صحيفة إسرائيلية: كيف سينتصر الجيش “الأقوى في الشرق الأوسط” وهو بحاجة للتبرع بأقراص الصداع؟

حجم الخط
0

 مهما حصل وكيفما انتهت هذه الحرب، حتى لو انتهت بالشكل الأفضل الذي يمكن تخيله، فلن يكون هذا انتصاراً رغم الخطاب الذي بدأ هنا حين كانت كلمة “انتصار” تسمع أكثر، خصوصاً في تصريحات رئيس الوزراء لوسائل الإعلام أو في خطابات غالنت.

قبل كل شيء، ودرءاً لكل شك: إذ ما انتهت المناورة العسكرية بنجاح، ولكن دون عودة المخطوفين جميعاً، فلا حديث عن أي انتصار، بل إنها حرب ستسجل كتب التاريخ بأنها هزيمة نكراء، فشل ذريع، نقطة بلغت فيها الذروة أزمة الثقة بين مواطني الدولة وزعمائها. حتى ولو بقي مخطوف واحد هناك، فهذا يعني أن أهداف الحرب لم تتحقق. وعندها فإن الفصل الأول من حرب 7 أكتوبر سيكون عن السكان الذين تركوا لمصيرهم مرتين: مرة حين لم تنجح الدولة في حمايتهم، وأخرى حين لم تنجح في تحريرهم.

 ولعل الخطاب عن الانتصار ليس عبثياً، لعله محاولة لدفعنا إلى نسيان ما سبق هذه الحرب: القصور الكبير، والمذبحة الوحشية، واختطاف أكثر من 240 امرأة طفلاً وشيخاً إلى داخل غزة. كيفما اتفق، ثمة إحساس بالحديث أقل عن الاستخبارات التي فوجئت تماماً، وعن غياب الجيش على مدى ساعات طويلة، والحقيقة التي لا يمكن استيعابها في أن السيادة الإسرائيلية في بلدات إسرائيلية انتقلت إلى أيدي حماس على مدى نحو يومين. كل هذا النقاش نجحوا في تأجيله إلى “ما بعد الحرب”. بالمقابل، تتسع محاولات نتنياهو اتهام الجيش وشعبة الاستخبارات والمخابرات بأنهم لم يطلعوه، والآن أيضاً محاولات أبواقه لإسقاط التهمة على حركات الاحتجاج، والإعلام، وعلى كل آخر. “مذبحة كابلن” – هكذا يسمون المذبحة التي وقعت تحت حكومة اليمين.

 بمن سيتعلق الانتصار؟ إذا كان لرئيس الوزراء فسيكون انتصاراً لاستمرار حكمه، وعندما يتحدث وزير الدفاع عن الانتصار فإنه يقصد هزيمة حماس. لكن هل يمكن لأي شيء أن يعد انتصاراً بالنسبة للجمهور الإسرائيلي رغم 1400 ضحية المذبحة؟ رغم أننا لا نملك أدنى فكرة عن وضع المخطوفين رغم مرور خمسة أسابيع؟ وهل يمكن أن يتقرر انتصار في ضوء هجرة نحو 160 ألف من السكان لبيوتهم في الجنوب والشمال، وخوفهم من العودة إلى الديار؟

وماذا عن القصورات التي انكشفت بعد 7 أكتوبر. الانكشاف بعدم وجود حكومة تؤدي مهامها. إن الوزراء الذين عينهم نتنياهو لحكومته أشبه بنكتة، وحتى رئيس الوزراء يفضل الإبقاء على وزرائه الضارين لصورة إسرائيل لا لشيء إلا ليحافظ على ائتلافه ولو في زمن الحرب. والاضطرار العاجل والمتواصل في منظمات مدنية وتطوعية – من عتاد عسكري للجنود، وسكن مؤقت للمخلين، وحتى الطلب الذي تلقيته أمس في “الواتساب” للتبرع بأدوية للمقاتلين… إلى أين وصلنا؟ أي دولة أصبحنا، حين يكون الجيش الأقوى في الشرق الأوسط بحاجة حتى للتبرع بالأكامول!

 نتنياهو مصرّ على إيقاع المسؤولية على كل واحد باستثنائه. تعليله بأنهم لم يخبروه، وبالتالي ما كان يفترض به أن يعرف، بائس بحيث إنه لا سبيل للتطرق إليه. ولنفترض، لنفترض أنهم لم يحذروه، فكيف يمكن لهذا أن يبرر عدم وجود الجيش الإسرائيلي في الغلاف؟ غياب الاستخبارات؟ ألا يفترض بأهليتهم وجاهزيتهم أن تكون دائمة، وفقاً لمفهومنا بأن هناك من يحمي أمننا دائماً، في كل وضع؟ وأين كنت أنت يا نتنياهو، الرجل الذي وعد بأن هو وحده من يمكنه أن يجلب الأمن لمواطني إسرائيل.

 ليس هذا لأني أسأل أين كان نتنياهو. فكلنا يعرف أين كان. ما ليس واضحاً هو كيف أن كل أولئك الذين كانوا معه وأيدوه في حرف جدول الأعمال عن الحياة نفسها إلى الانقلاب النظامي وإلى إضعاف محكمة العدل العليا وإلى تعويض الشركاء الائتلافيين بضخ المال وإلى توزيع المناصب على المقربين – لا يفهمون بأنهم جزء من القصور. وكيف حصل أنهم لا ينهضون ويستقيلون؟ كيف يحملون الذنب معهم؟ كيف ينامون في الليل ووجوه صور الأطفال المخطوفين لا تقض مضاجعهم؟ كيف لا تقض مضاجعهم القصص الصادمة التي لا تطاق؟ ورغم كل هذا، كيف يواصلون إسناد رئيس الوزراء الذي يسجل القصور الأكبر في تاريخ الدولة على اسمه؟

يبدو أن لا شيء حقاً يهدد نتنياهو، وحتى المبادرات الداعية لتنحيته تعد كمبادرات تنتمي لحركات معينة أكثر من أي شيء آخر. فالأغلبية يسيرون على خط “بداية ننهي الحرب”. غير أن الحرب كفيلة بأن تستغرق زمناً. وليس لنتنياهو شيء ملحّ. العكس هو الصحيح؛ فالحرب تبقي نتنياهو في الحكم، فهي تبعد عودة حركات الاحتجاج إلى الشوارع؛ وتمنع المظاهرة الأكبر – تلك التي لرجال الاحتياطات الذين سيعودون إلى الديار مع نهاية الحرب.

إن دخول المعسكر الرسمي إلى “كابينت الحرب” هدأ نتنياهو. لديه الآن شركاء في كل قرار، وتكاد لا تكون له معارضة. في “كابينت الحرب”، هكذا حسب الشهادات، العلاقات موضوعية، والأجواء طيبة. يبدو أنه ينبغي أن يحصل شيء ما صادم جداً كي يقرر غانتس وآيزنكوت الانسحاب منه. بالمقابل، الكابينت السياسي – الأمني الذي يجلس فيه الوزراء ساعر وتروبر وشاشا بيطون، يكاد لا ينعقد، ربما مرة في الأسبوع، وهذا الأسبوع حتى هذا لم يحصل؛ إذ من أجل ماذا نحتاج إلى كابينت أمني واسع إذا كانت القرارات على أي حال تتخذ في الكابينت الضيق – لدرجة أن المستشارة القانونية أمرت رئيس الوزراء أمس بعقده في أحيان أقرب؟

لقد نشر هذا الأسبوع بأن العلاقات بين الوزير حديث العهد ساعر، وبين رئيس الوزراء، آخذة في التحسن، بينما علاقات ساعر مع رئيس المعسكر الرسمي آخذة في الابتعاد. الدليل على أن شيئاً ما يحصل كان ظهور ساعر على مدى 23 دقيقة في قناة بيت البيبيين. من ناحية ساعر، هذا ليس دليلاً على أي شيء. فإذا كان يمكنه إجراء مقابلة صحافية موضوعية يعرب فيها عن مواقفه، فلم لا؟ في استديو القناة 14 جلس الكثير من الأشخاص الذين يريدون سماعه، وهو بالمناسبة يعتزم إجراء مقابلات له هناك.

إن اللقاءات بين نتنياهو وساعر، بالإجمال نحو ساعة ونصف، يصفها ساعر بأنها جيدة وموضوعية، وهي تتناول الحرب وليس المواضيع السياسية. ولكن يبدو أن ساعر مل من بقائه قطعة أثاث في الكابينت الموسع بينما بالكاد تسمع مواقفه، فيما أن الحرب تجري في “كابينت الحرب” وتسجل لشريكيه غانتس وآيزنكوت ساعات أطول مع نتنياهو.

 وهذا شيء ما آخر في مواضيع الانتصار: لا يوجد ولن يكون هنا أي انتصار قد يغطي على القصور الكبير. حرب الأيام الستة كانت انتصاراً. حرب يوم الغفران، رغم الشكل الذي بدأت به، انتهت بالانتصار. وحرب 7 أكتوبر لن ترفق مع كلمة انتصار. وعليه، حين يكون الشعار في كل مكان هو “معاً سننتصر” فمن الأفضل شيء ما أكثر تواضعاً، أكثر أصالة، مثل: “معاً سنتغلب”.

 سيما كدمون

 يديعوت أحرونوت 10/11/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية