعية المقاومة الفلسطينية، حتى لو لم تمد لها يد العون والمساعدة، وهذا أضعف الإيمان الوطني.
إسرائيل لا تيأس
من الواضح أن الحكومة الحالية في إسرائيل مصممة على الحسم العسكري مع حماس، ومع فصائل المقاومة الفلسطينية، بتوجيه ضربات عسكرية مركزة لا تستهدف فقط البنية العسكرية التحتية للمقاومة، وإنما تستهدف من وجهة نظر أشرف راضي في «المشهد» البنية التحتية للمجتمع الغزاوي كله، باعتبارها البنية الداعمة والحاضنة للمقاومة الفلسطينية، سواء تشكلت هذه المقاومة في حركة حماس، أو أي فصائل أخرى قائمة أو قيد التشكل، أو ستتشكل وفق معطيات جديدة في المستقبل. أدركت حكومة إسرائيل التي مارست ضغوطا كبيرة، مستمرة ولن تتوقف، لتهجير سكان غزة أن تحقيق هذا الهدف مستحيل في الوقت الراهن، ومستحيل عبر الوسائل العسكرية لما ينطوي عليه ذلك من احتمالات كبيرة لتوسيع نطاق الحرب بدخول أطراف أخرى لدائرة الصراع المباشر، والتخلي عن الأدوات والوسائل الدبلوماسية. تدرك حكومة إسرائيل أيضا أن من المستحيل إحراز تقدم في الهدف المباشر المتعلق بتفكيك البنية العسكرية للمقاومة الفلسطينية، دون تدخل بري يحقق هذا الهدف، وستمضي في هذا المسار على ما يبدو، رغم التحذيرات الأمريكية والأوروبية، ورغم الدعم والتشجيع الكبير الذي تتلقاه من هذه الدول التي أعلنت دعهما المطلق وغير المحدود، ولن يثنيها عن مباشرة هذا الهدف ضغوط أسر أكثر من مئتي أسير تحتجزهم حماس في غزة، ولا تحذيرات محللين وخبراء عسكريين إسرائيليين وأجانب من أن الحرب البرية في غزة ستكبدها خسائر كبيرة، نظرا لجاهزية المقاومة الفلسطينية واستعداد مقاتليها لهذه المعركة، بما يمتلكون من أسلحة معلومة وأخرى غير معلومة، وما توفره لهم طبوغرافية الأرض وتطويعها. وستتوقف إسرائيل عن المضي في هذا الطريق إذا تأكدت لها استحالة تنفيذ المهمة بالوسائل العسكرية.
إهانة لن تمحى
أوضح أشرف راضي أن هناك نمطا من الحروب يعرف باسم حرب «الاستنزاف» وقد طورته العسكرية المصرية في أعقاب حرب يونيو/حزيران 1967 واستمرت هذه الحرب ثلاث سنوات، على الجبهة المصرية (من 1967-1970) وهذه الحرب هي النمط السائد في المواجهات العسكرية على الجبهتين السورية واللبنانية في المواجهات المسلحة الإسرائيلية – الفلسطينية. غير أن المواجهة المسلحة مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) طور مفهوما جديدا للحرب هو «حروب التصفية». والمتابع للحرب التي تشنها إسرائيل الآن ردا على عملية «طوفان الأقصى» سيلاحظ كما أن هذه الحرب تندرج في إطار حرب «التصفية» وهو ما أشار إليه محللون عسكريون وأمنيون إسرائيليون، لكن السؤال هنا هو تصفية من؟ والإجابة على هذا السؤال لا يمكن أن تأتي إلا في سياق تصور سياسي أكبر لأهداف إسرائيل من عدوانها الوحشي على غزة وتدمير البنية التحتية على النحو الذي يشير إلى أن إسرائيل تجمع في حربها تلك بين حرب التصفية والحرب الشاملة. فعلى الرغم من عنصر المباغتة في الهجوم الذي شنته حماس المقاومة الفلسطينية، إلا أن إسرائيل تمكنت سريعا من استعادة زمام المبادرة وطورت هجوما مضادا واسع النطاق، سعت من خلاله إلى تحقيق أهداف سياسية، يجري تطويرها وتطويعها، حسبما تسمح به موازين القوى والضغوط المضادة الداخلية والخارجية. في البداية، سارع مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي إلى إعلان «حالة الحرب» مطلقا على حملته العسكرية اسم «السيوف الحديدية» وهو اسم لا يحمل أي دلالة عسكرية، حسب محللين يعتقدون أن إسرائيل أطلقت هذا الاسم على عجل تحت ضغط عنصر المباغتة، وأنها استعجلت الرد نظرا للإهانة التي تعرض لها الجيش وأجهزة المخابرات الإسرائيلية في الهجوم الذي نفذه أكثر من ألف مقاتل من حماس ومن فصائل مقاومة أخرى، توغلوا بشكل مباغت مع ساعات الفجر الأولى في اتجاه اكثر من 20 موقعا إسرائيليا، مهد له قصف صاروخي شمل إطلاق آلاف الصواريخ، وطائرات مسيرة، ومحاولات تسلل عبر البحر، وفتحوا ثغرات عديدة تمكنوا من خلالها من عبور السياج الحدودي وقتل وأسر مئات الجنود والمستوطنين الإسرائيليين، واقتياد العشرات منهم كأسرى إلى داخل القطاع.
غضب كاذب
أمام المجازر الإسرائيلية ضد شعب فلسطين يقف العالم غاضبا، لكنه للأسف غضب من وجهة نظر الدكتور محمد حسن البنا في «الأخبار» بلا فاعلية.. 70% من حصيلة الشهداء الفلسطينيين من الأطفال والنساء، بشهادة المنظمات الإنسانية الدولية. وتسعى الدول العشر غير الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها البرازيل لصياغة مسودة مشروع قرار حول وقف النار، لكنه يواجه عقبات كثيرة، خاصة من أمريكا وفرنسا وبريطانيا. العالم يتجه إلى هدنة إنسانية، كما طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر القاهرة للسلام الشهر الماضي. وينص المشروع الجديد على الدعوة إلى هدنة إنسانية مؤقتة ما دام وقف النار يواجه رفضا من الدول المؤيدة لإسرائيل. وأن تقدم مساعدات إنسانية آمنة ومستدامة وتوفير الطاقة الكهربائية والمياه النظيفة للنازحين من سكان غزة. لكن إسرائيل لا تهتم بهذه المطالبات الدولية وتدعمها أمريكا، رغم أن إسرائيل قتلت ما يقرب من 10 آلاف فلسطيني، والعشرات من عمال وكالة الأونروا والصحافيين، وهم جميعا مدنيون وليسوا من حماس، إضافة إلى أكثر من مليون نازح، ولم يهتم أحد. وقد فشلت الأمم المتحدة في حمايتهم. وهو ما يدل على تقويض النظام الدولي بأفعال أمريكا وإسرائيل. وقد نبه مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا في اجتماع لمجلس الأمن الدولي، إلى أن هناك عملية تطهير عرقي في قطاع غزة. وأن القطاع بات معزولا عن العالم جراء انقطاع الاتصالات عنه. وأن هناك كارثة إنسانية في غزة والضفة الغربية لم نشهدها من قبل. وهو أيضا ما أكده مندوب فلسطين في مجلس الأمن السفير رياض منصور: أغلبية سكان غزة أصبحوا نازحين بسبب قصف طائرات الاحتلال. وأن غزة الآن جحيم على الأرض ولا مكان آمن أمام الفلسطينيين، ودعا مندوب الصين في مجلس الأمن إسرائيل – باعتبارها القوة المحتلة – إلى رفع الحصار عن قطاع غزة، وفرض العقاب الجماعي.. اللهم أنت القادر على هزيمة الصهاينة ومن يساندهم.
مجاهدون صغار
المقاومة هي أنبل الفضائل، وما يعطيه أطفال غزة لنا من صور مستمرة تظهرهم يضحكون ويلعبون ويقرأون، رغم المآسي والقصف المستمر الذي يحصد مئات الأرواح يوميا، دروسا للتأمل.. أضاف عبد اللطيف المناوي في «المصري اليوم»: ضحكاتهم في الصور القليلة التي باتت تصل لنا بعد محاولة تل أبيب لحجب هذه البقعة عن العالم بقطع كل وسائل الاتصال، كفيلة بأن تبكينا وتعطينا مزيدا من الأمل حول المستقبل. تحولت أجزاء من المدارس المدمرة وأماكن التجمع الباحثة عن أي إحساس بالأمان إلى تجمعات للأطفال يحاولون فيها استعادة الأمل. هذا هو الإحساس الذي انتابني في ثلاثة مشاهد حدثت أمامي أثناء آخر مراحل «تحدي القراءة العربي» المبادرة المهمة التي أطلقها منذ سنوات، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. المشهد الأول كان لطفلة من فلسطين، شاركت في «تحدي القراءة» رغم كل الصعوبات التي تواجهها، ورغم كل المعوقات، إلا أنها تحدتها جميعا، ورغم أنه لم يحالفها الحظ في الوصول إلى المرحلة النهائية من التحدي، إلا أن كلماتها التي ظهرت في الفيلم الذي عُرض في الحفل امتلأت بالحماس والإرادة؛ حماس وإرادة ربما يفتقدها أطفال آخرون لم يتعرضوا للأزمات نفسها التي تعرضت لها هذه الفتاة في حياتها، وأبرزها أن أباها أسير في سجون الاحتلال.
أسوة حسنة
المشهد الثاني الذي أثار اهتمام عبد اللطيف المناوي هو مشهد المتسابقة السورية التي وصلت إلى المرحلة النهائية من التحدي، ووقفت أمامنا جميعا، أمام الشيخ محمد بن راشد وأفراد من الحكومة وشخصيات بارزة ثقافية وإعلامية من الوطن العربي بأكمله، لتحكى عن حبها وشغفها بوطنها سوريا، لكنها لم تغالب دموعها التي انهمرت عندما تحدثت عن آثار الدمار الذي خلفته الحرب التي استمرت نحو 10 سنوات. بكت الفتاة وتحشرج صوتها، وسط دعم وتصفيق الحاضرين الذين يفهمون معنى الحرب، ومعنى أن تعيش تحت قصف متواصل، وتحت تهديد مستمر، لكنها أعطت الأمل من جديد، وعادت لتكمل كلمتها، بصوت مقاوم، ونظرات من أمل. أما المشهد الأخير فكان رد الفعل الكبير عندما عُزف السلام الوطني الفلسطيني في لوحة قدمت كل أناشيد البلاد العربية، حيث قوبل بتصفيق كبير، وهو رد فعل ينم عن أن القضية الفلسطينية في قلوبنا جميعا قبل أن تكون في قلوب الفلسطينيين وحدهم، أو في قلوب الساسة الفلسطينيين وقادة الفصائل. هذه المشاهد الثلاثة أكدت لي أن فعل المقاومة، سواء بالفعل أو بالكلمة وبالعلم شيء متأصل في الطفل العربي. استطعت تلمس ذلك أيضا في مواقف الشباب والأطفال هنا في مصر، دعما للقضية الفلسطينية ولأطفال غزة الذين يستشهدون يوميا، ولمستها أيضا في رغبة مئات الأطفال الذين حضروا حفل تحدي القراءة على صناعة مستقبل عربي مبهر. المقاومة ضد العدو مهمة، والمقاومة أيضا ضد الجهل والتسطيح لا تقل أهمية، ولنا في صور الأطفال الفلسطينيين في المخيمات، وبين ركام المباني المتهدمة بفعل صواريخ إسرائيل أسوة حسنة.
وداعا للسلام
الأثر الذي سوف تحدثه الحرب الإسرائيلية الجارية على قطاع غزة، على علاقات إسرائيل الحالية بالدول العربية، والتي اجتهدت الدولة العبرية في بنائها منذ نشأتها في المنطقة العربية، منذ 1948 حتى الآن في تقدير الدكتور أسامة الغزالي حرب في «الأهرام» سيكون كبيرا: تلك العلاقات بعد الحرب على غزة لن تعود أبدا كما كانت قبلها. وتلك هي القضية المحورية التي غفل اليمين الصهيونى المتغطرس عن إدراكها، والتي عادت بالنزاع أو الصراع العربي – الإسرائيلي، كما سبق أن قلت، إلى نقطة الصفر لقد بنت إسرائيل علاقات مهمة مع عدد كبير من البلاد العربية بإصرار ودأب شديدين، وكانت مبادرة الرئيس السادات التاريخية بزيارة إسرائيل في عام 1977 التي انتهت بتوقيع معاهدة السلام معها في 1979. هي نقطة التحول التاريخية في تلك العلاقات. وأصبحت لإسرائيل علاقاتها المهمة ـ فضلا عن مصر- مع السلطة الفلسطينية (اتفاق أوسلو في 1993) ومع الأردن (1994) والسودان والبحرين والإمارات والمغرب (2020). وفى حين تعرضت المملكة العربية السعودية إلى ضغط هائل من الأمريكيين لإنشاء علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، قبل أحداث غزة، فقد ظلت كل من سوريا والعراق والجزائر وتونس واليمن والكويت، رافضة للعلاقات معها، وفي حين امتنع لبنان عن توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل إلا اتفاق ترسيم الحدود معها في العام الماضي (2022) عد بمثابة نوع من الاعتراف الناقص. الآن، تهب على تلك العلاقات كلها رياح حرب غزة الساخنة، التي تغذيها حماقة إسرائيلية مذهلة، وروح انتقامية بشعة تحصد بوحشية وبلا أي اكتراث أرواح مئات الألوف من الأبرياء.. لتطيح بكل ما بني من سلام، وكأنه بناء هش لا أساس ولا كيان له.
نواب الشعب
ومن معارك البرلمان: قال النائب محمد عبد العليم داود رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد في مجلس النواب، خلال كلمته، أن ثمن الكرسي في مقر البرلمان الجديد في العاصمة الإدارية الجديدة، يبلغ 300 ألف جنيه، منتقدا قيمة ذلك المبلغ المرتفع والمبالغ فيه. ورفض رئيس الجلسة ذلك الحديث، معقبا بأنه غير صحيح بالمرة، وتدخل النائب إيهاب الطماوي وكيل اللجنة التشريعية في مجلس النواب؛ ليطالب بحذف ما ذكره النائب عبد العليم داوود من المضبطة. ونقل عبد الرحمن بدر في «درب» عن داوود قوله: كل التشريعات اللي جاية لنا لا تغير شيئا، بعد إذنك مش عايز صناعات جديدة رجع لي الصناعات المصرية اللي كنت بصدرها للخارج. وتابع: لن يكون لدينا إصلاح اقتصادي أو تصدير أو استثمار، إلا إذا كان لديك إصلاح سياسي حقيقي، المناطق الصناعية في مصر شيء مؤسف، في دائرتي في مطوبس منطقة صناعية مدمرة، لما أحب أجيب مستلزمات إنتاج ألاقي عملة صعبة فين؟ وأضاف: الكرسي الواحد في البرلمان الجديد ثمنه 300 ألف جنيه، فقاطعه رئيس الجلسة قائلا: معلومات غير دقيقة تماما، من قال هذا؟ أنت تخرج عن الموضوع. وعلق النائب إيهاب الطماوي، وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، مطالبا بحذف كلمات النائب من المضبطة، وهو ما لاقى استحسان النواب وصفقوا له، وقال الطماوي: أطالبه بالاعتذار للبرلمان المصري بكل أعضائه على التجاوزات المستمرة التي يتعمد إثباتها في المضبطة، هذا تقليل من شأن مجلس النواب الذي يمثل الشعب المصري. وأضاف: داوود يتعمد في كل مرة يمنح فيها الكلمة الخروج عن النص، إهانة مجلس النواب وهذا قد يؤدي إلى أن نطالب بإحالته إلى لجنة القيم إذا استمر في هذا النهج. وتابع: كل نواب المجلس أغلبية ومعارضة متعاطفين ومدافعين عن أي نائب يتجاوز مرة أو مرتين، لكن النائب مع تقديري واحترامي على المستوى الشخصي، ما في مرة مُنح الكلمة إلا وخرج عن الموضوع، مرة يهين سيدات مصر، مرة يهين البرلمان الذي ينتمي إليه هذا غير مقبول، المرة المقبلة نطالب بإحالته للجنة القيم.
كرم حميدتي
فى غمرة الإنشغال بالعدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، لم ننتبه إلى أخبار أخرى التفت لها سليمان جودة في «الوفد» كان من الممكن أن تكون مانشيتات في الصحف، لو لم تكن أنباء غزة الموجعة هي المانشيتات منذ بدء العدوان عليها في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. من بين هذه الأخبار ما أعلنته قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش في السودان، عن أنها أطلقت سراح 265 أسيرا من أسرى الجيش لديها.. أما مناسبة هذه الخطوة فهي استئناف المفاوضات بين الطرفين في مدينة جدة على البحر المتوسط. ما الفرق بين قوات الدعم في هذه المسألة، وأي قوة أجنبية يمكن أن تهاجم السودان وتشتبك مع الجيش؟ لا فرق أبدا من أي نوع.. والمعنى أن الأمر في عدد من عواصم العرب وصل إلى حالة لا يتقاتل فيها أبناء البلد الواحد فقط، لكنهم يأسرون بعضهم بعضا.. ثم إن لنا أن نتصور حال كل جندي من الجنود الذين أطلقوا سراحهم، وهو يتأمل وضعيته في الأسر، فيكتشف أن الذي أسره جندي سوداني مثله تماما.. وبكل أسى وحزن، فإن وضع السودان في هذا السياق ليس فريدا بالمرة، لأن أوضاعا في دول عربية أخرى أصبحت تشبه الوضع السوداني إلى حد التطابق. فمن فترة كانت الجماعة الحوثية في اليمن، قد أسرت عددا من الجنود من الجيش اليمني، وكانت قد دخلت في مفاوضات مع الجيش من أجل الإفراج عنهم، وكانت هناك أطراف دولية تشرف على الموضوع وتراقبه، ومن اليمن إلى ليبيا لم يختلف الأمر، لأن بلد العقيد جاء عليه وقت هو الآخر، أوقعت حكومة الغرب أسرى ممن يتبعون حكومة الشرق، وفعلت حكومة الشرق الشيء نفسه مع جنود الغرب، ودخلت الحكومتان في عملية تفاوضية، وبدت القصة هزلية من أولها إلى آخرها، لأنه لا يمكن للمرء أن يتصور المشهد الذي يضم في إطاره هذا العبث السياسي. وهكذا غطت الحرب في غزة على المشهد السوداني الحزين.