د. أسمهان عقلان العلس قدّمت عدن نفسها في ليلة تشييع جثمان هشام باشراحيل في ملمح تاريخي لن يتكرر، وفي صك تأكيد أخلاقي جديد لذلك الرجل القادم من أكثر حارات عدن دفأ، كانت عدن في الموقف ذاته تقلّب تاريخها من منعطفاته المختلفة وتقرأ من خلاله مكانة’الأيام’ في أحداث عدن. والمراقب للمشهد في ساعة حدوثه لا يمكنه أن يغفل أن الأوراق التاريخية لعدن كانت هناك تتمثل في أكثر من ملمح ومشهد عاشته هذه المدينة منذ وصول خبر وفاة هشام وانتقاله في شوارع المدينة التي راقبت وعاشت الحدث وازداد الألم في النفوس وهي تسترجع مع نفسها معاناة ذلك الرجل خلال السنوات الأخيرة بكل بشاعاتها وقسوتها.
بشاعة العمل، إسوداد الفعل، إنعدام الأخلاق التي عومل بها هشام لن تدفن معه، بل أنّ ذلك الألم تربّع مجدداً بالأمس في كل نفس وفي كل بيت استقر مكانه في ذاكرة التاريخ، وستقرأ الأجيال في الغد بصوت مسموع ما عجزت الأفواه المحبة لهشام عن البوح به، لأن ذاكرة التاريخ ستسطره وستقوله غداً لتحفظه الأجيال جيلاً بعد جيلِ، مثلما نقرأ نحن اليوم تاريخ الأمس.
مواكب الأمس التي شيعت جثمان هشام لم تكن تودع عزيزاً من أبنائها، لكنها كانت تقول كلمتها في حق التاريخ، تاريخ صحيفة ‘الأيام’ التي أجبرت على الصمت في وجه الظلام، وتعطلت آلاتها عن سطر الحقيقة، ولم يجد الشرفاء من محبيها بديلاً عنها على كثرة الصحف الغبراء التي غطت أرصفة الشوارع، لأن الكلمة موقف.
في ملمح الأمس كان لعدن ذكريات مماثلة عندما أحاط محبو ‘الأيام’ بالمبنى ذاته في فترة الإدارة البريطانية لعدن مطالبين السلطة الأجنبية بالسماح بإصدار ترخيص دخول الخبير الهندي إلى عدن لإصلاح مطابع ‘الأيام’ التي تعطلت وتوقف إصدار الصحيفة بسببها. هذا هو حال عدن مع ‘الأيام’، وفي نفس الموقع أحاط أبناء عدن بموقع ‘الأيام’ في أحداث مماثلة عاشها هشام وعاشت عدن معه. إنه سلوك أخلاقي رفيع، ذلك التقاطر البشري الذي يندفع باتجاه موقع ‘الأيام’ تضامناً وتأييداً، بحيث أن هذا السلوك أصبح شاهد’اً على طبيعة الحياة الإنسانية في عدن.
بالأمس عندما تصّدر هشام موكب المحبين المودعين له قالت عدن: إن صحيفة ‘الأيام’ كانت هناك تتقدم بثقلها التاريخي موكب الوداع وتقلب في وجه الجهلاء بيارق الكلمة والموقف اللذين صبغا السياسة العامة لها منذ صدورها في أغسطس 1958، في وقت كان الأدعياء ومزورو التاريخ يختبئون في جحور الظلام. تلك السياسة التي تمثلت في مواقف ممنهجة لهذه الصحيفة منذ صدورها، عندما أعلنت موقفها المؤيد للقومية العربية ولبطلها جمال عبد الناصر، ولم تتخاذل في دعم مواقف العراق في فترة عبد الكريم قاسم، وقالت كلمة حق مسموعة في القضية الفلسطينية. وتزعم عميدها محمد علي باشراحيل الموقف العملي في المجلس التشريعي لتعريف مفهوم ‘العدني’ في أثناء إقرار سياسة ‘العدننة’. وكانت مبادرتها جسورة، وهي الواقعة تحت نير الإحتلال البريطني لعدن، في دعم ثورة 26 سبتمبر 1962. وفتحت صدرها الرحب حاضنة للحركة الوطنية والكفاح المسلح في عدن والجنوب. وتقدمت ‘الأيام’ آنذاك ساحات الحراك الاجتماعي في دعم إضراب طالبات كلية البنات في عدن 1962، واعتصام النساء العدنيات في مسجد العسقلاني 1663-1964، وتشجيع مطالبة المرأة بالحقوق الانتخابية. هذه ‘الأيام’ التي ورثها هشام، وكان أهلا لهذا الميراث، فأحسن صونه وسار على نهجها والدفاع عنها.
عدن التي كانت بالأمس تودع هشام قالت: هذه هي ‘الأيام’ بتاريخها، وهذا هو الملمح الثقافي لعدن، فقد كانت ‘الأيام’ نبض الشارع العدني وستظل، ولن يسكت صوتها رحيل هشام، فالتاريخ لا يموت.
الأمين العام للجمعية اليمنية للتاريخ والآثار -عدن