بينما يعمل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على تنفيذ سياسة نقدية متشددة للحد من التضخم، ونجح في ذلك إلى حد كبير، فإن أجهزة الحكومة الأمريكية وعلى رأسها وزارة الدفاع «البنتاغون» تسير في عكس الاتجاه، بترويج سياسة مالية توسعية بزيادة الإنفاق العسكري في ميزانية السنة المالية الجديدة إلى 831.78 مليار دولار بزيادة 3.3 في المئة عن العام الماضي، وهو ما يتجاوز ضعف معدل النمو الاقتصادي المتوقع في العام المقبل. وتسير السياسة المالية، التي يشرف عليها البيت الأبيض، في اتجاه التوسع وليس الانكماش، على العكس من السياسة النقدية التي يضعها ويشرف على تنفيذها مجلس بنوك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وحسب بيانات السنة المالية الجديدة (تشرين الأول/أكتوبر- ايلول/سبتمبر 2023/2024) يبلغ العجز في الميزانية 1.8 تريليون دولار بنسبة 6.8 في المئة من إجمالي الناتج المحلي مقابل 6 في المئة في السنة المالية الأخيرة و 5.5 في المئة عام 2021/2022. وتتحمل الميزانية الجديدة حوالي 10.2 تريليون دولار في تكلفة خدمة الدين الفيدرالي، تعادل 3.1 في المئة من الناتج وما يزيد عن 59 في المئة من العجز في الميزانية.
ومن المرجح أن يتسع العجز في الميزانية الحالية وليس العكس، وذلك نظرا لعدم اليقين بشأن احتياجات تكلفة كل من حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين وحرب أوكرانيا ضد الروس، حيث تلتزم الولايات المتحدة بمساعدة كل من الطرفين. وفي هذا السياق طلبت الحكومة الأمريكية من الكونغرس الموافقة على تمويل إضافي لزيادة المساعدات المخصصة لكل من إسرائيل وأوكرانيا بقيمة 14.3 مليار دولار، وذلك لتوفير الأسلحة والذخائر التي تحتاجها كل من الدولتين لتحقيق النصر الذي تريده الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تحصل إسرائيل أيضا على 3.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية، طبقا لبرنامج تم الاتفاق عليه في أواخر فترة حكم الرئيس الأمريكي باراك أوباما عام 2016 بقيمة 38 مليار دولار. هذا البرنامج يستمر لمدة عشر سنوات (2019- 2028) وقد تم الاتفاق على تجديده بقيمة أكبر. ومنذ عام 2000 تبلغ مخصصات المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل ما يعادل 86 في المئة من المساعدات الكلية، التي تحصل عليها في صورة منح (أموال غير واجبة السداد). وتسهم هذه المنح بما يعادل 16 في المئة من الإنفاق العسكري في إسرائيل، كما تسهم أيضا في تمويل أنشطة الاستيطان في الضفة الغربية، حيث يتم تقديمها في صورة «مساعدات إنسانية» للمستوطنين. أما أوكرانيا فإنها منذ شباط/فبراير 2022 حتى الآن حصلت على مساعدات عسكرية مباشرة من الولايات المتحدة بقيمة 44 مليار دولار، في حين تقدر إجمالي المساعدات الأمريكية المباشرة العسكرية والمالية والاقتصادية والإنسانية بأكثر من 75 مليار دولار حسب تقدير معهد «كيل» الألماني للدراسات الاقتصادية.
زيادة العجز ترفع أسعار الفائدة
ويتجاهل صانعو السياسة المالية في الولايات المتحدة حقيقة أن قيمة العجز المالي تمثل أحد أهم محركات أسعار الفائدة في السوق، لأنه كلما زادت حاجة الحكومة للاقتراض تندفع أسعار الفائدة إلى أعلى، وتلجأ السلطات النقدية إلى تقديم حوافز للمستثمرين، ومنهم الأجانب، لتشجيعهم على الاكتتاب في شراء أذون وسندات الخزانة. ومن ثم فإن ارتفاع أسعار الفائدة الذي يؤدي إلى إبطاء النشاط الاقتصادي لمكافحة التضخم لا يؤدي دوره على الوجه الأكمل، لأن الحكومة في الجانب المقابل تقوم بزيادة مصروفاتها، التي تشمل إلى جانب الإنفاق العسكري برامج الحزم التمويلية لدعم الصناعات، خصوصا صناعات الإلكترونيات المتقدمة، ومشاريع البنية الأساسية. هذا التعارض بين السياسة النقدية المتشددة والسياسة المالية التوسعية للحكومة يطرح علامات استفهام كبيرة حول مستقبل أسعار الفائدة على الدولار، ويرجح الاستنتاج الذي توصل إليه كثير من المراقبين في العالم، بأن أسعار الفائدة على الدولار ستظل عند مستوى مرتفع لفترة أطول، إذا استمر هذا التعارض بين السياستين النقدية والمالية.
وتأكيدا لذلك فإن ريتشارد فيشر الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، حذر من تأثير الإفراط في الاقتراض الحكومي عن طريق إصدارات أذون وسندات الخزانة، مبينا أن أرقام الاقتراض الحكومي للربع الأخير من العام الحالي تشير إلى أن الحكومة تقترض 8.6 مليار دولار يوميا، مؤكدا أن هذا الرقم سيرتفع في العام المقبل، وهو ما يستدعي إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة. وأعلن بوضوح إنه لهذا السبب سيحافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي على أسعار فائدة مرتفعة لتيسير الحصول على التمويل الضخم الذي تحتاجه الخزانة الأمريكية لفترة أطول. ومن ثم فإن الاستنتاج الكبير هنا هو أن السياستين المالية والنقدية تسير كل منهما في اتجاه مختلف عن الأخرى. وطبقا لأحدث استطلاعات الرأي فإن 71 في المئة من الناخبين في الولايات المتحدة يعتقدون أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الخاطئ.
إنخفاض الطلب العالمي على الدولار
وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد قرر في الأسبوع الماضي إبقاء سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، على ما هو عليه عند مستوى 5.25 – 5.50 في المئة وهو أعلى مستوى يصل إليه منذ أكثر من 20 عاما. وفي الوقت نفسه أعلن المجلس برنامجا لتخفيض قيمة الإصدارات الشهرية لأذون وسندات الخزانة الفيدرالية خلال الأشهر المقبلة، فيما يبدو أنه خطوة على طريق تخفيض الدين العام الفيدرالي الذي وصل إلى 33.68 تريليون دولار وهو ما يعادل 123 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، ويستهلك نسبة 14 في المئة من قيمة إجمالي مصروفات الحكومة الفيدرالية في المتوسط سنويا. وتهدف قرارات مجلس الاحتياطي بتثبيت أسعار الفائدة وتخفيض إصدارات الأذون والسندات إلى طمأنة السوق التي تشعر بالقلق من تداعيات تأثير زيادة الدين العام وتكلفته، واتجاه دول من كبار حائزي الأوراق المالية الحكومية مثل الصين إلى تقليل حيازتهم منها، وهو ما يؤدي إلى ضعف الطلب عليها عالميا، ومن ثم انخفاض أسعارها. ومن المعروف أن أسعار الفائدة تسير في الاتجاه العكسي لأسعار الأذون والسندات، وهو ما يعني أن انخفاض طلبات الشراء وانخفاض الأسعار يدفع أسعار الفائدة أو العائد إلى أعلى.
ومع أن سياسة التشدد النقدي نجحت في تخفيض معدل التضخم السنوي إلى 3.7 في المئة في بداية الشهر الماضي، مقابل 9.1 في المئة في حزيران/يونيو 2022 فإن التوسع في طلب السيولة من جانب الحكومة الفيدرالية لتمويل الحرب الباردة ضد كل من روسيا والصين، والحربين الحاليتين في فلسطين وأوكرانيا من المرجح أن يتطلب الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لضمان تلبية زيادة الطلب على السيولة من جانب الحكومة الفيدرالية، وأيضا لإقامة قيد رادع ضد احتمالات عودة التضخم للارتفاع، خصوصا وأن العوامل المحفزة للتضخم ما تزال قائمة، خصوصا مع التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وزيادة احتمالات ارتفاع أسعار البترول. ويقدر البنك الدولي أن سعر برميل النفط يمكن أن يرتفع بسهولة إلى 150 دولارا، وهو ما يمكن أن يغذي حريق التضخم الذي تحركه أيضا الزيادات في أسعار الغذاء وتكلفة التأمين على البضائع.
تداعيات عسكرة الدولار
حيازة أذون وسندات الخزانة الأمريكية بواسطة الأجانب خارج الولايات المتحدة تبلغ حوالي 7.6 تريليون دولار، أي ما يعادل 24 في المئة من الدين العام الأمريكي، وتحوز اليابان والصين وبريطانيا أكثر من نصفها تقريبا. وتزيد قيمة حيازة اليابان عن تريليون دولار (حوالي 1.1 تريليون) في حين اتجهت الصين في السنوات الأخيرة إلى تخفيض حيازتها من أكثر من تريليون دولار إلى حوالي 859 مليار دولار. ومن الملاحظ أن نسبة ما يحوزه الأجانب من الدين الفيدرالي الأمريكي قد وصل إلى ذروته في عام 2014 بنسبة 34 في المئة مقابل 18 في المئة فقط عام 2000.
وخلال العقدين الأخيرين من عام 2000 إلى عام 2022 قفزت قيمة حيازة اليابان من أوراق الخزانة الأمريكية بمقدار الضعف تقريبا إلى 1.1 تريليون دولار مقابل 534 مليار. كما قفزت حيازة الصين بمعدل يزبد عن ثماني مرات خلال الفترة نفسها إلى 855 مليار دولار مقابل 101 مليار فقط عام 2000. ومع ذلك فإن السنوات الأخيرة شهدت انخفاضا حادا في حيازة المستثمرين الأجانب، منذ أن قررت روسيا التخارج تماما منها، وقررت دول أخرى منها الصين وإندونيسيا تخفيض حيازتها بمعدلات مرتفعة. ومع سعي دول مجموعة «بريكس» إلى تنويع سلة احتياطياتها من النقد الأجنبي، وتنويع استثماراتها المالية، وتجنب الانكشاف بقوة على الدولار خوفا من استخدامه سلاحا سياسيا ضدها؛ فإن الإقبال على حيازة العملة الأمريكية من المتوقع أن ينكمش تدريجيا، وهو ما يعني تقليل الطلب على الدولار.
وتظهر أرقام الأشهر الأخيرة تسارع اتجاه الصين إلى تقليل استثماراتها المالية بالدولار. ففي كانون الثاني/يناير من العام الحالي كانت قيمة حيازة الصين من أذون وسندات الخزانة الأمريكية 859 مليار دولار، لكنها انخفضت في شهر اب/أغسطس الماضي إلى 805.4 مليار دولار، وهو أقل مستوى لها منذ ايار/مايو عام 2009 طبقا لأرقام وزارة الخزانة الأمريكية. وكانت حيازة الصين قد بلغت أقصاها متجاوزة 1 تريليون دولار في نيسان/أبريل 2022. ومع ذلك فإن بعض خبراء السياسة النقدية يؤكدون أن هذا الانخفاض لا يعني تحول الصين عن الدولار الأمريكي تماما، ويدللون على حجتهم بأن نسبة الدولار ما تزال في حدود نصف قيمة احتياطي النقد الأجنبي للصين. لكن أصحاب هذه الحجة يتجاهلون حقيقة أن الدولار كان يستحوذ على ما يقرب من 80 في المئة من احتياطي الصين من العملات الأجنبية في عام 2005. ولم يصرح المسؤولون الصينيون أبدا بأنهم يريدون التخلص من الاعتماد على الدولار تماما، لكنهم لا يخفون سعيهم لتقليل الاعتماد عليه.