من مظاهرة السبت الماضي، التي لعبت المواجهات فيها دورا في إقالة الوزيرة
لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان”مقالا للمعلقة نسرين مالك قالت فيه إن الأزمة التي اختلقتها وزيرة الداخلية السابقة سويلا بريفرمان، كشفت عن أن الإسلاموفوبيا ليست بعيدة عن السطح في بريطانيا. وكان رئيس الوزراء ريشي سوناك قد أعلن في يوم الإثنين 13/11 عن تعديل وزاري تخلص فيه من بريفرمان وعين مكانها جيمس كليفرلي في منصبها بعد نقله من الخارجية.
وعاد رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون إلى الحكومة كوزير للخارجية.
وجاء طرد بريفرمان بعد كتابتها مقالا انتقدت فيه الشرطة التي رفضت منع تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين نهاية الأسبوع. وقالت مالك إن الوزيرة السابقة وصفت المحتجين بأنهم “متظاهرون داعون للكراهية” وأنهم “غير مهتمين بغزة ولكن التأكيد على تفوق جماعات معينة وبالتحديد الإسلاميين”. وقالت إن رسالة سويلا بشأن المحتجين المؤيدين لفلسطين، سمعت بوضوح وبصوت عال.
ففي يوم السبت حضرت جماعات اليمين المتطرف بقيادة تومي روبنسون، من رابطة الدفاع الإنكليزية إلى لندن لتأكيد تفوقهم واشتبكوا مع الشرطة.
ولم يكن هذا محتوما ولكنه محتملا، لأن دوامة الإسلاموفوبيا ومعاداة الهجرة، كانت جزءا من سياسات بريطانيا ولوقت طويل بحيث لا يحتاج الأمر إلا للاعب متحمس كي يحركها ويحولها إلى شيء متفجر.
وأعربت الكاتبة عن دهشتها كيف خرجت إلى السطح، فالإسلاموفوبيا شيء دائم في التيار الرسمي السياسي والإعلامي إلا أنها بدت وكأنها شيء رجعي. ووصلت ذروتها في بداية العقد الثاني من هذا القرن لكي تستبدل بالبريكسيت والهستيريا بشأن السيادة. وأصبح البريكسيت ملزما ومنحنا موظفين مدنيين ومحامين وخونة دعوا للبقاء في أوروبا، إلا أن كل ما يحتاجه الأمر استدعاء ما كان دائما كامنا، حدث يتحدث فيه المسلمون، عادة كمهاجرين أو آخرين (خارجين)، سواء كانوا بريطانيين أم لا ويتم تصويرهم باللاعبين الضارين، نواياهم مشبوهة وتنظيمهم شرير.
فمن السهل تجاهل كم هي الرسائل المعادية للمسلمين وكم هي مستشرية، نظرا لأننا في السنوات الأخيرة دخلنا في كل أنواع الحروب الثقافية حول الهوية والتاريخ والجنس.
وبعد عقد ونصف على هجمات 9/11، أولا كمشتبه بهم بالإرهاب وبعد ذلك كأشخاص مراوغين غير صادقين، ربما لم يعد الواحد منا يتذكر كل التفاصيل، إلا أن جوهرها ظل حاضرا وقائما في نفسيتنا الجمعية.
وكيف ننسى هذا، عندما قيل لنا إن الأطفال المسيحيين دفع بهم للرعاية عند عائلات مسلمة “لا تتحدث الإنكليزية”، وإن واحدا من كل خمسة مسلمين في بريطانيا هم من المتعاطفين مع الجهاديين. وإننا نحاول منع استخدام ورقة نقدية بخمسة جنيهات لأنها ليست “حلالا” وإن هناك مؤامرة للسيطرة على المدارس البريطانية وأسلمتها.
وما لم يتم تذكره بشكل كبير هي التصحيحات الصغيرة والتي نزعت لأن رجلا اشتكى واشتكى واشتكى. أو التحقيقات المعمقة بشأن صحة المزاعم، وبعد سنوات من تجاهل الحقائق أو رفضها وأن التحذيرات لم تأت من المسلمين ولكن من أماكن مثل جامعة كامبريدج والتي استخدم الإعلام نتائجها “لتأجيج العداء ضد المسلمين البريطانيين” وتم تمريرها إلى مجلس اللوردات والسياسيين والصحافيين.
ولكن من السهل النسيان، وبخاصة عندما يكون أمرا منتشرا وفي كل مكان، فهو يصبح مثل نشرة الأحوال الجوية.
وبعيدا عن الإعلام، بات العداء للإسلام مدمجا في مؤسسات الدولة. وربما غفر لك لو لم تر الكيفية التي طبعت فيها تشريعات مكافحة الإرهاب الشك والرقابة والتمييز، لأن الذين عانوا منها لا صوت له واعتقد من لديهم صوت أن الضرر الجانبي مبرر. وسجلت في الفترة ما بين 2004- 2009 مليون حالة إيقاف وتفتيش استخدمت فيها الشرطة البند 44 من قانون الإرهاب. وفي تقرير أعدته مفوضية المساواة وحقوق الإنسان وجامعة درم وجدت أن أيا منها لم يقد إلى إدانة بعلاقة مع الإرهاب.
وهناك مسلمون بريطانيون ممن لم يعرفوا أي شيء غير هذا ونشأوا وسط هذا المناخ الأمني الشديد أو في ظل “بريفنت” لمكافحة الإرهاب التي عبأت المدرسين والعاملين مع الشباب لرصد تحركات بعضهم البعض والإبلاغ عنها.
ولم يكن هذا كله مرتبطا بالدين، فقد أصبح المسلمون محل اهتمام بالمهاجرين، الذين تحولوا لمظاهر قلق بشأن الأمن والاندماج واحترام “القيم” البريطانية. وبعد ذلك اتخذ منعطفا آخر بشأن وجود المهاجرين المسلمين والأشخاص الملونين الذين تمت مراقبتهم كدليل على المطالب العدوانية بالحقوق الخاصة أو ظاهرة “اليقظة”، والتساهل واللياقة الخجولة من طرف السلطات الحاكمة.
وعندما تقول بريفرمان إن هناك مفهوما عن محاباة لدى الشرطة فهي تستند على ذلك التاريخ. وليس كل التاريخ، مع أنه مهم ومتعدد الطبقات مثل الرواسب المتكدسة، كل واحدة منها تعلم مرحلة زمنية معينة، وانظر الآن للحاضر، وكيف تحول النزاع في غزة والمطالبة بوقف إطلاق النار إلى مفاهيم تتعلق بـ “الاختراق” من أشخاص يحملون الولاء لطرف آخر والمخاطر المتصدعة للتعددية الثقافية. ناهيك عن أن المتظاهرين مثلوا قطاعات متنوعة من المجتمع وأن حرب غزة باتت محل اهتمام عالمي وأن دعوات وقف إطلاق النار صدرت عن الأمم المتحدة ودعمتها 100 دولة ومن بينهم موظفون في الكونغرس. ناهيك عن ذلك، فدعوات كهذه يتم نزع المصداقية عنها وتصور على أنها مطالب من جهات خارجية مدفوعة بتقويض الدول المضيفة ولا شيء آخر وتحقيقا للمطامح والأجندات السياسية والثقافية الخاصة.
ولماذا لا يكون هذا بعد سنوات من التكييف الثقافي وتكييف الدولة، ولماذا لا يكون هذا عندما لا يتم توجيه اللوم أو العقاب لافتراءات صارخة ضد المسلمين مثل تلك التي وجهت لصادق خان من زاك سميث، أثناء الانتخابات لبلدية لندن، بل ويكافأ عليها سميث بمقعد في مجلس اللوردات.
ولماذا لا يكون هذا، عندما يتم الحديث عن المهاجرين بغير الشرعيين وكأرقام عالية مثل الجراثيم ويجب أن تكون البيئة معادية لهم؟ وكيف لا يكون هذا عندما تكرس أوقاتا واسعة في البث التلفازي وحبرا ومصادر لإرضاء الهوس بالمهاجرين والمسلمين، لكي يقوم شخص مثل بريفرمان برفع درجة الحرارة وإشعال الحرائق في كل مكان.
وعندما يشتبك المتطرفون مع الشرطة ينتشر الشجب ممن لا علاقة لهم بأي فصل من فصول التحريض التاريخي أو لعبوا دورا فيه.
لكن هذه الأشياء من المستحيل الحد منها. لقد أصبحت متماسكة بطريقة تشوه أعلى المناصب. ويصبح الوضع المفترض، هو الانقسام والتجاوز في الأمور الأمنية، وأكثر من هذا في ظل المحافظين اليائسين. والنتيجة هي ظهور كل أنواع التوتر – بين الشرطة والحكومة وبين أولئك الموجودين على الأرض وأولئك الموجودين في وستمنستر، والتي تجعل في نهاية المطاف حتى رئيس الوزراء رهينة، وأسيرا للأفكار الضارة داخل حزبه وقاعدته الانتخابية.
أما التشويه الأكبر فهو عدم القدرة على إقامة علاقات، وفهم أنه لا يمكنك قضاء سنوات في مهاجمة قطاعات كبيرة من المجتمع دون أن يتسرب ذلك بطريقة أو بأخرى إلى حقوقك المدنية وحرية التعبير والتجمع، وكما حدث يوم السبت، دون استدعاء القوى الظلامية إلى شوارعك. كانت المشاهد خلال عطلة نهاية الأسبوع مروعة، ولكن هل هناك استعارة مناسبة لما وصلنا إليه مثل تدفق اليمين المتطرف على النصب التذكاري والدوس على الأماكن المقدسة باسم حمايتها؟