لندن- “القدس العربي”:
كيف تحوّل شعار “من النهر إلى البحر أرضك يا فلسطين” إلى شعار معاد للسامية، هذا على الأقل، رأي رابطة مكافحة التشهير المؤيدة لإسرائيل وأنصارها في الكونغرس.
وترى صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير أعدته كروان ديمرجيان ووليام ستاك، أن هتاف “من النهر إلى البحر” كان حاضرا دائما في تظاهرات المؤيدين لفلسطين في أمريكا، وأصبح سببا في تعنيف البرلمانية من أصل فلسطيني في الكونغرس رشيدة طليب. فعندما قامت كتلة الجمهوريين بمجلس النواب، وكتلة قوية من الديمقراطيين بالتحالف معا هذا الأسبوع لتعنيف طليب بسبب تصريحاتها عن الحرب في غزة، جلبوا في الدفاع عن قرارهم تبنيها لهتاف “من النهر إلى البحر” الذي قالوا إنه غير مقبول.
وجاء في التعنيف الرسمي للكونغرس ضد طليب، أن الفلسطينية- الأمريكية استخدمت العبارة التي “تعتبر بشكل عام دعوة للإبادة والعنف وتدمير دولة إسرائيل”، واعتبر المتحدث الرئيسي للبيت الأبيض أن العبارة “مثيرة للانقسام” وربما اعتُبرت معادية للسامية ومؤذية.
ولكن العبارة التي دافعت عنها طليب بأنها “استلهام ودعوة للحرية وحقوق الإنسان والتعايش السلمي، وليس الموت والدمار والكراهية”، لم تكن نقطة ساخنة للخلاف في واشنطن، بل تردد صداها في حرم الجامعات وفي كل المدن الأمريكية وسط التظاهرات المؤيدة لفلسطين خلال الأسابيع الماضية.
وأصبح الشعار محلا للنقاش الحاد واتهامات بمعاداة السامية وسط الخلاف حول جذور الصراع وكيفية نشأته، وما هو الموقف الذي يجب على الولايات المتحدة أن تتخذه منه. ويفسر الفلسطينيون والإسرائيليون الشعار كل بطريقته، وكذا الأمريكيون الذين يدعمون كل طرف.
ويقول دوف واكسمان، أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة كاليفورنيا: “السبب الذي يجعل المصطلح مثيرا للخلافات، هو أنه يعني شيئا مختلفا لكل شخص، وزاد التصادم في التفسير مع مرور الوقت”.
ويعود الشعار إلى مولد الحركة الوطنية الفلسطينية في الستينات من القرن الماضي، حيث استخدمته كل الحركات الفلسطينية بمن فيها حماس.
وحاز الشعار على شعبية داخل منظمة التحرير الفلسطينية التي عنت العودة لفلسطين التاريخية حيث عاش العرب واليهود قبل نشوء دولة إسرائيل. ويعكس الشعار الجغرافيا وهي الأرض التي تمتد ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. لكن معنى الشعار تحول مع التغير المناطقي وقبول منظمة التحرير الفلسطينية بوجود إسرائيل وعودتها لحكم مناطق السلطة الوطنية.
وبالنسبة للكثير من الفلسطينيين، فالشعار له معنى مزدوج اليوم، أي الرغبة بالعودة إلى المدن والقرى التي فرّت وطردت منها عائلاتهم في 1948، وكذا الحنين لدولة فلسطينية تضم الضفة الغربية والقدس الشرقية على جانب نهر الأردن وغزة على البحر المتوسط.
وتقول مها نصار، أستاذة تاريخ الشرق الأوسط بجامعة أريزونا: “عندما يتم استخدام الشعار، فهو شخصي لهم” و”يقولون: أعرف نفسي مع أرض الأجداد فلسطين حتى ولو لم تعد موجودة على الخريطة اليوم”. وأضافت: “أيضا، هي إصرار من الفلسطينين لكي تكون دولتهم وحدة واحدة”.
لكن الشعار وجدليته زادت بعد هجمات حماس في 7 أكتوبر، حيث قالت رابطة مكافحة التشهير إن “هذه تهمة بمعاداة السامية وإنكار حق تقرير المصير للشعب اليهودي بما فيها طرد اليهود من أرض أجدادهم” بحسب زعمها.
وفي تغريدة على منصة إكس، جاء فيها: “من النهر إلى البحر هي دعوة حماس لإبادة إسرائيل، الزعم بأنها دعوة للتعايش، هو تستر على الإرهاب”.
ويبدو أن عددا من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين والجمهوريين وافقوا على هذا الرأي وشجبوا رشيدة طليب. لكن الشعار لا يظهر في ميثاق حماس الصادر عام 1988، وأكد على “مواجهة الصهيوينة وهزيمتها” ليس في فلسطين التاريخية ولكن العالم كله. وظهر في النسخة المعدلة عام 2017، حيث أعلنت حماس عن قبولها بدولة فلسطينية على حدود عام 1967.
ويقول بيتر بينارت، المحاضر بجامعة سيتي في نيويورك، إن “فلسطين حرة من النهر إلى البحر” هي بمثابة الحديث عن مستقبل بدون اليهود.
وشعر الكثير من الفلسطينيين بالغضب من الجدل حول الشعار، والذين يرون أنه عبارة عن حملة صممتها رابطة مكافحة التشهير من أجل تفسير نواياهم بأنها تهديد على الدولة اليهودية وإسكاتهم.
ويقول أحمد خالدي، الباحث في جامعة أوكسفورد: “هناك إمكانية لأن يعيش الشعبان بحرية بين النهر والبحر.. وهل حرة تعني بالضرورة إبادة؟ أعتقد أن أي شخص عقلاني سيقول لا، هل تستثني حقيقة أن اليهود لا يمكنهم العيش أحرارا بين النهر والبحر؟ أي شخص عقلاني سيقول لا”.
وقال خالدي إن حزب الليكود الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو تبنى الشعار في منبر 1967 والذي نص: “ما بين نهر الأردن والبحر ستكون إسرائيل السيادية”، وهذه العبارة قد تحمل معنى خبيثا.
ومع أن الليكود تخلى عن العبارة، إلا أن الحزب عارض حل الدولتين. وفي 2018، دفع نتنياهو بقرار في الكنيست للاعتراف بحق تقرير المصير في إسرائيل كدولة “فريدة للشعب اليهودي”.