القاهرة ـ «القدس العربي»: يبدو السؤال وجيها.. لماذا يصدق الأعداء قبل الأشقاء أبو عبيدة، بينما لا تصدق الجماهير العربية حكامها على الإطلاق.. هل لأنهم لا يقولون شيئا ويعيدون الكلام القديم الذي ورثوه عن إسلافهم في كل اجتماع؟ عقب صدور البيان الختامي للقمة العربية عم اليأس معظم العواصم، إذ راهنت الجماهير على أن يقدّر المجتمعون في الرياض التضحيات التي يقدمها الشعب الفلسطيني وإنجازات المناضلين التي تؤلم العدو الأمريكي قبل الإسرائيلي، غير أن ايا من هذا لم يحدث فلا الدم الساخن على مدار الساعة في انحاء فلسطين، ولا صور البيوت التي نسفت فوق ساكنيها حركت مشاعر الحكام، ليدلوا بشهادة حق تشفي غليل الشعوب التي يحكمونها.. 57 دولة إسلامية منها 22 دولة عربية، حضر مسؤولوها القمة، ثم عادوا من حيث أتوا، فلم يكونوا على مستوى المأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني الذي يناضل بالوكالة عن أمة نخر السوس في أركانها.
العميد محمود محيي الدين الخبير العسكري، حذر من أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يعمل بسرعة على إزالة مستشفيات محافظة غزة عاصمة القطاع التي تضم مستشفيات “الأندونيسي- القدس- الشفاء- العودة- الرنتيسي”. معقبا: “أتصور أن جيش الاحتلال سيهدم هذه المستشفيات ويزيل هذه المنطقة تماما”. وأشار إلى تقلص مساحة قطاع غزة إلى 240 كيلومترا من إجمالي 360 كيلومترا قبل الحرب، بعد فصل الاحتلال منطقة شمال القطاع عن الجنوب، مشيرا إلى إعلان حكومة الاحتلال عن إجلاء 150 ألف مواطن تجاه الجنوب بمعدل 50 ألفا يوميا على مدار الأيام الثلاثة الماضية. كما أوضح الإعلامي عماد الدين أديب، أن الخروج من الصراع الحالي يستلزم تغيير قواعد اللعبة، وهذا لن يحدث إلا بنزع سلاح حركة حماس، وخروج نتنياهو من الحكومة وحرمانه من أي دور سياسي، وتجديد القيادة للسلطة الفلسطينية من غير الرئيس عباس محمود (أبو مازن). وأشار إلى أن هذه النقاط ستستغرق وقتا طويلا لتغييرها، نظرا لضرورة إجراء انتخابات في الضفة وغزة والقدس، ولا بد من تركيبة جديدة في الكنيست، غير الـ32 عضوا يمينيا متطرفا، واستبدالهم بتركيبة أخرى جديدة، منوها بأنه من الممكن أن يبشر تيار السلام في إسرائيل بالخير. وذكر أن نتنياهو لن يستطيع الإفلات من 3 أشياء، في مقدمتها الجرائم الجنائية المتعلقة بالفساد، اتهامه بالتقصير يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول وعدم اعترافه بذلك، انخفاض رضا الإسرائيليين عنه، موضحا أن 76% من الرأي العام الإسرائيلي يطالب برحيله حالا وفي أثناء حالة الحرب، وهو أول رئيس وزراء إسرائيلي تتم المطالبة برحيله في تاريخ الدولة الحربية وبلاده في حالة حرب.. فيما توجه حشد يضم 63 من علماء المسلمين بنداء للحكومات والشعوب معنونا بـ”نداء الأقصى وغزة” تصدرته الآية الكريمة: (إن الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَاأَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاه لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُوْلائِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ) (البقرة ـ 159). وأوضح الموقعون على البيان: انطلاقا من هذا التكليف الرباني، وتنفيذا للمسؤولية الشرعية، وصدعا بالحق، وجهادا بالكلمة، يعلن علماء الأمة ونخبها وهيئاتها وشخصياتها العامة وجماهيرها الواسعة من كل الأقطار والهيئات والروابط، تأكيدهم على الثوابت الشرعية، وفي مقدمتها أن ما تقوم به المقاومة في قطاع غزة لدفع عدوان المعتدين على المسجد الأقصى وعلى كل شعبنا في فلسطين، هو جهاد مقدّس وهو ذروة سنام الإسلام. كما أعلن العلماء “إننا موالون للمقاومة الفلسطينية الباسلة، وهم منا ونحن منهم، نوالي من والاهم ونعادي من عاداهم. وبعد طول انتظار، ظهر البابا الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية مطالبا جموع المسيحيين بالصلاة من أجل أن يحل السلام في العالم.
الاستئذان جنون
من أوصلنا إلى هذا الهوان، حتى نستأذن من القاتل أن يسمح لنا بمساعدة ضحيته على الحياة، وننتظر منه الإنصاف وهو المحتل الغاشم، الذي يخطط منذ بداية القرن لانتزاع أرض العرب من النيل إلى الفرات، بادعاء أنها حقه بوصية الرب، الذي اخترعوه من مخيلتهم، وبعيدا عن رب موسى الذي حكم عليهم بالتيه أربعين عاما بعد كفرهم وتمردهم عليه. تتابع وفاء الشيشيني في “المشهد”: تلك حرب كاشفة للجميع.. وهذه حرب تعلي من قدر المقاومة والشعب الفلسطيني على حد سواء، ذلك الشعب التي تراجعت قضيته إلى أدنى درجات الاهتمام العالمي، بينما يتقدم المحتلون إلى أعلى درجات الانتصار، وهم يضيفون مستوطنة إلى أخرى بأريحية يحميها طغاة العالم، وفي طريقهم يقتلون ويذلون ويسجنون شعبا بأكمله على مرأى من العالم الصامت والمخدوع في آن واحد بتأثير آلة إعلامية احترافية تجيد فرض المعلوم من الكذب والخديعة على أنه واقع، في الوقت الذي لا يستطيع فيه العالم العربي تسويق الحقيقة وإظهار جرائم يرتكبها الاحتلال، ينبغي عدم الصمت عليها، وأن الثورة على المحتل والقتال ضده حق أصيل للشعوب الحالمة بالتحرر من المغتصب المجرم. فشلنا فشلا ذريعا في كل شيء، حتى أننا أصبحنا نختلف على حق الفلسطينيين في تحرير أرضهم مع أنه حق أصيل تكفلته المواثيق الدولية، التي مسحت بها إسرائيل أرض المنظمات الدولية، استخفافا واستهانة واعتمادا على مبدأ القوة الذي لا تعترف إلا به، لذلك فعلت إسرائيل كل ما فعلته لأنها ببساطة تستطيع، وواثقة من عدم قدرة أحد على محاسبتها ما دامت ملتحفة بحليفتها الكبرى أمريكا.
لا شيء يشغلنا
ماذا فعلنا نحن كأمة عربية وإسلامية لنوقف المجازر التي وصلت للإبادة والتطهير العرقي، إلا المناشدات التي هي أقرب إلى الاستجداءات؟ لم نستطع كأمة عربية أن نستخدم ورقة ضغط واحدة توقف المجازر، بينما ترسل أمريكا كما تشير وفاء الشيشيني، بمنتهى التبجح أساطيلها لتخوف بها ضعفاء القدرة والإمكانيات، ولا يجرؤ كل القادرين المتواطئين بحساباتهم القبيحة على أن ينطقوا بحرف، ولم نستطع إنجاز فعل واحد يخيفهم أو يهدد مصالحهم التي لايعترفون إلا بها، أو يغل يدهم عن الإبادة. لا شيء سوى مراقبة المآسى بدموع حارة تارة وباردة وقاسية تارة أخرى، وربما يسمح العدو بتمرير بعض المساعدات الهزيلة بحكم تحكمهم بها، وبما يوافق تحقيق أهداف عدوانها وشل حركة المقاومة، واستمرار استهداف المدنيين من النساء والأطفال. العدوان على غزة له أهداف وأسباب بدأ العالم ينتبه إليها، فبالموازاة مع الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بعد تهجيرها يتم الاستيلاء على الغاز الفلسطيني مغنم غزة الكبير، وتمهيدا لإنشاء قناة بن غوريون الموازية لقناة السويس بغية إضعافنا نحن أيضا وتتحين فرصة ضعفنا للاستيلاء على أرضنا وهي ضمن مخططها الأكبر الذي لم تخفه يوما، وربما مؤامرات أخرى لم نفطن لها بعد. كل هذا يحدث ونحن لم نعد لهم ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل “نرهب به عدو الله وعدونا” كما أمرنا ديننا الحنيف، وهو ما أوصلنا لهذا العجز المزري. قضية فلسطين كانت دائما قضية أمن قومي مصري، فبحماية حدودنا الشرقية نحن نحمي أمننا القومي، ولعل من أهم المواقف المصرية الواضحة والحاسمة أن مصر لن تسمح بالتهجير لتصفية القضية الفلسطينية، أمل إسرائيل الكبرى وهدفها الأعظم. لم يطالب أحد بالحرب السافرة والمواجهة العسكرية المعلنة، إلا إذا هدد أمننا القومي. ولكن للحرب وجوه أخرى فاعلة وقادرة على الإسهام بإيجابية في مساعدة الفلسطينيين، وليس كل مساعدة يمكن الجهر بها. أرجو أن تكون تلك سياسة بعض الدول سيكشفها المستقبل بعد هدوء المدافع. أما عن المقاومة الوطنية أيا ما كان اسمها، فلها شرف المبادأة في معركة التحرير ولها شرف الدفاع عن الأرض، ولها شرف عدم قبول الذل والهوان.
العار الأمريكي
الأمريكيون يختلفون اختلافا ثانويا مع إسرائيل بشأن إطلاق النار، اخترعوا مفهوما جديدا، لا سابقة له، دلنا عليه الدكتور إبراهيم عوض في “الشروق”: يمكن ترجمته إلى العربية، من الناحية اللغوية، «بالتوقف الإنساني»، أو يا للمرارة، «بالاستراحة الإنسانية» ليس ما أراده الأمريكيون «هدنة إنسانية». الأمريكيون أرادوا أن تتوقف النيران لفترة ثلاثة أيام، لأسباب إنسانية. لا توجد هدنة في الحروب تحدد لها فترة أيام معدودة. تذكر الهدنة بين الدول العربية وإسرائيل منذ سنة 1949 التي لم تنكسر مع مصر إلا في سنة 1956، ثم في سنة 1967، ثم إن المصطلح الإنكليزي المقابل «لهدنة» معروف وهو غير ذلك الذي استخدمه الأمريكيون في مفهومهم المستجد، والذي أيدهم فيه عدد غير قليل من حلفائهم الغربيين. فضلا عن الأسباب الإنسانية التي ذكرتها الولايات المتحدة لدعوتها «للتوقف» عن أو «الاستراحة» من إطلاق النار، فإن الشك قليل في أن موقف أغلبية المجتمع الدولي الحكومي المتمثل في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعي «إلى وقف إطلاق النار الإنساني»، ومواقف حركات ومنظمات المجتمع المدني العالمي الداعية إلى وقف إطلاق النار، هي ما جعل الولايات المتحدة تخرج بفكرتها المستجدة. إسرائيل من جانبها، وعلى الرغم من مناشدات الولايات المتحدة، لم تقبل إلا «باستراحة إنسانية» مدتها أربع ساعات يوميا فقط، تنذر سكان غزة بمواقيتها قبل أن تبدأ بثلاث ساعات. الواقعية تستدعي إدراك أن الولايات المتحدة لا تقوى على إسرائيل، وأنها، في إطار توزيع القوى الساري فيها، لا تستطيع أن تفرض شيئا على إسرائيل. أوراق اللعبة الشهيرة، وهي ليست لعبة، ليست كلها إلا واحدة في يد أمريكا. أغلبية تعدت ثلثي (67.6%) أعضاء الأمم المتحدة المصوتين في الجمعية العامة صوتت لصالح القرار الذي تقدم به الأردن وتبنته معه 39 دولة كلها من الجنوب العالمي، باستثناء روسيا. 121 دولة صوتت لصالح القرار، أغلبيتها الساحقة من دول الجنوب، منها، بخلاف الدول العربية، 32 دولة من افريقيا، و25 دولة من آسيا، و17 دولة من أمريكا اللاتينية والكاريبي، إلى جانب 19 دولة من مجموعة الدول الأوروبية وغيرها، منها ثمانى دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، من بينها سبعة حلفاء للولايات المتحدة أعضاء في حلف شمال الأطلسي. سكان الولايات المتحدة وحدها يمثلون 0.4% من سكان العالم، ما يعني أن سكان الثلاث عشرة دولة الأخرى، التي رفضت القرار معها لا يمثلون إلا 0.1% من سكان العالم. مواقف المجتمع الدولي من وقف إطلاق النار في غزة واضحة بليغة لا تحتاج إلى تعليق. صحيح أن قرارات الجمعية العامة هي مجرد توصيات، ولكنها تمثل الشرعية الدولية، خاصة إذا ما اعتمدت الأغلبية التي تتعدى الثلثين من الأعضاء تلك في مقابل الأقلية المذكورة. هذه الشرعية ومواقف المجتمع الدولي ليست غريبة على جولة وزيرة الخارجية الأمريكية في الأسبوع الماضي على إسرائيل والأردن والضفة الغربية والعراق. الدول الحليفة المنتصرة في الحرب العالمية الثانية مميزة وهي أكبر المستفيدين، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من حوكمة النظام الدولي الذي صممته في أعقاب انتصارها، والمتمثل في الأمم المتحدة ومنظومتها. تجاهل هذه الشرعية مرة بعد الأخرى سيجعل حوكمة النظام الدولي برمتها تسقط. أخذ الشرعية الدولية ومواقف المجتمع الدولي، وتأثيرها في الولايات المتحدة بجدية، ليس مثالية ولا تعلقا بأمنيات، وإنما هو الواقعية بعينها. الولايات المتحدة، وبعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومراكز البحث فيها انكبت على ما بعد الحرب في غزة، على من يدير القطاع ومن يحفظ الأمن فيه. تارة تضطلع بالإدارة الدول العربية لفترة انتقالية، وتارة أخرى الإدارة في المرحلة الانتقالية دولية الطابع. الحديث أحيانا عن قوات عربية وفي أحيان أخرى عن قوات دولية في غزة، وإن لم تكن واضحة وظيفة هذه القوات أو تلك، خاصة أن نتنياهو خالف ما يصدر عن الأمريكيين وبعض الأوروبيين، معلنا منذ أيام أن إسرائيل ستتولى مسؤولية الأمن في غزة لفترة غير محددة بعد نهاية الحرب. تردد أن من بين مقترحات وزير الخارجية الأمريكية أن تتولى مصر إدارة القطاع لفترة انتقالية.
رسالة للإسرائيليين
هذه رسالة مفتوحة، يكتبها الدكتور أسامة الغزالي حرب في “الأهرام” متوجها بها لـ”الأعداء”: كمواطن مصري ـ عربي، وكباحث كانت قضايا فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي ضمن مقدمة اهتماماتي الوطنية والعلمية ـ وأوجهها إلى الشعب الإسرائيلي. إننا جميعا ـ في مصر والعالم العربي، كما في إسرائيل – نتابع التطورات الخطيرة التي ترتبت على عملية «طوفان الأقصى» التي قامت بها حركة حماس ضد مستوطنات ومدن غلاف غزة، في صباح يوم السبت 7 أكتوبر/تشرين الأول. وكما أعلن فقد أسفرت تلك العملية عن سقوط 1400 قتيل و2156 مصابا. وردا على تلك العملية، قام جيشكم بهجوم وحشي شامل، ليس على حركة حماس فقط، بل على قطاع غزة كله، هل تعلمون عدد الضحايا من أهالي القطاع وفق الأرقام التي نشرتها «وول ستريت جورنال” الامريكية؟ إنهم أكثر من 11 ألف شخص شهيد.. نعم، أحد عشر ألفا، معظمهم من النساء والأطفال، وفق البيانات التي أصدرتها السلطات الصحية في غزة على نحو مفصل اعترفت بدقته أجهزة المخابرات الأمريكية. هل شاهدتم جثث الأطفال الصغار الممزقة بين أيدي أمهاتهم وآبائهم، أو أولئك الذين نجوا ووقفوا مرتعشين خائفين من الهول المحيط بهم؟ وقبل ذلك وبعده، هل شاهدتم الدمار الشامل العشوائي الذي قامت به طائرات ودبابات جيشكم لآلاف المباني والمنشآت في غزة، وتشريد ما يقرب من 2 مليون فلسطيني خرجوا مسرعين.. بعد إعطائهم مهلة (أربع ساعات) لترك بيوتهم، فخرجوا يهيمون على وجوههم إلى أماكن آمنة غير موجودة؟ الانتقام كان وحشيا وإجراميا على نحو لا يمكنكم معه أيها الإسرائيليون أن تتوقعوا من عواقبه أمنا ولا أمانا أبدا، وأخيرا ربما كان رئيس وزرائكم نتنياهو يغطي ـ بدوره ـ بتلك التصرفات على فشل حكومته الذريع في التنبؤ بطوفان الأقصى، ولكنها سوف تظل خيبة تلاحقه، ولن يسلم منها، مهما يكن الثمن الهائل الذي يدفعه شعب فلسطين البطل في غزة.
ستعود لهناك
لا نعيش في هذا العالم بمفردنا على حد رأي أحمد عبد الظاهر في “الوطن” وقد أثبتت الأحداث الأخيرة التي أعقبت عملية طوفان الأقصى، وما ترتب عليها من عدوان إسرائيلي غاشم على أبنائنا في قطاع غزة، أهمية الاحتفاظ بعلاقات ودية مع شعوب العالم كافة. وكم كان مؤثرا وجميلا، أن تظهر بعض المجتمعات غير المسلمة تعاطفها ودعمها وتأييدها وتفهمها لمعاناة أخوتنا الفلسطينيين في قطاع غزة، بل إن العديد من الفيديوهات أظهرت مشاركة بعض اليهود في المظاهرات الداعمة للفلسطينيين، واستنكارهم واحتجاجهم ضد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.. جاءت هذه المواقف في اتجاه مناهض لموقف بعض الحكومات الغربية، ولاسيما موقف حكومات الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. ولعلنا جميعا شاهدنا وتفاعلنا بكثير من التقدير والاحترام والامتنان والعرفان مع المقابلة الصحافية التي تم بثها على شاشات شبكة “سي أن أن” الأمريكية، يوم الخميس الموافق التاسع من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وأجراها الإعلامي آندرسون كوبر مع الممرضة الأمريكية الشجاعة والمحترمة إيميلي كالاهان، بعد حديثها عن الواقع المأساوي في قطاع غزة الذي يرزح تحت القصف والحصار الإسرائيلي، والظروف الصعبة التي تعيشها الأطقم الطبية. وكانت كالاهان ضمن طاقم منظمة أطباء بلا حدود في غزة، قبل أن يتم إجلاؤها بعد أربعة وعشرين يوما قضتها تحت القصف هناك. وفي ردها على سؤال كوبر عما إذا كانت ترغب بالعودة إلى غزة حال أتيحت لها الظروف، قالت كالاهان: «سأعود إلى هناك على الفور إلى غزة، الفلسطينيون الذين عملت معهم كانوا من أفضل من قابلت في حياتي، هم أبطال حقيقيون، لو استطعت امتلاك قدر بسيط من شجاعتهم، سأموت سعيدة».
ملحمة فلسطينية
عقلية الدولة العبرية من وجهة نظر الدكتور ناجح إبراهيم في “الوطن” لم تتغير منذ عام 1948، مذابح وتطهير عرقي، طرد الفلسطيني من وطنه، إقامة مستوطنات في بلاده، وهكذا حتى لم يبق للفلسطينيين من أرضهم الأصلية سوى 22% منها، ورغم ذلك إسرائيل تريد كل شيء، ولم تستطع أن تفعل ذلك إلا بالغطاء الأمريكي الغربي المنحاز انحيازا أعمى، نصرة للظالم ودحرا للمظلوم وقهرا لأمة العرب، الغرب يأخذ خير العرب ويزدريهم في الوقت نفسه، وسنظل كذلك حتى يأتي نموذج صلاح الدين الأيوبي ومن معه. ملحمة بطولة فلسطينية غزاوية يقوم بها الأطباء وطواقم التمريض والإسعاف في مستشفيات غزة، وصدق مدير «مستشفى العودة» حينما قال «نقوم بالمستحيل كي تستمر الخدمة الطبية في المستشفى»، فالوقود قارب على النفاد، وبعض المستشفيات مثل هذا المستشفى أجرى 70 جراحة كبرى في يوم واحد، رغم أنه أصغر بكثير من مستشفى الشفاء الأقوى والأبرز في غزة. هناك أطباء لم يبارحوا المستشفى منذ مأساة غزة، هناك قرابة 124 من الأطباء والطواقم الطبية قتلوا جراء الغارات الإسرائيلية، ملحمة طبية رائعة يقودها أطباء على مستوى رفيع معظمهم تعلم في بريطانيا وفضّل أن يعود لوطنه ويخدم شعبه. دمرت إسرائيل كل شيء في غزة؛ المخابز، ومولدات الكهرباء، ومرافق المياه، فلا خبز ولا وقود، وطوابير الحصول على جركن ماء بالساعات. كل شيء ينفد في غزة، الماء، الخبز، الوقود، الاتصالات، كل عناصر الحياة تنتهي في غزة، ويحل الدمار والخراب جراء القصف الإسرائيلي.
الطفلة فاطمة
يواصل الدكتور ناجح إبراهيم، يبدو أن الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر لا يحسن إلا ذبح المدنيين والإجهاز على الجرحى. عائلات غزاوية كاملة شُطبت من السجل المدنى الفلسطيني لاستشهاد الأب والأم والأولاد جميعا، كل ذلك وأمريكا لا تريد وقف إطلاق النار في غزة، ليتم الإجهاز على أكبر عدد من غزة بأطفالها ونسائها وأسرها، وتدمير أكبر عدد ممكن من المنازل والأبراج الغزاوية، أمريكا والغرب هما المسؤولان عن الجرائم الصهيونية. الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر لا يحسن سوى مذابح المدنيين، أما في الحرب الحقيقية في مواجهة الجيوش فهو أضعف بكثير. إسرائيل تدمن الكذب والتضليل، فبعد طول إنكار أقرت إسرائيل، بأن قناصا إسرائيليا قتل الإعلامية الشهيرة شيرين أبوعاقلة، ورغم ذلك انتهى الأمر دون مساءلة أو محاكمة، وهي تنكر كل مجازرها، ولكنها بعد ذلك توثقها في أفلام وثائقية دون خجل بعد خمسين عاما. استشهاد 124 واحدا من الطواقم الطبية المحرم استهدافهم دوليا في حالة الحرب.. الأونروا تعلن مقتل 72 موظفا من موظفيها في غزة. الأونروا تعلن أن هناك 695 ألف نازح يقيمون في 149 منشأة من منشآتها ورغم ذلك تقصف. انتظرت طفلا لها قرابة 14 عاما لم تجد طريقا لذلك سوى الحقن المجهرى، رزقت بطفلة جميلة سمّتها فاطمة، عام كامل والطفلة تسرح وتمرح في المنزل، حتى جاءت الطائرات الإسرائيلية لتدك منزلها وتقتل أربعة من أسرتها، وتمزق أقدام فاطمة الطفلة الصغيرة لتبتر في المستشفى، تبتسم الطفلة الصغيرة «فاطمة جزر» التي لا تدرك حتى الآن مغزى بتر قدميها، وأنها لن تقف أو تمشى عليها أبدا وستمر بمتاعب ومصاعب وأهوال صحية كثيرة. هذه هي بطولات الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، دوما على النساء والأطفال والمدنيين.
حرب الإبادة
في كل جولات الحروب التي شنتها إسرائيل على الأراضي الفلسطينية في غزة.. كان السؤال يثور بعد أيام من اندلاع القتال، وفق ما يراه جلال عارف في “الأخبار”: إلى متى تتحمل إسرائيل استمرار الحرب وهي الدولة التي لا تتحمل إلا المعارك القصيرة؟ في هذه الحرب يثور سؤال آخر مهم وضروري وهو: إلى متى تتحمل الولايات المتحدة استمرار هذه الحرب التي ظنت في بدايتها أنها ستكون حاسمة وسريعة؟ السؤال عن أمريكا هذه المرة يأتي بعد أن وضعت كل إمكانياتها لدعم إسرائيل في حرب تحولت إلى «حرب إبادة» للشعب الفلسطيني. وبعد أن أرسلت أفضل ما في أسطولها البحري من حاملات الطائرات والغواصات النووية لحماية إسرائيل، وبعد أن فتحت مخازن أسلحتها لتمنح إسرائيل أحدث الصواريخ والقنابل، لتهدم أحياء بكاملها على من فيها من أطفال ونساء. وبعد أن ترك الرئيس الأمريكي كل مشاكل أمريكا والعالم ليزور إسرائيل مع بداية «حرب الإبادة» ويعلن أن كل إمكانيات الولايات المتحدة تحت إمرة إسرائيل، التي لم تفعل شيئا بعد ذلك إلا قتل أكثر من خمسة آلاف طفل وحوالي ثلاثة آلاف امرأة ضمن عشرة آلاف شهيد، زعمت أنهم جميعا كوادر من مقاتلي حماس وفصائل المقاومة الأخرى باختصار.. أصبحت الولايات المتحدة شريكة في «حرب الإبادة» ضد شعب فلسطين. وتصدت الإدارة الأمريكية لترويج كل الأكاذيب الإسرائيلية، وورطت الرئيس بايدن في هذا الترويج الإجرامي. وسبقت الإدارة الأمريكية الجميع بالتمسك بأنه لا وقف لإطلاق النار، رغم أن الرأ العام الأمريكي نفسه بدأ يطالب بذلك بعد أن عرف الحقائق رغم التعتيم الإعلام والادعاءات الصهيونية.
لا تتنازلوا عنها
كنا دائما وفق ما ذكّرنا به فاروق جويدة في “الأهرام” نطالب بفتح أبواب سيناء للمصريين، بحيث يكون من حقهم زيارتها وتملك الأراضي فيها وممارسة كل الأنشطة الاقتصادية.. كان خطأ كبيرا في العهود السابقة، أن يكون الاهتمام ببعض المناطق، بينما بقيت سيناء خالية وكانت هناك تحذيرات ومخاوف من أن بقاء سيناء خالية يغري بالطمع فيها.. لم يكن كافيا أن نهتم بالغردقة أو شرم الشيخ، وهي مناطق خصصت للقادرين وأصحاب الأموال.. كانت إجراءات الملكية في العهود السابقة صعبة على المصريين، وحتى دخول سيناء لم يكن أمرأ سهلا، وكانت النتيجة أن سيناء بقيت خالية رغم أن أطماع إسرائيل فيها لم تتوقف.. إننا نشكو ضيق الوادي والتكدس والزحام الذي تعانيه المحافظات أمام الزيادة السكانية، والآن أصبح من الضروري تعزيز إجراءات الحياة والانتقال إليها.. لقد أهملنا سيناء في السابق، وبقيت بعيدة منذ عودتها وكانت معركة الإرهاب سببا في تعطيل مشروعات التنمية فيها، بما في ذلك استصلاح الأراضى، رغم إنشاء ترعة السلام.. إن ملايين المصريين لديهم الآن الاستعداد للحياة والعمل والاستثمار في سيناء، وهناك من لديه استعداد لأن يزرع أرضها ويستثمر فيها أمواله، المهم أن تفتح الدولة أبواب سيناء للمصريين وتقدم لهم كل وسائل الدعم والتشجيع، لأن سيناء أغرت أصحاب المطامع بالنظر إليها.. سيناء هي مستقبل مصر، وإذا كنا نشكو زيادة السكان فإن لدينا الحل في هذا الجزء العزيز من أرض مصر.. على المصريين الآن واجب وطني أن ينقذوا سيناء من أطماع الآخرين، ولن يكون ذلك إلا بفتح أبوابها للملايين الراغبين في الحياة فيها وحمايتها من أطماع الآخرين.. لا بد أن نعترف بأن إهمال تنمية سيناء في سنوات مضت ومنذ تحريرها كان خطأ كبيرا وجاء الوقت لكي نصحح الأخطاء..
لا تتعلم الدرس
في تاريخ تجارب التحرر الوطني، كما أخبرنا عمرو الشوبكي في “المصري اليوم”، هناك فصائل وجماعات حاربت المحتل وحملت مشروعات فكرية وسياسية كانت محل رفض كثيرين داخل بلادها وخارجها، ولكن لم يعتبر أحد أن توجهاتها هي المشكلة، حتى لو رفضها كلها، إنما اعتبر الاحتلال هو المشكلة. والحقيقة أن الولايات المتحدة فعلت ذلك مع حركة طالبان، التي تركت لها «البلد بما حمل»، وسلمت لها السلطة، رغم أنها أعطت ملاذا آمنا لتنظيم “القاعدة” لتشاركه في عملية 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية، ومع ذلك لم تصنف طالبان حركة إرهابية، كما فعلت مع حماس، التي لم تحارب أمريكا ولم تقتل جنودها، ولكنها حاربت مَن هم أغلى من أمريكا على بعض الأمريكيين، أي إسرائيل. والحقيقة أنه لم يحدث أن فصّل أحدٌ قوى المقاومة على مقاس المحتل، ولا يمكن اعتبار أن العالم شهد شكلا واحدا من أشكال مقاومة المحتل، فهناك المقاومة المدنية الشعبية، وهناك المقاومة بالسلاح، وهناك حرب التحرير الشعبية، وهي كلها أدوات ووسائل تم اتباعها وفقا لكل سياق سياسي وثقافي لكل بلد وعلى ضوء أيضا ممارسات المحتل. والمؤكد أنه لا يمكن اجتثاث فكرة أو عقيدة تحررية من أي مجتمع، صحيح يمكن تهميشها أو تجاوزها بعد الاستقلال بفعل تطور المجتمعات، وتغير السياق السياسي والاجتماعي المحيط بها، إلا أن التعامل مع فصائل التحرر الوطني كأنها إنسان، يمكن قتله، وينتهي الأمر، مسألة غير علمية وخارج سياق التجارب الإنسانية.
أجندة أمريكية
مثلت تجربة إسرائيل واحدة من أقسى التجارب في التعامل مع حركات المقاومة بمختلف توجهاتها، فخطابها المعلن لتبرير عدوانها على غزة، كما يقول عمرو الشوبكي، إنها ترغب في اجتثاث حماس مثلما فعلت أمريكا وحلفاؤها في العراق، حين رفعت شعار اجتثاث البعث، والنتيجة أنها فعلا اجتثت التنظيم، ولكنها حولت جانبا كبيرا من أعضائه نحو تنظيمي “القاعدة” و”داعش”، أي نحو خيار إرهابي شديد التطرف، وفي الوقت نفسه، لا يمكن القول إنها قضت على الفكرة البعثية أو القومية داخل العراق أو خارجه. يقينا يمكن للدولة العبرية أن تضعف قوة حماس، بل يمكن أيضا أن تفكك قدراتها العسكرية، وتقتل الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، ولكنها لن تستطيع أن تقضي على فكرة أو عقيدة مقاومة المحتل، لأنها ستعود مرة أخرى في ثوب جديد، قد يكون أشد تطرفا أو اعتدالا، لكنه سيعود ما دام بقىيهناك احتلال، فستصبح هناك مقاومة، أيّا كان اسمها وتوجهها. إن كثيرا من العرب والفلسطينيين وليس فقط الأوروبيين والأمريكيين يختلفون جذريّا مع حركة حماس، ولكن هذا لا يعني قبول وهم اختفاء الحاضنة الشعبية التي قامت عليها حركة مقاومة محتل، أيّا كان الرأي فيها. لا أحد يختار نوع فصيل المقاومة ولا مشروعها الفكري والعقائدي، وإن جوهر أزمة فلسطين سيظل في وجود الاحتلال وليس اختيار شكل المقاومة.
أثر العقاب
ربما يكون التأييد الغربي الجارف الذي حظي به العدوان الإسرائيلي ضد المدنيين العزل في غزة، قد صدمنا وكشف لنا أن مَن كنا نظنهم متحضرين هم في غالبيتهم همج أوباش، وقد كشف هذه الحقيقة كما أخبرنا أسامة غريب في “المصري اليوم” منذ عشرات السنين عالِم النفس ستانلي ميليغرام عندما قام بإجراء تجربة في جامعة «ييل» عام 1963 على عدد من المتطوعين الذين قبلوا المشاركة مقابل مبلغ مالي. تم إفهام المجموعة أن الهدف هو قياس أثر العقاب على التعلم، لكن كان الاختبار يهدف فعليا إلى معرفة إلى أي مدى يمكن أن يطيع الإنسان أوامر إجرامية، وهل يمكن أن يشارك في تعذيب بريء لا يعرفه؟ تبدأ التجربة بعمل قرعة وهمية تسفر عن اختيار مشارك هو الذي سيقوم بالتعذيب بالصعق بالكهرباء في مواجهة شخص آخر هو الذي يتلقى العقاب. وطبيعي أن متلقي العقاب لم يكن سوى ممثل يتظاهر بأن الصعقة تؤلمه. يقضي الاختبار بأن يقوم المشارك الذي يظن أن الشخص الآخر مشارك مثله بأن يوجه إليه سؤالا، فإذا فشل في إجابته يقوم بالضغط على زر لتوجيه صعقة كهربائية له، وتمضي الأسئلة وتتصاعد معها قوة الصعقات التي تبدأ بـ45 فولتا حتى تصل إلى أقصى صعقة وقوتها 450 فولت، بعدها تنتهى التجربة. أثناء التعرض للصعق غير الحقيقى كان الممثل يتظاهر بأنه يتألم ويصرخ، مستحثا المشارك على التوقف، وكان المشرف يصدر أوامره لمَن يقوم بالتعذيب بألا يتوقف أو يستمع إلى الطرف الآخر، حتى وهو يدق بشدة على الحائط الذي يفصل بينهما.
وحوش على الأرجح
من الجدير بالذكر أن الممثل الذي استشهد به أسامة غريب كان يشير في كل المرات قبل بدء الاختبار إلى أنه مصاب ببعض المتاعب في القلب. كان العلماء المتابعون للاختبار قد توقعوا قبل إجرائه أن عدد واحد في الألف من البشر قد يمضون في الصعق المتصاعد حتى الوصول إلى أقوى صعقة عند 450 فولت، لكن النتيجة التي أرعبتهم أوضحت بعد نهاية الاختبار أن عدد الوحوش البشرية الذين أطاعوا الأوامر ومضوا يصعقون الممثل دون أن يعرفوا حقيقته حتى درجة 450 فولت كانوا 65 في المئة من عدد المشاركين.. فعلوا هذا وهم يتصورون أن ضغطتهم على الزر توجه صعقة حقيقية، دون أن يبالوا بأن الشخص الآخر ضعيف القلب، ودون أن تؤثر فيهم استغاثاته. كان المشاركون من كل الأعمار والفئات، يتدرجون بين مَن أنهى تعليمه الثانوي حتى الحاصل على الدكتوراه، والعجيب أنهم في غالبيتهم رضخوا لأوامر المشرف، وقلة منهم فقط مَن رفضت الاستمرار، وطلبت إنهاء الاختبار. وفي تصوري أن القلة التي رفضت إكمال التجربة هم أجداد المتظاهرين الذين خرجوا في المظاهرة المليونية في واشنطن الأسبوع الماضى تنديدا بالعدوان الإسرائيلي الهمجي ضد غزة، كما أن الذين أكملوا التجربة وصعقوا شخصا وهم يعلمون أن قلبه ضعيف هم أجداد الساسة ورجال الكونغرس غلاظ القلوب، الذين يرفضون وقف العدوان رغم علمهم بأن معظم الضحايا من الأطفال. للأسف، تعبر نسبة 65 في المئة الخاصة بالتجربة عن النسبة التقديرية للمجرمين في هذه المجتمعات.