المدنيون الفلسطينيون يسددون فواتير باهظة الثمن… وغزة ليست الهدف الأخير على قائمة أشرار العالم

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: على جبهات المعارك يصنع الفلسطينيون حاليا ملحمة بالمعنى الحرفي للكلمة، بينما أدار الجميع من مسلمين وعرب ظهورهم للضحايا، تاركين لهم مهمة الدفاع عن الأمة في المعركة المفصلية التي لن تنتهي عند غزة، بل يستهدف من يقفون خلفها التهام الكثير من المدن والعواصم العربية. وقد طالب المعارض المصري البارز الدكتور يحيى القزاز أحد مؤسسي حركة كفاية، والجمعية الوطنية للتغيير الرئيس السيسي بإتاحة الفرصة للمعارضين بالذهاب إلى معبر رفح واجتيازه للتضامن مع الأشقاء الذين يذبحون كخراف الأضاحي في غزة. وقال القزاز في تسجيل صوتي «لا تتركونا ننفجر قهرا لما يجري في غزة، واسمحوا لنا بأن نصل المعبر ونجتازه للوقوف بجانب الأشقاء، فإن قصفتنا الطائرات الصهيونية أرحناكم من الزيادة السكانية التي تعرقل خطط التنمية». كما قال نقيب الصحافيين الفلسطيني ناصر أبو بكر، إن قطاع غزة يعاني من مأساة كبرى تتمثل في نفاد كميات الوقود، لافتا إلى وصول سعر لتر الوقود لـ 15 دولارا؛ نتيجة شحه وعدم توافره. وأشارإلى قطع النازحين تجاه جنوب القطاع مسافات تصل إلى 20 كيلومترا سيرا على الأقدام في ظل توقف السيارات عن العمل؛ نتيجة نفاد الوقود أو استهداف جيش الاحتلال السيارات أثناء السير.. وأسفرت الحرب عن «شماعة» جديدة لحكومة مدبولي التي تعاني الإخفاق في الملفات كافة، حيث حلّت غزة باعتبارها أحدث الأسباب لتردي الأوضاع، خاصة الاقتصادية، وكذلك تمديد ساعات الظلام، رغم انطلاق الموسم الدراسي. وأعلن مجلس الوزراء أن حرب غزة لها آثار سلبية على الاقتصاد المصري وبصفة خاصة أسعار السلع وقطاعي السياحة والبترول، جاء ذلك خلال اجتماع ترأسه مؤخرا رئيس الوزراء مصطفى مدبولي للمجلس التنسيقي للسياسات النقدية والمالية، بحضور حسن عبد الله محافظ البنك المركزي، والدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، والدكتورة رانيا المشاط وزيرة التعاون الدولي، بالإضافة لقيادات مصرفية وحكومية، وقال المستشار سامح الخِشن المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، إن الاجتماع استعرض تأثيرات الأحداث العالمية والإقليمية – بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية والحرب في غزة – على الاقتصاد العالمي، حيث تمت الإشارة إلى أن هذه الأحداث أثرت سلبا في معظم الاقتصادات العالمية، وظهر ذلك جليا في ارتفاع أسعار السلع، لاسيما المنتجات البترولية. وفيما أخبار الحرب تطغى على كل الأحداث، أصدرت الهيئة العامة للانتخابات مجموعة محظورات للحملات الانتخابية: التعرض لحرمة الحياة الخاصة لأي من المرشحين، وكذلك تهديد الوحدة الوطنية، أو استخدام الشعارات الدينية، أو التي تدعو للتمييز بين المواطنين، واستخدام العنف أو التهديد باستخدامه. تقديم هدايا أو تبرعات أو مساعدات نقدية أو عينية، أو غير ذلك من المنافع، أو الوعد بتقديمها، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فضلا عن حظر استخدام المباني والمنشآت ووسائل النقل والانتقال المملوكة للدولة بأي شكل من الأشكال. وكذلك استخدام المصالح الحكومية والمرافق العامة ودور العبادة، والمدارس والجامعات وغيرها من مؤسسات التعليم العامة والخاصة، ومقار الجمعيات والمؤسسات الأهلية في الدعاية الانتخابية. وإنفاق المال العام في أغراض الدعاية الانتخابية، كذلك يحظر على شاغلي المناصب السياسية وشاغلي وظائف الإدارة العليا في الدولة، الاشتراك بأي صورة من الصور في الدعاية الانتخابية.

القاتل الثمانيني

منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، والولايات المتحدة التي يتابع سلوكها جلال عارف في «الأخبار» تؤكد أن أحد أهدافها الأساسية هو عدم توسيع الحرب.. ومع بداية الشهر الثاني من «حرب الإبادة» نجد أن طرفا واحدا فقط هو الذي يسير عكس الاتجاه، ويصر على توسيع الحرب ويرفض أي تهدئة.. وهو – للأسف الشديد – الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فعلى مدى شهر كامل من الإبادة الجماعية التي تقوم بها إسرائيل كانت إمدادات السلاح الأمريكي تنهمر يوميا على الجيش الإسرائيلي، وكانت البوارج وحاملات الطائرات ترابط على سواحل إسرائيل. ولم تكتف أمريكا بقواعدها العسكرية المنتشرة في المنطقة، بل أرسلت آلاف الجنود من مشاة البحرية وقوات النخبة، واعترفت بأن جنرالاتها يشاركون في إدارة العمليات العسكرية الإسرائيلية، التي أسقطت حتى الآن أكثر من عشرة آلاف شهيد، بالإضافة إلى نحو ثلاثة آلاف على الأقل ما زالوا تحت أنقاض المباني المهدمة. الدعوة الأمريكية لعدم توسيع نطاق الحرب تحولت إلى دعوة للجميع بأن يتركوا إسرائيل والولايات المتحدة تعملان دون إزعاج لإنهاء مهمة إبادة الشعب الفلسطيني، أو تهجيره من أرضه، وهو أمر مستحيل، خاصة حين تقود أمريكا حملة الحشد لرفض وقف إطلاق النار، وتشل مجلس الأمن وهي تحمي بـ«الفيتو» جرائم إسرائيل.

الشهود والضحايا

واصل جلال عارف طرح المزيد من أدلة القتل على الطريقة الأمريكية، حين يرى العالم جرائم النازية الجديدة التي تقوم بها إسرائيل بدعم أمريكا الكامل، وحين تنتفض شعوب العالم وتخرج المظاهرات بالملايين في كل العواصم حتى في واشنطن، التي خرج فيها اليهود والمعتدلون يصرخون: ليس باسمنا، أي لا ترتكبوا هذه المذابح بدعوى الدفاع عن اليهود، بينما أنتم تدافعون عن دولة مارقة يحكمها مجرمو حرب وإرهابيون للأسف.. إذا توسعت الحرب فبسبب الولايات المتحدة ومشاركتها في جرائم إسرائيل. ستشتعل الضفة الغربية وقد استعدت أمريكا لذلك، ورأينا السفاح بن غفير يوزع بنفسه أحدث البنادق الأمريكية على أنصاره من المستوطنين، مع حديث عن تسليح 400 ألف مستوطن بالبنادق الأمريكية الحديثة. وبالأمس كان خبر اعتماد 340 مليون دولار لإرسال قنابل أكثر دقة لإسرائيل لأن ما لديها من قنابل لم يقتل إلا عشرة آلاف شهيد، نصفهم من الأطفال! خطر توسع الحرب يزداد، وستخرج عن حدود فلسطين ما دامت الولايات المتحدة تغامر بما تبقى لها من سمعة ومكانة، لتشارك في حرب لإبادة شعب فلسطين، ولترسل البنادق الحديثة إلى بن غفير، والقنابل الدقيقة جدا لجيش الاحتلال وهو يمارس جرائمه النازية، وتستخدم «الفيتو» لمنع وقف حرب الإبادة.. ثم تعظنا عن حقوق الانسان وحرية الشعوب.
بالقرب منا
هناك غموض شديد يحيط بالموقف الأمريكي في مياه البحر المتوسط استرعى اهتمام فاروق جويدة في «الأهرام»: ما الذي جعلها تدفع بأهم القطع البحرية وحاملات الطائرات وأهم الغواصات إلى هذه المنطقة من العالم.. البعض يرى أن الهدف هو حماية إسرائيل، لأن الطيران الأمريكي شارك مع الطيران الإسرائيلي في ضرب غزة.. البعض الأخر يرى أن الهدف إيران، لأنها يمكن أن تهاجم إسرائيل في أي لحظة.. هناك من يرى أن أمريكا تريد أن توفر الحماية لإمدادات البترول من دول الخليج.. ويبقى الموقف الأمريكي محاطا بالغموض، وإن فشلت في ترتيب الأوضاع لترحيل سكان غزة إلى سيناء.. في تقديري أن سيناء هي الأزمة وأن إسرائيل وضعت خططها على ترحيل سكان غزة، وأن سيناء يمكن أن يكون الحل فيها.. ومع تمسك القيادة المصرية بموقفها وإصرار الرئيس عبد الفتاح السيسي على استبعاد قضية سيناء تماما، فإن بقاء القوات الأمريكية في البحر المتوسط سوف يبقى مجالا للتساؤل، وإن بقي هدفا مؤجلا ضمن مؤامرات أمريكا وإسرائيل وأطراف أخرى، ولعل ذلك يتطلب برامج تنمية سريعة ونقل ثلاثة ملايين من شبابنا إلى سيناء حتى لا تبقى مطمعا للمغامرين.. إن تنمية سيناء قضية أمن وطني وانتقال شباب مصر إليها أفضل وسيلة لحمايتها من أطماع الآخرين.. أعلنوا إنشاء جهاز تنفيذي يشرف على تنميتها وحماية كل شبر فيها.. أما الوجود الأمريكي في البحر المتوسط فعلينا أن ننتظر حتى تتكشف أهدافه وهل جاء من أجل إيران، أم الصين، أم روسيا، أم أن هناك أهدافا أخرى سوف تكشفها الأيام المهم الآن سيناء..

كلاهما مهم

يشعر المراقب لحركة الرأي العام المصري على مواقع التواصل الاجتماعى بالكثير من القلق بسبب سهولة جره إلى معارك ثانوية تشغله عن قضاياه الرئيسية؛ ففي الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لإبادة جماعية تعرض فظائعها على الهواء مباشرة، انشغل جمهور «السوشيال ميديا» وفق ما اخبرنا الدكتور خالد أبوبكر في «الشروق» بموضوع المقاطعة، وذلك المشروب القديم الذي جرى الدفع به عوضا عن مشروبات الشركات العالمية، وهو أمر طيب ومطلوب في كل الأوقات أن نعظم من المنتج المصري، وكبح ثقافة الاستهلاك التي صارت تحاصرنا وتسرق ما في جيوبنا عن رضا وطيب خاطر.. ورغم نبل مقصد مقاطعة المنتجات التي تدعم الكيان الصهيوني الذي يذبح شعبنا في فلسطين، إلا أنه من غير المنطقي على الإطلاق أن يطغى الانشغال بتلك المقاطعة على أخبار المذابح ذاتها، لم نكد ننتهي من موضوع المقاطعة تلك، حتى اشتعلت الحرب الأهلية في الساحة الفنية بعد اعتذار الممثل محمد سلام عن المشاركة في مسرحية كوميدية، قبل عرضها في الرياض، تضامنا مع الشعب الفلسطيني، وما كادت أن تهدأ عاصفة التأييد والحفاوة بالرجل حتى أشعل الممثل الآخر بيومي فؤاد مواقع التواصل بكلماته التي أدان فيها تصرف زميله، ومن هنا قامت القيامة وتحولت كل مشاعر الغضب عن الفظائع التي يرتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، إلى بيومي فؤاد. رجال ونساء.. كبار وصغار.. صار هدفهم توجيه أبشع الشتائم لبيومي فؤاد.. شعر المرء بأننا بصدد ذلك المشهد من فيلم «الشيماء» الذي صار فيه ذلك «البيومي» يلعب دور «خزاعة» (قبيلة عربية شهيرة).. فيقول أحمد مظهر لرجل من بني بكر محرضا له على الأخذ بالثأر: من قتل نساءكم؟ فيرد الرجل: خزاعة. من هم ألد أعدائكم؟ خزاعة. من قتل كلثوم وسلمى والزبير؟ فيرد الرجل بأعلى الصوت: خزاعة.

المهم ثم الأهم

هكذا صار توجيه أبشع الشتائم لخزاعة أو بيومي فؤاد وسيلة وفق ما يرى الدكتور خالد أبوبكر يعبر بها هذا أو ذاك عن وعيه السياسي ومشاركته الوجدانية للشعب الفلسطيني، في الوقت الذي تضرب فيه طائرات العدو الغاشم المستشفيات والمدارس في غزة.. ألا ترون أنكم منحتم فؤاد هذا أهمية تفوق ملايين المرات حجمه الفني؟ إنه ليس محمود المليجي ولا أحمد زكي ولا عادل إمام ولا نور الشريف، ولا من كبار ممثلينا حتى نغضب كل ذلك الغضب من تصرف أحمق اقترفه. قد يسأل البعض وماذا في يد الناس أكثر من حملات المقاطعة ودعم كل متعاطف مع الشعب الفلسطيني؟ في إجابتي على هذا السؤال أقول، إن الانشغال بما سبق على أهميته هو هروب عن الواجب إلى أشياء أقل في الأهمية على سلم الواجبات.. ألا يرى شبابنا (وهم صلب جمهور السوشيال ميديا) خصوصا الذين يجيدون اللغات الأجنبية أن عليهم دورا في التعريف بالقضية الفلسطينية، والظلم الواقع على الشعب الفلسطيني من خلال مواقع التواصل نفسها، بمخاطبة الجمهور الغربي الذي لا يريه ساسته ولا إعلامه في الأغلب الأعم إلا ما يدعم إسرائيل؟ هذه هي المعركة التي تنبه لها الكثير من الشباب العربي ممن يعيشون في الغرب، وكذلك أصحاب الضمائر اليقظة من كل دول العالم.. تجدهم لا يكتفون بكتابة منشورات تدعم الحق الفلسطيني وتفضح جرائم الاحتلال.. بل تجدهم يجرون مناقشات بالحجة والبرهان مع آخرين من دول عدة في التعليقات على ما تنشره مواقع الصحف ووسائل الإعلام الكبرى بلغات هذه الوسائل ويتفاعل معهم الناس.. فتجد من يتفق ومن يختلف ومن يطلب المزيد من الإيضاح. يجري ذلك ليس على طريقة اللجان الإلكترونية إياها، لكن يقوم بها شباب واعٍ بعروبته ومؤمن بحق الأشقاء الفلسطينيين في دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

أعدل القضايا

لعلها وفق ما يرى الدكتور أحمد عبد ربه في «الشروق» واحدة من أعدل القضايا في التاريخ الحديث، ولعله من أكثر الشعوب التي تعرضت للاضطهاد والظلم والتجاهل، بل والتآمر من المجتمع الدولي وقواه الدولية، إنها القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني العظيم. الأمر يعود إلى أكثر من سبعة عقود بعد أن أعلن قيام دولة إسرائيل وحصلت على الاعتراف الدولي في 14/15 مايو/أيار 1948على أراضي فلسطين التاريخية، بينما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حق مماثل رغم أن القرار الدولي الذي أسس للدولة اليهودية هو نفسه الذي أسس شرعية دولة فلسطين، مزيج من الفرص الضائعة والشعارات الحنجورية وغياب الرؤية الاستراتيجية والحسابات الخاطئة والتدليس الدولي، أدى في النهاية إلى استمرار الفلسطينيين والفلسطينيات بلا دولة ولا سيادة ولا أمن ولا حقوق إنسان لمدة تزيد على سبعة عقود، ولذلك فإن انفجار السابع من أكتوبر/تشرين الأول (طوفان الأقصى) لم يكن إلا نتيجة طبيعية لكل هذه الظروف غير العادلة، التي جعلت من إسرائيل أشهر سلطة احتلال في العصر الحديث يتم الدفاع عنها وعن حقها في الدفاع عن نفسها مع عدم إعطاء الحق نفسه لمن تم احتلاله. رغم ذلك، وفي أوقات كهذه، فإن مهمة الكاتب لا أن يسعد من يقرأ له فيسمعه ما يحب أن يسمعه، أو ما اعتاد أن يسمعه، لكن مهمته أن يكتب ما يعتقد أنه صحيح. في ما يلى بعض ممن لا نحب أن نستمع إليه عن القضية الفلسطينية :أولا: من الخطورة بمكان شيطنة الغرب بلا تفرقة بين حكومات وأفراد ومنظمات مجتمع مدني، صحيح أن النخب السياسية الغربية في معظمها فشلت في الانتصار للقضية الفلسطينية، وهادنت حكومة نتنياهو وجيشها، وسكتت أو تغاضت أو قللت من جرائم الحرب التي يرتكبها جيش الاحتلال في غزة أو الضفة الغربية، لكن يظل هناك العديد من الأصوات الغربية المؤثرة، سواء على مستوى الحكومات (إسبانيا والنرويج على سبيل المثال) أو على مستوى كبار الفنانين والنقاد وكتاب الرأي، أو حتى على مستوى المنظمات الحقوقية.

فلنحلم بالمتاح

من المؤسف، على حد رأي الدكتور أحمد عبد ربه عدم السماح لأحد بنقد حركة حماس تحت دعوى أن نقدها مهادنة للغرب، أو تعبير عن الهزيمة الداخلية، حركة حماس ليست فقط حركة مقاومة، لكنها أيضا حكومة، وعليها مسؤوليات، ولديها أيديولوجية وبرنامج سياسي، ومن علامات عدم النضج واللعب على وتر المشاعر، وتكرار أخطاء الماضي هو الحديث عن عملية «طوفان الأقصى» باعتبارها بداية تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، هذا مجرد خطاب ساذج يتجاهل الكثير من الحقائق على الأرض، وأهمها أنه لا يمكن الحصول على فلسطين من البحر إلى النهر، وإنه لصالح الشعب الفلسطيني قبل غيره أن يتم التمسك بحل الدولتين وفقا لقواعد القانون الدولي، وعدا ذلك هو بمثابة إطراب للمستمعين على حساب الحقائق، رفع المعنويات على حساب ما يمكن إنجازه، والأهم أنه سيشكل مزيدا من الفرص الضائعة لقضية عادلة آن الأوان لحلها لصالح الشعب الفلسطيني، بدلا من استغلالها للترويج للشعارات والتمترس خلف أيديولوجيات بالية، سواء كانت إسلامية أو قومية، مما لا يحب الكثير سماعه، كذلك أن التعاطى مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية دينية إسلامية فحسب، هو ليس فقط رؤية محدودة تستبعد الكثير في الداخل الفلسطيني قبل العربي، لكنه أيضا خطأ استراتيجي يحول القضية إلى صراع ديني يهودي ــ إسلامي، وهو بالضبط ما تريده حكومة إسرائيل وتحالفاتها اليمينية في الداخل والخارج. قضية فلسطين رغم أبعادها الدينية والقومية الواضحة، إلا أنها في الأساس قضية قانون دولي، قضية حقوقية إنسانية بامتياز، وهذا هو السبيل الوحيد لحلها والكفاح من أجلها والحصول على دعم الرأي العام الدولي لها. من غير المجدي انتظار النصر للقضية الفلسطينية من أطراف عربية أو غير عربية غير مستعدة لدفع الأثمان الغالية لفتح جبهات قتال جديدة، فحزب الله ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ مجرد أداة في يد إيران، وانتظار خطابات أمينه العام، يعني أن بعضنا يظن أن الزمن توقف عند عام 2006، وبكل تأكيد نحن في زمن مغاير وحسابات مغايرة ومن تورط في دم الأبرياء في دولة عربية أخرى، لا ينتظر منه أن ينتصر لبريء في دولة أخرى، فالموضوع في النهاية حسابات استراتيجية وقومية معقدة تتخفى وراء شعارات دينية وقومية.

يعانون وحدهم

يجد كثيرون صعوبة بالغة هذه الآونة وفق مالاحظت أمينة خيري في «المصري اليوم» في التركيز في عملهم أو دراستهم أو حتى لحظات الترفيه. الذهن مشتت دائما، حتى لو لم تكن الشاشات مفتوحة والأخبار تتوالى بالصوت والصورة، وحتى لو تمكن الشخص من إلزام نفسه بالاكتفاء بساعة أو ساعتين من مشاهدة مجريات حرب القطاع، فإنها كفيلة بمنعه من التركيز على ما يقوم به، ولو كان ترفيهيا. مشهد واحد لطفل يتألم أو يبكي أو يجلس وسط حطام غير مدرك، أو غير مصدق لما يجري حوله كفيل بأن يشتت الانتباه بعيدا عن أي عمل أو دراسة، فما بالك بملايين الأطفال على مدار الساعة، لا متألمة أو باكية أو تجلس وسط الركام فقط، بل يجري قتلها على مدار الساعة؟ نتابع هذه المشاهد المريعة، والجميع – حتى إن لم يجاهر بذلك – يحاول تخيل حياة أهل غزة. كيف يمضون ساعات الاستيقاظ، وكيف ينامون ليلا في ظلام دامس وأصوات القصف تحيطهم من كل جانب؟ وكيف يخلد أحدهم للنوم وهو يعلم أنه ليس فقط قد يستيقظ ملتاعا على صوت قصف في البيت المجاور، أو خارج المأوى الذي لجأ إليه، بل قد لا يستيقظ من الأصل. وربما يستيقظ وسط ركام وظلام دامس وهو لا يعلم ماذا حل بأبنائه أو بأمه أو بأبيه؟ المؤكد أن جميعنا يضع نفسه في مكان هؤلاء المدنيين الذين يسددون فواتير باهظة جدا تفوق طاقة البشر.

يصعب تجاوزها

المؤكد أيضا وفق ما أوضحت أمينة خيري، أن كثيرين منا يشعرون بالذنب لمجرد أنه يأكل أو يشرب، أو يفتح الصنبور فينزل ماء صالح للشرب، أو لأنه يملك من الرفاهية التي تسمح له أن يتصل بأحدهم في الهاتف، أو يحتضن أبناءه ليلا قبل أن يخلدوا إلى النوم. تبدو الكلمات مبالغة في التهويل، لكنها في الحقيقة إفراطٌ في التهوين. هذا ما يجري لنا، وهذا ما سيترك في الكثيرين منا ندوبا نفسية وجروحا يصعب أن نتخطاها. فماذا عن هؤلاء المدنيين من أهل غزة، الذي يكابدون كل ذلك على مدار ساعات اليوم الـ24؟ وماذا عن هذه الأجيال الصغيرة التي تعرضت لكم من الخراب النفسي والدمار العقلي يفوق ما يمكن أن يتصوره أحد؟ أستخدم الفعل الماضي «تعرضت» على اعتبار ما سوف يكون، وأن آلة القتل والدكّ المجنونة الدائرة رحاها ستتوقف، أو على الأقل تخفت قليلا. ما الذي سيحدث حين يتمكن هؤلاء الصغار من التقاط الأنفاس؟ أعلم أن كلاما شبيها قيل أثناء الحرب السورية، وأثناء حروب العراق، وأثناء الصراع في اليمن وكذلك ليبيا، وبكل تأكيد السودان الآن.. لكن ما يعيشه مدنيو غزة، لاسيما الصغار، أمر يفوق الخيال. الغريب أننا نبحث عن طرق ونصائح تخفف عنا آثار ما يحدث نتيجة المشاهدة. ننصح بعضنا بترشيد ساعات المتابعة، والخروج إلى الهواء الطلق، وممارسة رياضة المشي أو الركض، أملا في مداواة نفسية مما نتعرض له بالعين والقلب. فماذا عمن يعيش فيما تؤلمنا مشاهدته؟

الجريمة أمريكية

يتساءل لطفي سالمان في «الوطن»: هل هناك ما هو أسوأ من أن يصير البشر مجرد أرقام عابرة؟ صحيح أن لكل حرب كلفتها من النفوس و«الفلوس» لكن الصحيح أيضا أن التراجيديا الفلسطينية يجب أن تخلد بوصفها أهم ملامح دراما الحقيقة. هذه السيناريوهات المؤلمة يجب أن لا تكتب أبدا بحبر أبيض على أوراق شديدة البياض. ولأن الحرب متى بدأت لا تنتهي، لا تنتهي أبدا، فإسرائيل لن تتوقف، قبل 6 أشهر أو سنة، وفقا لتوماس فريدمان في مقاله المنشور في «نيويورك تايمز» في 29 أكتوبر/تشرين الأول الفائت. في مثل هذا النوع من الحروب، أي تراجع أو وقف لإطلاق النار، مهما كانت نتائج ما حقق، سيعد خسارة لإسرائيل. هذه حرب وجود؛ أي خطوة للوراء، هي انتصار لحماس. إسرائيل مستمرة في التوغل البري، وحتى أيام قليلة مضت، كانت قد تقدمت لما يقارب 5 كيلومترات داخل القطاع، دون أن تسمي ذلك بالعملية البرية، خوفا من تحفيز أطراف أخرى للدخول على خط المقاومة وإعطاء فرصة مستقبلية لنفسها، للرجوع متى شاءت، دون أن تكون قد ألزمت نفسها بمحددات ارتبطت بتسمية بعينها. تحتاج إسرائيل لتفتيش كل بيت في قطاع غزة للوصول لقادة حماس وعناصره (30 ألفا) الذين هم في واقع الأمر يعيشون في أنفاق تقدر بـ500 كيلومتر، وفقا للاستخبارات الأمريكية، أسفل قطاع غزة (360 كيلومترا) وتمتد للأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل. في حروب الجيوش النظامية، يمكن أن تعرف نتائج المكسب والخسارة مقدما، أما في الحروب التي تجري في مسارح من أنواع قطاع غزة، يمكن أن تكون فيها خسائر الجيوش النظامية أكثر من مكاسبها. أمريكا نفسها تعرضت لهذا الشبح من قبل. في العراق مرتين (من 2003 حتى 2011) ومن (2014 حتى 2017) وفي أفغانستان، خلال أطول حروبها من 2001 إلى 2021.

ستدفع الثمن

يذكّرنا لطفي سالمان بأنه رغم أن حركة طالبان لم تكن لديها قوة بحرية أو برية، إلا أنها أجبرت أكبر جيش في العالم على الخروج في النهاية. حتى 2 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، قتل 18 عسكريا إسرائيليا، وفقا للأرقام المعلنة، في العملية البرية، لكن المؤكد أن الخسائر أكبر. باليقين، الضغط الدولي أو المناشدات بالتوقف عن استهداف المدنيين، لا قيمة لها في قرار إسرائيل بالتوقف أو الاستمرار. استمرار إسرائيل أو تراجعها، في هذه اللعبة شديدة الدموية، مرهون بمدى ما تشكله عائلات القتلى والمحبوسين لدى حماس (240 تقريبا) من ضغط على الحكومة الإسرائيلية، إلى جانب حجم التهديد الذي تتعرض له مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. يعيش الاقتصاد العالمي على المسكنات منذ نهايات 2019، بفعل كورونا ومن بعدها الحرب الروسية الأوكرانية. تسارع معدلات التضخم دهس ملايين الأسر حول العالم. إذا تصاعدت الحرب بين إسرائيل وقطاع غزة، سيتعرض الاقتصاد العالمي لصدمة مزدوجة في قطاع الطاقة. برميل النفط ربما يرتفع إلى 150 دولارا. بالتبعية ستتزايد أسعار السلع. الملايين في العالم معرضون لمجاعة في 2024، وفقا لبيان البنك الدولي في 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وإذا كان هذا الاضطراب الاقتصادي أحد أكبر خسائر الحرب، فدخول أطراف أخرى على خط المواجهة، ثاني أكبر هذه الخسائر المحتملة. حتى الآن، أبدت أطراف أخرى غير حماس، مما يسمى بمحور المقاومة، استعدادها لدخول المعركة. 23 هجوما تعرضت له أهداف أمريكية، في الفترة بين 17 أكتوبر و31 أكتوبر. 14 هجوما في العراق و9 في سوريا. نتائج هذه الهجمات تعني أن دخول المعارك يختلف عن دخول الحروب. هذه حرب أمريكا، التي وافق مجلس نوابها، الخميس الماضي، على تقديم 14 مليار دولار مساعدات لإسرائيل، في حربها على قطاع غزة. إسرائيل أكثر دولة في العالم حصلت على مساعدات عسكرية مباشرة من أمريكا منذ 1948. هذا الدعم الأمريكي، يريد أن يعيد إسرائيل لأحضانها مجددا، بعد سنوات من التمرد.

ما زالت تحيا

دكت غزة بحوالي 30 طن متفجرات، بينما القنبلة النووية وزنها 4 أطنان فقط.. وما زالت الحياة والمقاومة في غزة، كما أكد خالد حسن في «الوفد» تسطر أروع البطولات.. بعيدا عن كل المؤامرات.. ما زال الإعلام العربي يركز على الدمار والشهداء في غزة، حيث لم يحقق الاحتلال سوى قتل النساء والأطفال والمدنيين، وهو مدعم بأقوى قوة في العالم من الأمريكيين تلك القوة التي أرسلت جيشها على استحياء، تخشى أن تدخل المعركة بجنودها حتى لا تنكشف أمام العالم، إنها مهما تسلحت بأقوى وأفتك الأسلحة تفتقد قوة العقيدة والإيمان، فتهزم الجيوش أمام تلك الإرادة، إنه الواقع على الأرض الذي يحاول الاحتلال والغرب ومعهم الأمريكيون إخفاءه، إنهم حتى اليوم مهزومون ومأزومون.. وإن نهاية تلك الحرب لا شك سوف تغير العالم، وليس من الخيال أن الحرب استطاعت خلال أقل من شهر تحقيق ما فشل العرب والعالم الإسلامي في تحقيقه منذ احتلال فلسطين، وهو فرار أكثر من نصف مليون إسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى مواطنهم الأصلية في دول العالم، كما تدمر الاقتصاد الإسرائيلي وهربت الاستثمارات بلا رجعة، بل تم تفريغ المستوطنات على الحدود، سواء في غلاف غزة الذي كان مخططا له بناء مستوطنات بعد دعوة يهود العالم إليها، أصبحت معركة حرب ومنازلات بين جيش الحرب الإسرائيلي واسود غزة المقاومين.. تحولت الأوراق كلها لصالح غزة، بل تحولت اللغة أيضا من العدو بقيادة الأمريكيين بعد أن كان يطالب بدك غزة والقضاء على أهلها دون أدنى شفقة، أصبح الآن يطالب بالهدنة الإنسانية التي فقدها مع أول ضربة زلزلته في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

«بأسهم بينهم شديد»

تنطلق مظاهرات الحق كما وصفها خالد حسن في العالم بأكمله بعد أن تخلى العدو عن إنسانيته تماما، ولم يحقق أدنى بطولات أو تقدم سوى على دماء المدنيين وبالطائرات، وفقد عشرات الآليات والدبابات في معارك الأنفاق، ليحاول تعويض تلك الهزائم بدك المناطق المدنية والمستشفيات والمدارس، بل من خسة هذا العدو دك مخازن المياه ليمنع أهل غزة من الحياة.. ربما تلك الخسة في الحرب دفعت العالم بعيدا عن الأنظمة، إلى الصراخ لإنقاذ المدنيين في غزة، أما على الصعيد الدولي فتحت جبهات حرب أخرى من جنوب لبنان هناك حزب الله، ومن اليمن: الحوثيون. وفي الصعيد الرسمي أعلنت كل من تشاد، تشيلي، كولومبيا، هندوراس، الأردن، البحرين، تركيا، جنوب افريقيا، وبوليفيا، أنها استدعت سفراءها لدى الاحتلال الإسرائيلي.. احتجاجا على تلك الممارسات في قتل المدنيين وتدمير غزة على سكانها. لقد استطاعت السوشيال ميديا رغم كل المحاذير داخلها، أن تكشف حجم الهزائم التي وصل إليها العدو الصهيوني وفشلت في إخفاء الهزيمة رغم كل الإمكانيات والتكنولوجيا والمليارات التي أنفقت على الحرب.. تخيل أن الجندي الإسرائيلي لديه تعليمات بعدم الخروج من الدبابة حتى لا يعرض نفسه للموت فيأتي الموت إليه وهو داخل تلك الدبابة بقنبلة يضعها البطل عليها، بعد أن يخرج من النفق فتنفجر الدبابة ويقتل جميع من في داخلها من جنود الاحتلال.. وصدق تعالى عندما قال عن حقيقتهم: «لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعا إِلاَّ في قُرى مُحَصَّنَةٍ أو مِنَ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ» (الحشر: الآية 14)

لا أحد يردعه

تصريح خطير قاله نتنياهو مؤخرا، حيث أكد أن إسرائيل ستتحمل لفترة غير محددة، المسؤولية الأمنية الشاملة في غَزة.. وعندما لا نتحمل هذه المسؤولية الأمنية، فإن ما نواجهه هو اندلاع إرهاب حماس على نطاق لا يمكننا تخيله. التصريح الذي قاله نتنياهو بكل صلافة معناه الوحيد وفق رأي طارق التهامي في «الوفد» هو نيته احتلال غَزة في تحدٍ لكل الأعراف والمواثيق والاتفاقات الدولية المُبرمة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وهو تأكيد أن هذا الرجل يمارس البلطجة مثل قُطاع الطرق، ولا يجد إرادة دولية فاعلة توقف جرائمه. قاتل الأطفال نتنياهو يحتاج لردع أممي.. لكن هذا الردع غائب.. وإسرائيل تستغل انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا.. وأن الصين لم تنتقل إلى مرحلة النفوذ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.. وأن العرب مُشرذمون.. ونصف بلادهم إما غارقة في الحروب الأهلية أو في معارك حماية الحدود.. والحروب الأيديولوجية والعرقية تُشعل الشرق والغرب.. كل هذا يجعل نتنياهو يتكلم بهذه الطريقة التي يجب أن تتحول إلى دافع لنا لكي نفهم أن غزة هي البداية، وأن بعدها ستصبح الضفة هي الهدف، وأن الخطة الجاهزة والمُعدة في تل أبيب هي طرد الفلسطينيين من أراضيهم للأبد. الغريب أن التحرك الدبلوماسي العربي ضعيف.. تكاد لا تجد تحركا فاعلا إلا من الدولتين الحدوديتين مصر والأردن.. وكأن باقي البلدان العربية لا تُدرك أن المُخطط يطول الجميع.. وأن إسرائيل وحلفاءها لن يتركونا إلا بعد التقسيم لما هو مُقسم أصلا.. فلن يتم إيقاف هذا المشروع القديم الجديد إلا بتضامن عربي كبير وصادق وواع ومُدرك لمخاطر ما يحدث في غَزة. لماذا لا يُقرر وزراء الخارجية العرب الانتقال لمدة لا تقل عن أسبوع للإقامة في القاهرة.. والالتقاء بكل سفراء العالم في مقر جامعة الدول العربية.. كل سفير يلتقي بعدد من السفراء غير العرب ليقولوا لهم إن هناك دولة تمارس البلطجة والقتل وتخالف كل مواثيق الأمم المتحدة.. ولا تجد من يردعها بسبب شعورها بحماية الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية.. وأن إيقاف هذه الجرائم ليس مُتاحا دون تحرك دولي كبير يحمي الشعب الفلسطيني من الإبادة الجماعية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية