تسببت مسألة إعادة الإعمار بتعميق الخلاف الليبي الليبي، إذ أن عقد المؤتمر في بنغازي، مقر سلطة خليفة حفتر، غريم الدبيبة، وليس في طرابلس، كان مثار تجاذبات وصراعات.
تسعى فرنسا إلى استثمار انشغال أمريكا بالحرب في غزة، لتعود إلى الساحة الليبية من البوابتين الاقتصادية والسياسية، وذلك في علاقة بمؤتمر إعادة إعمار مدينة درنة من جهة، واحتمال إطلاق مبادرة فرنسية للخروج من العطالة الحالية، من جهة ثانية.
وكانت الأحكام بالسجن، الصادرة على الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، في قضية تمويل معمر القذافي لحملته الانتخابية، باعدت بين باريس والجمهور الليبي، الذي فقد ثقته في ساركوزي، واستطرادا في الدور الفرنسي برمته. وكان الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون أطلق مبادرتين لتسوية الأزمة الليبية، واحدة في 2018 والثانية في 2020 لكنه أخفق في التقريب بين طرفي الصراع، وإن نجح في الجمع بين رئيس حكومة الوفاق آنذاك فايز السراج، والقائد العسكري للمنطقة الشرقية خليفة حفتر، مرة في قصر الإيليزيه، ومرة ثانية في ضاحية سان كلو الباريسية.
في إطار هذه الجهود الفرنسية المتجددة، التي قد ترتقي إلى مبادرة متكاملة، بحث المبعوث الفرنسي الخاص إلى ليبيا، بول سولير، والسفير الفرنسي مصطفى مهراج، مع نائب رئيس البعثة الأممية في ليبيا، ريزدون زينينغا، العملية السياسية، الرامية لإنهاء الحروب الأهلية الليبية و«تشكيل حكومة موحدة للتحرك نحو الانتخابات».
صفقات إعادة الإعمار
هذا الموقف يُزعج أيما إزعاج رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في طرابلس، الذي تعهد بعدم تسليم السلطة إلا إلى حكومة منتخبة، أي بعد إجراء الانتخابات. وحسب السفارة الفرنسية في ليبيا، على موقعها في فيسبوك، تطرق الاجتماع أيضا إلى مؤتمر إعادة إعمار درنة، الذي عُقد في بنغازي الأربعاء والخميس الماضيين، لمناقشة الدور الذي يمكن أن تلعبه الشركات الفرنسية في عملية إعادة الإعمار، بالإضافة إلى الدعم الإنساني الفرنسي للمتضررين. ورمى المؤتمر، من بين أهداف أخرى، إلى إعادة بناء المنشآت والأبنية والبنى التحتية التي جرفتها مياه سُدين انفجرا أواخر ايلول/سبتمبر الماضي، وكانا بمثابة طوفان أغرق رُبع المدينة ومدنا صغيرة مجاورة في البحر المتوسط.
وقُدر عدد الذين هجروا المدينة بسبب الفيضانات بأكثر من 43 ألف شخص، حسب إحصاءات الأمم المتحدة. واضطر كثير من النازحين للمغادرة نحو مناطق مجاورة بسبب ندرة المياه الصالحة للشرب. وعبر أولئك النازحون وكذلك الناجون، عن غضبهم الشديد على السلطات الحكومية، متهمين إياها بالتقصير والإهمال. أكثر من ذلك، تسببت مسألة إعادة الإعمار بتعميق الخلاف الليبي الليبي، إذ أن عقد المؤتمر في بنغازي، مقر سلطة خليفة حفتر، غريم الدبيبة، وليس في العاصمة السياسية والإدارية طرابلس، كان مثار تجاذبات وصراعات، أثرت في التقليل من عدد الذين استجابوا لدعوة المشاركة. زد على ذلك أن حفتر حرص على أن يفتتح بنفسه أعمال المؤتمر، ولم يترك هذه المهمة لرئيس الوزراء الموالي له أسامة حماد، مما عمق الشرخ، وأفقد المؤتمر مصداقيته لأنه مؤتمر «لا يمثل كل ليبيا». ولعل هذا ما حمل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح على مقاطعة المؤتمر بدوره.
عناصر طاردة
واستطرادا فإن هذه الذهنية الاحتكارية أضعفت المشاركة في المؤتمر وقللت من إقبال المدعوين على درس احتمالات المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار. وهي تُفسر أيضا ضعف مشاركة البعثة الأوروبية لدى ليبيا، التي أنذرت منذ البداية، بأنها ستشارك كمراقب فقط في مؤتمر بنغازي، موضحة أنها «لا تؤيد أي مبادرة لإعادة الإعمار من جانب واحد». وهذا يطرح مجددا طبيعة الوضع السياسي المتوتر، نتيجة تفجُر اشتباكات بين جماعات مسلحة، بين الفينة والأخرى. ولم يكن لائقا ولا منطقيا أن تندلع معارك مسلحة في مدينة غريان، جنوب العاصمة طرابلس، بالتزامن مع افتتاح مؤتمر إعادة إعمار درنة في بنغازي.
كما أن أحد العناصر الطاردة للاستثمار الأجنبي يتمثل في انتشار الفساد، الذي «تقدمت» فيه ليبيا على كثير من دول العالم. وعندما كانت الوفود تصل إلى مطار بنغازي، أعلنت النيابة العامة سجن مدير تنفيذي سابق للشركة الليبية للاستثمارات الخارجية، وملاحقة سبعة أشخاص آخرين، تعاقبوا على إدارة الشركة. وذكر مكتب النائب العام أن هذه الإجراءات تأتي ضمن تحقيقات تجريها النيابة العامة حول نشاط الشركة والاستثمارات التي دخلتها. وأفادت النيابة أن المشتبه بهم دخلوا في شراكة غير متكافئة مع شركة مصرية ودفعوا 376 مليون دولار عام 2007. وأوضح مكتب النائب العام أنه تم دفع 86 مليون دولار أيضا سنة 2010 فيما تم دفع 125 مليون دولار بين عامي 2012 و 2018 في إطار هذه الشراكة الخاسرة. وأكد مكتب النائب العام أن تقارير ديوان المحاسبة، ونتائج تقارير المُراجع الخارجي، أثبتت تقصير المتهمين في الحفاظ على مبلغ آخر قيمته 90 مليون دولار.
ومن شأن قضايا الفساد، التي تبرز في قطاعات عدة، أن تُضعف من جاذبية البلد للاستثمارات الخارجية، التي تحتاجها ليبيا لتطوير قطاعات الاقتصاد المختلفة، وفي مقدمها قطاع النفط والغاز، الذي يحتاج إلى أموال كبيرة لتحديث بنيته المتهالكة في بعض الحقول والموانئ النفطية.
انتهاكات حقوق الإنسان
وفي مجال يبدو بعيدا عن قطاع المال والأعمال، تثير الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان في ليبيا، شرقا وغربا، قلق المنظمات الإنسانية الدولية، بينما يتلقى حاكم المنطقة الشرقية حفتر دعما غير محدود من روسيا وفرنسا والإمارات ومصر. ورفعت مجلة «بوليتيكو» الأوروبية مؤخرا، النقاب عن مساعي عدد لم تُحدده من أعضاء البرلمان الأوروبي، لإرسال 41 مدرعة إلى أوكرانيا، وكانت المدرعات قادمة من مصنع في الإمارات، قبل أن تصادرها قوات «إيريني» الأوروبية، قبالة السواحل الليبية، وكانت متجهة إلى ميناء بنغازي. وأرسل الإماراتيون تلك المدرعات، بالرغم من الحظر الدولي على تسليم أسلحة إلى ليبيا.
في المقابل لفتت المجلة إلى أن الليبيين يُمارسون ضغوطا قوية في الأمم المتحدة، لاستعادة تلك المركبات المدرعة، لكن جهودهم لم تُعط أُكلها بعدُ. وفي السياق، تُساهم الاعتقالات والاشتباكات المسلحة والتصفيات الجسدية في توتير الأجواء السياسية في المنطقة الشرقية، حيث يُحكم الضابط المتقاعد حفتر قبضته على المعارضين والمستقلين والحقوقيين والإعلاميين، ويُسيطر على وسائل الإعلام الخاصة، ما تسبب باحتجابها، الواحدة تلو الأخرى. ومن مظاهر فرض الصمت على النخب بجميع تياراتها وألوانها، إلقاء القبض مطلع الشهر الماضي على رئيس المكتب السياسي لحزب «ليبيا للجميع» فتحي البعجة وعضو الحزب طارق البشاري والناشط السياسي سراج دغمان.
ثلاثة محتجزين
وحسب رئيس الحزب عاشور شوايل، الذي شغل منصب وزير الداخلية في حكومة علي زيدان، تفيد معلومات من مصادر مختلفة، أن التحقيقات مع المحتجزين استُكملت، لكن لم يُفرج عنهم، «بالرغم من التأكد من براءتهم من التهمة المنسوبة إليهم» على ما قال شوايل في تصريح لقناة «الوسط» الليبية. وأوضح شوايل أن احتجاز الشخصيات الثلاث، طيلة أكثر من ثلاثة أسابيع، جاء على خلفية تقرير قدمته موظفة مستقيلة من مركز ليبيا للدراسات الاستراتيچية والمستقبلية (مقره في بنغازي) أفادت فيه بأن الثلاثة عقدوا اجتماعًا «خططوا فيه لقلب النظام وإسقاط الجيش الوطني» (الذي يقوده حفتر). والأرجح، إذا لم يُخل سبيلهم، أن تتدخل في الأمر القبائلُ التي ينتمون لها.
جثث تحت الركام
وعلى الصعيد الإعلامي، وصفت الصحافية الفرنسية مارتين لاروش، ليبيا كما تركها معمر القذافي، بـ«البلد المفكك». وقامت لاروش أخيرا بتحقيق صحافي عن سيف الإسلام، الابن الثاني لمعمر القذافي، الذي ترشح لانتخابات 2021 المُجهضة، مؤكدة أنه يحظى بدعم من القبائل.
وكانت المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا، أعلنت في تلك السنة، القائمة الأولية للمترشحين للانتخابات الرئاسية، وتضمنت 73 مرشحا، بينما استبعدت 25 من المتقدمين، كان أبرزهم نجل الزعيم الليبي الراحل.
وبررت المفوضية استبعاد 25 مرشحا «بعدم انطباق الشروط عليهم وعدم استيفائهم للوثائق والمستندات المطلوبة» على ما جاء في قرار المفوضية. لكن يمكن القول إن الخوض في هذا الأمر اليوم سابقٌ لأوانه، وإن كان «الخضر» مثلما يُسمى أنصارُ القذافي الابن، يستعدون لليوم الذي يُفتح فيه باب الترشحات مُجددا. وفي أيار/مايو الماضي، أسقطت المحكمة العليا في ليبيا حكم الإعدام الصادر بحق سيف الإسلام في 28 تموز/يوليو 2015.
وعلى الرغم من أن الفرقاء الليبيين يؤكدون دوما أن الانتخابات ضرورية للخروج من المأزق الراهن، إلا أنهم يبذلون قصارى جهدهم لإرجائها أو إلغائها. وعمل البعض على إلغاء دور الأمم المتحدة بالسعي إلى عدم التجديد للموفد الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا عبد الله باثيلي، غير أن المجلس وافق بكافة أعضائه على التمديد له سنة أخرى. وكان هذا متوقعا لأن الأعضاء الدائمين وفي مقدمهم أمريكا، كانوا مع التمديد. والسؤال المحوري هنا ليس التمديد من عدمه، وإنما ما سيُحققه الموفد الخاص بعد التمديد. وحض مجلس الأمن في هذا الصدد المؤسسات السياسية في ليبيا على حل القضايا الخلافية المتعلقة بالانتخابات في أقرب وقت ممكن.
والجديد في هذا المضمار أن مجلس الأمن طلب من المؤسسات المحلية إشراك المبعوث الأممي باثيلي «مشاركة كاملة» في أي مفاوضات يقودها الليبيون. كما حض المجلس على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة وشفافة وشاملة، «من شأنها أن تُفضي إلى حكومة ليبية موحدة».
وعلى صعيد متصل، أعرب المجلس عن قلقه إزاء الوضع الإنساني عقب الفيضانات التي شهدتها المنطقة الشرقية، مؤكدا على ضرورة السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين «من دون عوائق». أما الموضوع الشائك المتعلق بالأموال الليبية المجمدة في الخارج، فطالب مجلس الأمن في شأنها، بإيجاد آلية وطنية منسقة تدعمها البعثة الأممية، من أجل الإفراج عن الأموال، ضمن جهود إعادة الإعمار، وضمان إدارتها بشفافية «مع رقابة فعالة ومساءلة أمام الليبيين».
وتطرق أعضاء مجلس الأمن أيضا إلى الاشتباكات التي اندلعت في وقت سابق بين جماعات مسلحة في طرابلس وبنغازي، داعيا جميع الأطراف إلى الامتناع عن استخدام العنف والوسائل الأخرى التي يمكن أن تقوض العملية السياسية. لكن الحديث عن الانتخابات اليوم، في ظل الصراعات المُستعرة شرقا وغربا، هو حديث عن هدف بعيد المنال، ما يترك المجال مفتوحا أمام المسلحين والفاسدين وأمرائهم، للمُضي في استنزاف أغنى بلد في القارة الأفريقية.