«طوفان الأقصى» يحوّل إسرائيل من دولة إلى قبيلة يهودية تعيش في قبو

مهند مصطفى
حجم الخط
2

تمنع فلسطينيي الداخل من حق التظاهر والتعبير عن الأفكار وعن المشاعر

ضمن قراءة ما يجري داخل أراضي 48 واستكانة فلسطينيي الداخل وضعف احتجاجهم على الحرب على غزة بعكس الحروب السابقة، فإن عملية «طوفان الأقصى» جعلت إسرائيل تتحول خلال الحرب على غزة من دولة إلى قبيلة يهودية تمنع فلسطينيي الداخل من حق التظاهر والتعبير عن الأفكار، وحتى عن مشاعر الألم، وتعتبرهم العدو الأقرب الفوري المحسوس والمنظور لتلبية شهوة الانتقام. في المفهوم النظري إسرائيل أقرب لنظام سلطوي تنافسي من نظام ديمقراطي، وذلك استنادا لمعاينته عدة معايير: منع حرية تعبير عن موقف سياسي، منع من التعبير عن المشاعر والآلام حتى على المستوى الفردي، الرقابة المكارثية الشرطية والشعبية الشعبوية وغيرها من الملاحقات كما هو حاصل اليوم داخل أراضي 48.

تقلص مفهوم الدولة

في نطاق القراءة لما جرى ويجري الآن من ناحية تعامل إسرائيل مع الشعب الفلسطيني وتحديدا مع فلسطينيي الداخل يشار إن دولا عربية اجتازت في مرحلة تاريخية حالة القبيلة لحالة الدولة فيما تنتقل إسرائيل الآن من دولة لحالة القبيلة الإثنية، منبها إلى أن حدود القبيلة أقل من حدود الدولة بصرف النظر عن أي نوع نظام حكم فيها. ضمن المعاينة لواقع إسرائيل في 2023 استنادا للنظريات السياسية المختلفة فإن القبيلة السياسية لا تعني هنا «قبيلة دم» فحسب وأن قبولك فيها مشروط بالتماهي معها والذوبان فيها: فإما تكون مع القبيلة أو خارجها، وإن بقيت خارجها عندها أنت عدوها، لا توجد حالة وسط ولا توجد دولة. وعن طبيعة هذه القبيلة التي تتبنى وتمارس فكرة الوشاية: كل واحد من أفراد القبيلة يشعر انه في حرب وأمام عدو وأقرب عدو الآن هم فلسطينيو الداخل فهم عدو يمكن رؤيته واستهدافه، وفي إطار القبيلة هذه يتصرف كل فرد كما يحلو له في هذه المعركة على هذه الجبهة الداخلية من خلال مشاركة الأفراد لا المؤسسات السلطوية فحسب في مراقبة النشر والكلام والتعبير والشعور كما هو الحال مع التفكير القبلي بالمعنى الحرفي. نذكر هنا أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لعب دورا رياديا في هذا الاستعداء لفلسطينيي الداخل والتمهيد لهذه الملاحقات الجارية لهم بقوله منذ شن الحرب إن إسرائيل تقاتل على جبهة غزة، جبهة الشمال وجبهة الضفة الغربية وداخل الجبهة الداخلية.

التحريض على العرب

ولابد من الإشارة أيضا إلى أن التحريض على العرب وهدر دمهم يجري في هذه الأيام بشكل غير مسبوق دون ان يسأل أحد ودون محاسبة، وهذا هو واحد من عوارض تصرف قبيلة. هكذا يتجلى أيضا عندما يقوم وزير في إسرائيل هو وزير الأمن في توزيع السلاح في الشارع وبالبث الحي والمباشر. هذه قبيلة سياسية ومن تمثلّاتها قبيل السابع من تشرين الأول/أكتوبر: التغييرات القضائية التي سنهّا الكنيست منذ مطلع العام الجاري ومعظمها يستهدف العرب وتستمر الآن بشكل سافر ومجنون كالتشريع الجديد الذي يحظر استهلاك مواد تصدر عن «منظمة إرهابية» مثل قراءة أو مشاهدات بيانات حركة «حماس».

قادة الانقلاب هم قادة التحريض

ولابد من التنبّه إلى أن القائمين على التغييرات القضائية في إسرائيل والمتهمين بـ«الانقلاب على النظام» من قبل أوساط إسرائيلية واسعة هم اليوم المتهمون بالفشل الذريع المتمثّل بعملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وهم اليوم أيضا من يقود التحريض على كل ما هو خارج القبيلة الآن بعدما فضح أمرهم انهم ليسوا رجال دولة ومؤسسة وربما هي محاولة تعويض في ظل توجيه إصبع اتهام لهم بأنهم يتحملون مسؤولية صرف النظر عن أعداء إسرائيل وإشغال إسرائيل والإسرائيليين بسجالات داخلية. بنظر الدولة أو القبيلة كان ينبغي على هؤلاء الحكام الحاليين الصمت لكن الاستعداء هو شغلهم الشاغل الآن، ولذا فإن مساحتهم الوحيدة المتاحة لتحركهم هي التحريض وتضييق الخناق على «العدو الداخلي» رغم إخفاقهم الكبير وتعويضا عنه.
ويستنتج من هنا أن المسألة ليست حرية التعبير، فالسؤال يفوق موضوع التعبير عن المواقف والرأي والمشاعر التي لا تراها القبيلة، ولذلك فإن التشريعات القضائية المذكورة مستمرة ما يدّلل على صحة موقف المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل من الاحتجاجات وعدم التحمّس للمشاركة بها قبل السابع من تشرين الأول/اكتوبر كونها مظاهرات واحتجاجات من أجل دولة يهودية لا ديمقراطية. لذا فإن النظام السياسي في إسرائيل كالعمارة الكبيرة فيها قبو وهو غير مهيئ للحياة فوقه طبقات، وفلسطينيو الداخل منذ عقود يناقشون الدولة نقاشا سياسيا حول ماهيتهم وهويتهم ومكانتهم وعلاقتهم بشعبهم وبها في الطبقات العليا ونسيوا أنهم داخل القبو أسفل العمارة. نحن كمواطنين عرب فلسطينيين نناقش المواطنة والحقوق اليومية، نرى هذا القبو فقط خلال الأزمات وهذا القبو هو النظام السياسي في إسرائيل.. وهو القبيلة. إن الأصل والامتحان في حرية التعبير هو في فترة الأزمات لا الراحة، وتعني حرية التعبير وفق النظرية الديمقراطية التحدي خلال فترة الأزمات. في مصر مبارك كان الحق بالتعبير عن الرأي أكثر من إسرائيل اليوم فنحن في وقت الأزمات نمنع من التعبير.

الخوف الدفين

في سياق تساؤلات عن استكانة فلسطينيي الداخل رغم الحرب الوحشية على غزة وبعكس تجارب سابقة هبوّا للتكافل معها في عدة أزمات سابقة، نقول إنهم استشعروا بسرعة وبالفطرة بحكم تجربتهم ومعرفتهم العميقة للجانب الإسرائيلي منذ اليوم الأول، بأن هناك حدثا جللا كبيرا غير مسبوق فسكنهم خوف دفين كما قال الباحث الجابري في حديثه عن المعرفة العرفانية. نعم إسرائيل بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر مختلفة، وسلوك فلسطينيي الداخل جاء مختلفا اليوم وينبع من فهمهم لخطورة وتاريخية المرحلة وهذا ما لا يدركه ويستشعره فلسطينيو 67 لبعدهم أكثر عن الجانب الإسرائيلي. هذا ليس خوفا من الردع بل من الفهم للحالة الراهنة الحساسة وهذا يتطلب إعادة التفكير بتنظيم أنفسنا وصفوفنا في الداخل من جديد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية