القاهرة ـ «القدس العربي»: لا تزال الحرب على فلسطين تتصدر اهتمامات الأوساط كافة، وفي المقام الأول الجماهير الغفيرة بطول البلاد وعرضها، حيث يحرص الكثير من المواطنين في دواليب العمل والمقاهي على أن يتناقلوا في ما بينهم أعداد الدبابات والآليات التي يقتنصها رجال المقاومة الفلسطينية، وعدد القتلى في صفوف الإسرائيليين.. وسادت حالة من الترحيب الواسع بالتصريحات المنسوبة للرئيس السيسي بشأن عدم تخليه عن حركة حماس ورفضه تصفيتها، وأشارت التصريحات التي لم تصدر عن الناطق بلسان مؤسسة الرئاسة، بل نسبتها «وول ستريت جورنال» نقلا عن مسؤولين مصريين بأن الرئيس السيسي رفض خلال لقائه مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز، مقترح مراقبة الأمن في قطاع غزة. وأشارت الصحيفة إلى أن بيرنز بحث هذه الخطة مع الرئيس المصري ورئيس المخابرات العامة المصرية عباس كامل، خلال زيارته للقاهرة. وأكد المتحدث الذي لم يذكر اسمه، أن السيسي أبلغ مدير وكالة المخابرات المركزية أن بلاده لا تعتزم المشاركة في القضاء على «حماس»، لأنها تحتاج إلى هذه الجماعة المسلحة لحماية حدودها مع قطاع غزة. فيما وجه الرئيس السيسي بتسخير كل الإمكانات والجهود وتوفير الأموال والإنفاق الانتخابي لدعم أهالي غزة ودفع التبرعات إلى حسابات الجمعيات الأهلية وعلى رأسها حياة كريمة. من جانب آخر التقت الحملة الرسمية للمرشح الرئاسي السيسي عددا من الجاليات المصرية في الخارج عن طريق «فيديو كونفرانس». وقال المستشار محمود فوزي رئيس الحملة الرسمية للسيسي، إن مرشحنا سيقدم رؤية لها أهداف، والأهداف قابلة للتطبيق بعدد لا نهائي لمشروعات، وأثبتنا ذلك بالأدلة من قبل، والزعماء الكبار يقدمون رؤى ويحددون أهدافا وليس مجرد برامج انتخابية، وسنقوم بالإعلان عن رؤية مرشحنا التفصيلية خلال المؤتمر المقبل، تركز على قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية، وبعد أن استقرت الدولة سيكون هناك تطور كبير في الملف السياسي. بينما أكد الدكتور عبد السند يمامة المرشح الرئاسي ورئيس حزب الوفد كما ورد على موقع «آخر خبر» أن الخيار العسكري يعد فرصة ضائعة على مصر لحسم الخلاف مع إثيوبيا ولم تعد صالحة، معترفا بأن التهديد بهذا الخيار آنذاك كان سيترتب عليه انعقاد مجلس الأمن ويتم عمل اتفاقية بهذا الشأن. تقدم اليوم أكثر من 50 صحافيا في جريدة «الطريق»، بشكاوى فردية إلى مكتب العمل، بسبب فصل رئيس حزب أبناء مصر المهندس مدحت بركات، رئيس مجلس إدارة الجريدة، 6 صحافيين معينين بالجريدة، فصلا تعسفيا. بركات أغلق أيضا مقر العمل، دون إخطار الجهات المختصة، وأوقف لوحات عمل باقي الصحافيين ومنعهم من ممارسة عملهم، وهددهم بالفصل هم أيضا، إذا لم يدفعوا تأميناتهم بالمخالفة لقوانين العمل، غير امتناعه عن إعطائهم حقوقهم المادية منذ شهور. ورفض بركات أيضا الوفاء بوعوده بمنح عقود للصحافيين غير المعينين في المكان، أو منح خطابات ترشح لنقابة الصحافيين، لمن حل عليهم الدور، وجاءت الخطوة الأخيرة بإعفاء رئيس التحرير من منصبه لوقوفه مع الصحافيين.
يحدث في غزة
تخيل أنك في موقف تضطر فيه إلى كتابة اسم ابنتك أو زوجتك أو أمك على ذراعها أو قدمها حتى تتمكن من التعرف على أشلائهم أو ما تبقي منهم، ذلك هو الرعب بعينه، تتساءل ندى زيدان في «فيتو»: إلى أين نحن ذاهبون؟ أهي نهاية الزمان؟ هل أحسست يوما أنك تتمنى أن ينتهى هذا الزمان، وتنتهي هذه الحقبة اللعينة الملطخة بدماء الأبرياء والأطفال، المليئة بازدواجية المعايير والغطرسة لمن يدعون أنهم حماة حقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق الطفل.. اللعنة عليكم في كل ثانية أيها الكاذبون. لو نظرنا إلى الأيام الماضية لرأينا أن جميع جرائم الحرب ترتكب بدم بارد في غزة، ويبدو أن المحكمة الدولية في عطلة ضمير، عمياء عما يجري من جرائم حرب في غزة.. الحق والأرض عائدان لا محالة، ولله حكمة في كل ما يحدث، ولا يعلمها إلا هو، ولكن الزمان علمنا أن ثمن الحرية غال ودماء الأبرياء والمقاتلين هي الثمن. كما أن للأمان الذي يشعر به المدنيون الذين تنهار منازلهم فوقهم ثمنا أيضا، فهل تخيلت يوما شعورهم؟ هل وضعت نفسك مكانهم وشعرت بما يشعرون به؟ فكل منكوبي الحروب، الذين يعيشون في حالة حرب يجتاحهم شعور مميت بالخوف وعدم الأمان، ناهيك عن الجوع والعطش، ولك أن تتخيل أنه في كل ثانية تشعر بأن منزلك الذي هو مصدر الأمان والراحة لك ربما يكون الدور عليه في القصف فكيف لك أن تنام وأنت تشعر بالخوف، إن أقرب الناس لك في هذه الحياة قد تجدهم تحت الأنقاض بين ثانية وأخرى، ولا تعلم حتى إذا كانوا على قيد الحياة أم لا؟ نحن نرى الفلسطينيين الآن، ورغم كل هذا لديهم إيمان وصبر، لا أعتقد أن أحدا من الشعوب الأخرى يتمتع به، فالفلسطينيون لديهم إيمان برجوع الأرض مرة ثانية إليهم، ولو نظرت إلى أعينهم المليئة حسرة على أرضهم وأهلهم ومنازلهم لوجدت داخل تلك الحسرة قوة غريبة مصدرها إيمان قوي بالله ويقين بالنصر مهما طال الزمان.. ومهما دفعوا من أرواحهم. هؤلاء هم الفلسطينيون.. والعظيم في الأمر أن الشعب الفلسطيني يرى أنهم عائلة واحدة، يتعاملون مع الطفل الذي يفقد أهله في القصف على إنهم أهله ولا يتركونه.. لأن أطفال فلسطين هم الأمل وهم الذين يرثون الأرض التي سوف يتم تحريرها، ولتكون تلك الأرض المقدسة مقبرة للنازيين الجدد الذين جاءوا إليها من شتات الأرض.. لقد أحرقهم هتلر، فخرجوا من المحرقة ليحرقوا الفلسطينيين أطفالا ونساء وشيوخا.
لن يرحموه
تتصاعد إدانات أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة ضد القصف الإسرائيلي الرهيب الذي يتعرض له المدنيون العزل في غزة، وقد اعترضت إسرائيل على تصريحاته بأشد الألفاظ إلى حد مطالبته بالاستقالة وهو ما يعيد إلى الذاكرة بالنسبة لأحمد عبد التواب في «الأهرام»، تجربة الدكتور بطرس غالي التي وصلت إلى خلاف مستحكم مع إسرائيل بسبب تمسكه بصلاحيات ومسؤوليات منصبه بإعلانه التقرير الفني الذي أكد تَعَمُّد إسرائيل قصف موقع الأمم المتحدة في قانا في لبنان عام 1997، والذي راح ضحيته نحو 100 ضابط وجندي. وقد خاضت إسرائيل معركة عنيفة ضده حتى نجحت في أن يرفض مجلس الأمن ترشيحه لأن يستمر أمينا عاما لمدة ثانية، صحيح أن غوتيريش الآن في مدته الثانية وليس له أن يُجدِّد لمدة ثالثة، إلا أنه لا يزال له نحو ثلاثة أعوام، ومن المؤكد أن تتوقع إسرائيل منه أن يكون أكثر تشددا من بطرس غالي، خاصة أن قتلى غزة تجاوزوا الـ10 آلاف، أكثر من نصفهم أطفال ونساء كما أن ضحايا هيئات الأمم المتحدة تجاوزوا المئة، ولا يزال العد مستمرا. بدأت تصريحات غوتيريش بملاحظة أن عنف إسرائيل ضد المدنيين لا يتناسب مع الأهداف المعلنة، ثم قال إن المدنيين في غزة يفتقدون مقومات الحياة، ثم إن قصف إسرائيل ينتهك كل الأعراف والقوانين الدولية، وقال عن قصف إسرائيل لساحة أحد المستشفيات إن المشاهد مُرَوِّعة، وإنه شعر بالفزع، وقال إن عدد الصحافيين الذين قُتِلوا في النزاع يفوق عدد الصحافيين الذين قُتِلوا العقد الماضي، وإن هذا القتل لم يحدث في تاريخ الأمم المتحدة، وأضاف أن هجوم حماس ضد إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول لم يأت من فراغ، وإنما كان نتيجة لاحتلال إسرئيل، وإن الشعب الفلسطيني يتعرض لحصار خانق، وأوضح أن المستوطنات التهمت أراضي الفلسطينيين الذين تعرضوا للتشريد وهدم المنازل، ما أدَّى لتصاعد الغضب الفلسطيني، وإن هجمات حماس لا تُبَرِّر القتل الجماعي الذي تشهده غزة. وقال، دون ذكر إسرائيل، إن أي طرف في الصراع المسلح ليس فوق القانون، وأدان إجلاء إسرائيل لأكثر من مليون شخص نحو الجنوب، وطالب بانتظام دخول الغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية إلى غزة، ووصل هذا الأسبوع إلى أن غزة تحولت إلى مقبرة للأطفال.
فخر مستحق
في بداية حملة الإبادة الجماعية التي ركزتها إسرائيل على شمال قطاع غزة بهدف إجبار الفلسطينيين على النزوح إلى جنوب القطاع في البداية ثم إلى خارجه في نهاية الأمر، تصور الكثيرون كما قال أشرف البربري في «الشروق»، إنه لن يكون أمام نحو 1.1 مليون فلسطيني يعيشون في هذه المناطق سوى الفرار نجاة بأرواحهم التي تحصدها الآلة العسكرية الإسرائيلية الوحشية، وسط إما مباركة صريحة من الغرب تحت شعار «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، أو سلبية من جانب بعض الأنظمة العربية التي ما زالت تكتفي بمناشدة المجتمع الدولي للتدخل من أجل وقف إطلاق النار. لكن الشعب الفلسطيني أثبت أنه يتشبث بأرضه بصورة تفوق أي خيال، فأعلنت وزارة الداخلية الفلسطينية قبل يومين أنه ما زال هناك أكثر من 900 ألف فلسطيني يعيشون في شمال القطاع ومدينة غزة التي تمطرها الصواريخ والقذائق الإسرائيلية دون توقف، وأن سكان هذه المناطق لم يغادروها، وإنما انتقلوا من منازلهم التي تحولت إلى أنقاض تحت سمع وبصر الغرب والعرب، إلى مراكز إيواء في شمال غزة أيضا، حيث يعيش 331 ألف نازح في 225 مركز إيواء منها، 97 مركز إيواء في محافظتي غزة وشمال غزة. وحسب أرقام وزارة الصحة الفلسطينية الصادرة يوم الأحد الماضي تعرضت 35 ألف وحدة سكنية في قطاع غزة للتدمير الكامل و165 ألف وحدة لتدمير جزئي، وهناك 15 مرفقا صحيا و51 عيادة صحة أولية تعرضت للتدمير و221 مدرسة مدمرة، منها 38 مدرسة مدمرة كليا، وتعرضت 42 منشأة تابعة للأونروا للتدمير بما في ذلك الأماكن التي لجأ إليها النازحون، كما تضررت 7 كنائس و52 مسجدا نتيجة القصف.
باقون للنهاية
كل هذا العدوان، يتابع أشرف البربري، لم يدفع فلسطينيي القطاع للتفكير في الخروج منه، ولا حتى مغادرة مناطق القتال الأشد ضراوة في الشمال ومدينة غزة التي تسعى قوات الاحتلال إلى إخلاء مناطق واسعة منها من أهلها، وتحويلها إلى منطقة عازلة لحماية مستوطنات غلاف غزة المقامة على أراضٍ محتلة بحكم القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة. هذا الشعب المقاوم، المتشبث بأرضه، حتى لو كانت خرابا، الرافض حتى للانتقال من شمال القطاع إلى جنوبه بحثا عن أمان نسبي، أصاب وزير التراث اليهودي في حكومة الكيان الصهيوني عميحاى إلياهو بالجنون، فخرج في تصريحات إذاعية مسجلة لا مجال فيها للتأويل ولا التراجع يطالب فيها بضرب غزة بالقنبلة النووية. تهديد عميحاي جاء ضمن تأكيده أن الجيش الإسرائيلي لا يجد حتى الآن ما يرعب الفلسطينيين ويخيفهم وبالتالي لا يجد ما يردعهم عن مواصلة المقاومة سواء الآن أو حتى في المستقبل ويقول «إنك لا تحقق الهدف حين تكتفي بقتلهم، فهم لا يخافون من الموت. إنهم يواصلون، منذ خمسين عاما، تحطيم ردع الجيش الإسرائيلي يجب علينا أن نتذكر ذلك. هؤلاء هم الذين قاموا بإرسال أبنائهم إلى الموت. هذا لا يحرك فيهم ساكنا». لم يجد الوزير الصهيوني الذي يعبر عن التيار العام في إسرائيل حاليا، غير التلويح باستخدام السلاح النووي لكسر إرادة الشعب الفلسطيني في غزة، الذي يخوض معركته العادلة ضد الاحتلال والإبادة، شبه وحيد بعد أن اكتفت أغلب الشعوب العربية بالدعاء والدعم المعنوي، واكتفت أغلب الحكومات العربية بمناشدة المجتمع الدولي التحرك والتدخل، وحرصت الحكومات الغربية على تأكيد حق إسرائيل في إبادة الشعب الفلسطيني بقطاع غزة تحت شعار «الدفاع عن النفس».
النضال طريقهم
من سجن مفتوح، إلى مقبرة جماعية، قطاع غزة على وقع النيران كما تصفه جيهان فوزي في «الوطن» أطنان المتفجرات التي تدك كل شبر فيها، تعادل قنبلتين نوويتين حتى الآن، وربما تصل إلى ثلاث قنابل مع الوقت. تُسابق دول العالم الزمن في وضع الخطط والسيناريوهات المحتملة والأكثر قبولا وواقعية، التي تناقش مستقبل قطاع غزة ما بعد الحرب، والمقصود ما بعد حماس؟ وهي سيناريوهات تتساوق مع ما تردده إسرائيل وتضغط لتحقيقه. هناك حالة من «الشقاق» في أروقة الخارجية الأمريكية إزاء السيناريوهات المتوقعة لقطاع غزة بعد انتهاء المعارك، فهناك «من يؤكد أنه بالفعل تجري محادثات أولية جدا بخصوص الشكل الذي قد يكون عليه مستقبل غزة، وفق ماثيو ميلر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية». ما دامت هناك معركة دائرة على الأرض، فإن «سيناريوهات المواجهة العسكرية هي التي ستحدد المشهد السياسي المقبل في غزة. فيما يرتفع سقف المخطط الذي تريده إسرائيل إلى حدود المستحيل، فهي تتحدث عن تهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء، بينما يهجر سكان الضفة الغربية إلى الأردن، وتبقى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة خالية من سكانها الأصليين، كي تتفرغ بعد ذلك لتحقيق مشروعها الصهيوني من النيل إلى الفرات، أما السيناريو الأقل كلفة، فهو الذي يتحدث عن وجود قوة حفظ سلام بقيادة الأمم المتحدة، بينما أشارت صحيفة «الغارديان» البريطانية، إلى أن إسرائيل في ظل عدائها مع الأمم المتحدة سوف تعارض أي قوة لحفظ السلام، ما يترك خيارا آخر، وهو قوة متعددة الجنسيات، ويمكن أن يكون فيها مكون عربي، يشرف على تنفيذ البنود الأمنية، وهو أضعف الإيمان.
لن يحدث
«لا أحد يلتفت لما يريده سكان غزة أنفسهم»، فبأى حق يخطط الأمريكيون أو الأوروبيون لتقرير مصير الفلسطينيين على أراضيهم، وهل هذا أمر يتّسق مع القوانين الدولية، لاسيما أن سكان القطاع سينظرون للأمر على أنه نوع من استباحة حقوقهم في السيادة على أرضهم؟ شددت جيهان فوزي على أن كل السيناريوهات المطروحة لا يمكن أن يكتب لها النجاح، لسبب بسيط، هو أن المقاومة الفلسطينية لا تتجسد أو تقتصر على حركة حماس فقط، والقضاء على حماس لا يعني زوال فكرة المقاومة، بل سيخرج جيل جديد أشد شراسة وقسوة من حركة حماس، فما خلفته الحرب من دمار لوجستي ونفسي ومعنوي في عقول وقلوب الذين بقوا أحياء، من أطفال وشباب وكهول ونساء، لن يُمسح من الذاكرة الفلسطينية، فما بالنا بعقيدة المقاومة التي لن تتوقف بالقضاء على حركة أو تنظيم. لم تكن حماس تنظيما خارج سياق النسيج الوطني الفلسطيني في قطاع غزة، ولا ميليشيا جاءت من الفراغ، على افتراض أن حركة حماس «الشيطان الأعظم» الذي لا بد من اجتثاثه، وهو ما تعمل عليه إسرائيل والدول العظمى، وبشكل أساسي الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا. إذا افترضنا جدلا أن حركة حماس بجناحها العسكري قد خبا بريقها وأفلت، فإن ما بعد حماس، سيكون أشد وأقوى في عنفوانه وقوته وجسارته. وإذا راهن المجتمع الدولي على زوال حماس، وظن بذلك أن كابوسها الذي يشكل تهديدا أمنيا على إسرائيل، سينتهي إلى الأبد، يكون واهما وساذجا، حركة حماس وكتائب القسام، هي حركة مقاومة ضد الاحتلال، وهي في مفهوم القانون الدولي، ليست حركة إرهابية أو ميليشيا مرتزقة، أو تحارب في كوكب آخر لا يمت لعقيدتها بصلة، والأهم من ذلك هي جزء من الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويلات الاحتلال وجبروته، ومن تراب هذه الأرض. لذا فإن الثابت الوحيد في هذه المعادلة هو أن المقاومة الفلسطينية لن تزول، هؤلاء الفلسطينيون الذين فقدوا آلاف الشهداء من الأطفال والنساء والرجال في القصف الوحشي الذي تجاوز الشهر، هل تعتقدون أنهم سيتركون ثأرهم ويمضون في طريق النجاة؟ إن ذلك لن يحدث.
وعد مكتوب
هل ما حققته المقاومة في ذلك اليوم يساوي أرواح عشرة آلاف فلسطيني أكثر من 70 في المئة منهم نساء وأطفال، وتدمير نحو 15 في المئة من مباني مدينة غزة وتسويتها بالأرض، علاوة على مليون ونصف المليون نازح وعشرات الآلاف من الجرحى؟ من جانبه يرى محمود النجار في «المشهد» أن ما تحقق من وراء هذه الحرب يعد إنجازا غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، والفلسطيني الإسرائيلي والأمثال، والأدلة أكثر من أن تحصى أو تعد. فقد نقلت المقاومة بعملياتها النوعية الحرب إلى داخل إسرائيل لأول مرة منذ عام 1948، وأسقطت المنظومة الأمنية التي ظلت إسرائيل تتحاكى بها وتروج لها على مدى عقود، خلال ثلاث ساعات فقط. الخسائر العسكرية والمالية لإسرائيل أكثر من أن تحصى، استهداف جنودها في كل موقع وأسْرهم أصبح عملا يوميا سهلا وبسيطا لرجال المقاومة. فرار الجنود الصهاينة من الخدمة العسكرية وصراخهم كالنساء وهم يساقون إلى الحرب، كما يساق قطيع الأغنام إلى الذبح، هو بمثابة فضح لحقيقة هذا الجيش ووهنه وضعفه وانعدام الثقة في قياداته. أظهر رجال المقاومة أنهم على قدرة وجاهزية للهجوم والدفاع، وأن هذه القدرة مبنية على أسس وعلى تدريب علمي واحترافي، وأثبتت عملياتهم النوعية الدقيقة أنهم يتمتعون بإرادة فولاذية لا يتمتع بها جيش الاحتلال. عرف العالم كله معنى ثبات المقاومة وتمتعها بالقوة، وبأن لها حاضنة شعبية تؤازرها وتدعمها وتحميها، لا تتوفر لأي جيش نظامي في العالم، وهذه هي أكبر معضلة يواجهها العدو في هذه الحرب. لم تنجح إسرائيل بعد مرور 32 يوما على بداية الحرب في تحقيق أي إنجاز عسكري، فصواريخ المقاومة لا تزال تنهمر على كل بقعة في إسرائيل، وعملياتها النوعية لم تتوقف، وقيادات المقاومة هي من بيدها زمام الأمور والقرار. تسببت الحرب في إظهار حجم التأييد الشعبي العالمي للمقاومة ولقضية فلسطين، الذي لم يسبق له مثيل وتراجع التأييد العالمي لإسرائيل وظهورها بمظهر القاتل المتوحش مصاص الدماء وقاتل الأطفال. باختصار كل يوم يمر والحرب مستمرة يضيف للمقاومة وينتقص من إسرائيل إلى أن يسقط نتنياهو وهذا أمر محتوم.
التنين نائم
تبدو الصين غائبة عن مشهد الحرب على غزة، رغم أنها قبل هذه الحرب كانت حريصة على أن توجد في القلب من أزمات المنطقة.. ولا يزال سليمان جودة كما أوضح في «الوفد» يذكر أنها حققت اختراقا في ملف الخلافات بين السعودية وإيران، وتقدمت لترعى اتفاقا جرى توقيعه بين البلدين في مارس/آذار من هذه السنة. صحيح أن سلوك حكومة المرشد خامنئي في الإقليم لم يختلف كثيرا بعد الاتفاق عنه قبل الاتفاق، ولم تتوقف جماعة الحوثي الموالية لإيران عن العبث في أرض اليمن السعيد، ولكن لا شك في أن حدة الخلافات بين الرياض وطهران صارت أخف مما كانت عليه قبل توقيع الاتفاق. وقد جاء وقت على الحكومة الصينية كثفت فيه من وجودها في المنطقة على اتساعها، فعرضت على سبيل المثال أن تتوسط في الخلاف الذي نشب بين السلطة الجديدة في النيجر وحكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.. ولكن الصوت الصيني غائب تماما عن الحرب على غزة رغم شدتها، ورغم مرور ما يزيد على الشهر على اندلاعها.. وإذا أحسنا الظن بالتنين في بكين، لقلنا إن صوته شبه غائب. وإن الولايات المتحدة الأمريكية تنفرد بالمشهد في غيابه، وهذا ما لم نتعود عليه من الصينيين، الذين كانوا يقطعون خطوة في كل منطقة يقطع فيها الأمريكيون خطوة قبلهم.. أو على الأقل كانوا يحاولون ذلك بوضوح في الكثير من الأحيان. أما الحضور اليتيم للتنين الصيني في هذه الحرب المستعرة، فكان يوم أن وقف مع روسيا في مجلس الأمن ضد مشروع قرار كانت الولايات المتحدة قد تقدمت به.. كان مشروع القرار يتحدث عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ولم يكن يرى شيئا في قتل المدنيين في غزة، ولذلك سقط في المجلس على أيدي الروس والصينيين. وبخلاف هذا الحضور اليتيم، يحضر الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، ولا تحضر روسيا هي الأخرى إلا على استحياء. وقد يكون هذا من بين أسباب طول أمد الحرب إلى هذا الحد.. ومن بين أسباب هذه الوحشية التي تخوضها تل أبيب.. ولو حضر الروس ومعهم الصينيون بما يتناسب مع وزنهم الدولي، لربما كان أمد الحرب قد اختلف، وربما كانت إسرائيل قد وجدت صعوبة في إطالتها إلى اليوم.. وسوف تتكشف زوايا كثيرة في الموضوع حين يأذن الله للحرب بأن تضع أوزارها.
حق الفلسطينيين في أرضهم
كان ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا في زمن الحرب العالمية الثانية، هو الذي وصف الولايات المتحدة الأمريكية بأنها تجرب كل الطرق الخطأ قبل أن تصل إلى الطريق الصواب. وعلى الرغم من أن اختبارات كثيرة مرت بها الولايات المتحدة من زمن تلك الحرب إلى اليوم، ورغم أنها كما أوضح سليمان جودة كلها تقريبا كانت تقول إن ما قاله تشرشل أقرب ما يكون إلى الصحيح، إلا أن اختبار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، إنما يزيد ما قاله رئيس الوزراء البريطاني دقة وصوابا. فالرئيس الفلسطيني محمود عباس أدان استهداف المدنيين على الجانبين، ومع ذلك تستهدف القوات الإسرائيلية المدنيين في قطاع غزة على مدى ما يزيد على الشهر، ولكن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لا ترى ذلك ولا تحاول أن توقفه. وتبحث الإدارة نفسها عن بدائل لحكم القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، وتجعل البدائل كلها غير فلسطينية، وكأنها لا تعرف أن أرض غزة أرض فلسطينية، وأنها أرض لن يحكمها في النهاية إلا أهلها من أبناء فلسطين.. ولا تتوقف واشنطن عن الكلام عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، فإذا قيل لها إن الفلسطينيين أولى بهذا الحق لأنهم أصحاب أرض جرى احتلالها، أغمضت عينيها وأغلقت أذنيها، فكأنها لا ترى ذلك ولا تسمعه، فإذا رأته وسمعته لم تُقره ولم تقبله. وتشارك الولايات المتحدة إسرائيل تسريب أخبار عن رغبة في تهجير أبناء غزة إلى مصر، وأبناء الضفة إلى الأردن، بغير أن تدرك أن هذا مستحيل، وأن مصر إذا كانت ترفضه مرة بالنسبة لها، وكذلك الأردن في ما يخصها، فالفلسطينيون أنفسهم يرفضون الموضوع ألف مرة.. ومع ذلك لا يتوقف الأمريكيون والإسرائيليون عن ترديد هذه الأسطوانة المشروخة، وهُم يعرفون أنهم يبددون الوقت والجهد معا في ما لا يفيد. وكلما سألوا بايدن أن يضغط على تل أبيب لوقف الحرب لم يستجب، بما يعني أنه يوافق إسرائيل على ما تمارسه من عربدة في أنحاء القطاع، ولا بد من أن الرئيس الأمريكي يدرك أنه لا حل سوى دولة للفلسطينيين يمارسون عليها حقوق السيادة كاملة غير منقوصة.
لا يقل أهمية
يرى رفعت رشاد في «الوطن»، أن أغنية «تحيا فلسطين» حققت ما يفوق تأثير عشرات البرامج والضيوف في التلفزيونات للحديث عن قضية فلسطين والإرهاب الصهيوني في قطاع غزة. انتشرت الأغنية الفلسطينية السويدية، كما النار في الهشيم، وصارت المادة المتداولة في المظاهرات التي باتت تنتشر في أنحاء العالم ضد ممارسات الكيان الصهيوني ضد المدنيين العزل وقتلهم الأطفال وتدميرهم البيوت، بعدما عجزوا عن مواجهة الفدائيين. تعيدنا الأغنية وانتشارها الكبير إلى مسألة الاستفادة من الإعلام لنشر الحقائق في كل أرجاء الأرض، والتعريف بمعاناة الفلسطينيين. صار للإعلام سطوة تعيد صياغة وصناعة الرأي العام وتبدل القناعات حسبما يريد المتحكم في الآلة الإعلامية ومحتواها. صار الإعلام أهم الأسلحة في ساحات الحرب قبل الصواريخ والطائرات، وقد ذكرت من قبل أن الجنرال جياب القائد الفيتنامي العتيد هزم أمريكا بأفلام صُنعت في فيتنام ووجدت طريقها إلى شاشات التلفزيون في أمريكا، فتحول الرأي العام وانقلب على إدارة البلاد ورحلت أمريكا عن فيتنام غير مأسوف عليها، وعلى ما فقدته من بشر وعتاد، لأنها ذهبت لتدمير دولة أخرى بشعبها في إطار لعبة السياسة وألاعيب الجيواستراتيجية. لقد صرنا نرى الحروب على الشاشات بتفاصيلها أولا بأول، وتقوم وسائل الإعلام وكتائب التسويق الإلكتروني بمداهمة عقولنا وغسل أمخاخنا بما هو حقيقي وغير حقيقي، ولم يعد أي شخص بإمكانه معرفة الحقيقة من غير الحقيقة فقد اختلط الحابل بالنابل إلا قليلا.
حان وقت العمل
الحقيقة في نظر المتابعين هي ما حدث وليس ما نأمل أن يحدث، وفق ما يرى رفعت رشاد: وقد زرعت وسائل الإعلام الغربية في أذهان الناس في العالم ما أرادت أن يعرفوه ويتبنوه، وعلينا أيضا أن نعطي الصورة المغايرة التي تشرح حقيقة ما نراه على أرض الواقع والحق الفلسطيني والدماء التي تسيل أنهارا والدمار الذي جعل غزة أرضا لا تنسب إلى هذا الكوكب. إن الإعلام الغربي بكل آلياته المغرضة يهدف إلى تشويه صورة الفلسطينيين والفدائيين والمقاومة المشروعة، وفي الوقت نفسه يفرق العرب إلى فريقين، من يسميهم الدول المعتدلة، ومن يسميهم محور الشر والإرهاب، وللأسف فإن كلمة العرب ليست واحدة، وتتعرض مصر لمؤامرة من الجميع، يضغط عليها الجميع، ويتربص بها الجميع، الكل يريد الخلاص من قضية فلسطين، ويريد أن تتلقفها مصر وتكون مشكلتها وأزمتها هي من دون أي مسؤولية على أحد، لكن مصر على وعي بما يحاك ضدها، وبالتالي لن تنساق إلى شَرَك يضر بأرضها وبأمنها القومي، ولن تستطيع دولة أو جهة ما إجبارها، فمصر ليست دولة صغيرة والشعب المصري كله يقف مساندا للموقف الرسمي للنظام وللرئيس في هذه القضية. يعد الإعلام الصهيوني ذراع الاحتلال المهيمنة على كيانات الإعلام الدولية، الذي تستخدمه إسرائيل لتمرير مصالحها الاستراتيجية، لذلك من المحتم أن يكون لإعلامنا دور مؤثر عالميا في توجيه العقول والتعريف بقضايانا. وقد حان الوقت لذلك، ويمكن للجامعة العربية أن تكون المنسق في هذا الشأن. إن أغنية واحدة لا تكفي، وإن مظاهرة واحدة لا تكفي، وإن الشجب غير مرغوب فيه فقد حان وقت العمل.
المفاجآت واردة
التقدير المبدئي لخطاب الأمين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله، من وجهة نظر إيريني سعيد في «الشروق» يفضي إلى أن الداخل اللبناني ومعطياته حاضر بقوة ضمن تصورات نصر الله للصراع المشتعل، وفي ضوء عدد من العوامل المؤثرة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، يأتى في مقدمتها الفراغ السياسي، الذي تعانيه بيروت، مع انهيار النظام المصرفي وتراجع قيمة العملة الوطنية، والتخوفات تجاه قطاع السياحة على خلفية نزوح ما يقارب الـ30 ألف لبناني، عقب مستجدات الصراع الأخيرة، ومن ثم تظل العملة الصعبة وتدفقاتها عملية مستبعدة. غير أن مقاربة تصعيد 2006 والمواجهة الشاملة بين حزب الله وإسرائيل، والتداعيات الناجمة آنذاك، مثلت الهاجس الأقوى والمُلح، وربما ستحكم معظم التحركات والتوجهات المقبلة، سواء من قبل لبنان أو الجماعة، حيث كلفت لبنان ما يقارب الـ300 مليون دولار من أجل إعادة الإعمار، إلى جانب حجم النفقات، الذي تكبدته الحكومة وقتها، إن كان تجاه البنية التحتية أو المدنيين الذين تضرروا، وهو ما تخطى 270 مليون دولار. إيران أيضا تبدو حاضرة ضمن مرتكزات نصر الله وخطابه، إذ لا ترغب طهران في الانجرار إلى الاشتباك المباشر مع الولايات المتحدة، حفاظا على بعض الأوراق الاستراتيجية، التي قد تتفاوض بشأنها مع واشنطن. فرضية أخرى يمكن من خلالها قراءة خطاب نصر الله، وعلى خلفية الحراك الأمريكي الواسع مؤخرا، ومحاولات إدارة بايدن إشغال إسرائيل بعيدا عن حزب الله، وتكثيف جهودها تجاه حماس، من دون تعدد جبهات الصراع، حتى مع إصرار وزير الدفاع الإسرائيلي توجيه ضربة إلى حزب الله، تصر واشنطن على تحجيم الصراع في اتجاه مغاير للجنوب اللبناني، تخوفا من مقاربات العراق وأفغانستان، وهو ما تفهمه نتنياهو وانعكس جيدا في الهجمات الباهتة على الجنوب اللبناني، وربما التي جاءت متناسبة وضربات حزب الله المحسوبة. ومع التسليم بصحة الفرضيات أعلاه، يظل الصراع الدائر ومجرياته أيضا نقاط التحكم فيه، هو الفرضية الأكثر قوة في تناول خطاب نصر الله والتعاطي معه مستقبلا، بل مع سياسات حزب الله ودوافعها المقبلة، لاسيما حال بروز عنصر المناورة، وبدء المواجهات الصريحة بين دولة الاحتلال وحزب الله.