فلسطينيون يبكون ضحاياهم الذين استشهدوا في قصف إسرائيلي، خارج المشرحة في مستشفى ناصر في خان يونس 14 نوفمبر، 2023- ا ف ب
الناصرة- “القدس العربي”: في اليوم التاسع والثلاثين للحرب على غزة، واليوم الثامن عشر للحملة البرية، يزعم قادة الاحتلال أنها تحقق مكاسب هامة على الأرض في قلب القطاع، لكن عدداً من المراقبين الإسرائيليين يواصلون التأكيد على أن المقاومة الفلسطينية، ورغم النار الهائلة، ما زالت صامدة وبعيدة عن الاستسلام. وفي التزامن، ما زالت “صفقة التبادل” عالقة، وفي دائرة الثرثرة، ومن المرجح أن إسرائيل تحول دون خروجها لحيز التنفيذ الآن، رغم تصاعد الضغوط الداخلية، إذ لا تعتبر استعادة الأسرى والمخطوفين أول أهدافها، ولأنها غير راغبة بوقف الحرب في هذه المرحلة، لاعتبارات تتعلق ببعدها عن أهدافها المعلنة (القضاء على حماس)، وربما بحسابات غريبة، خاصة لدى نتنياهو، وهي على الأقل تفضّل التريث، بحثاً عن صورة انتصار أولاً.
في الأمس، قال وزير الأمن في حكومة الاحتلال يوآف غالانت إن حركة “حماس” فقدت السيطرة على مدينة غزة، وإن الغزيين ينهبون مقراتها، وإن قواته الغازية تتقدم وتقتل قيادات وجنود العدو كل يوم”. ولكن على الأرض تبدو بوضوح ملامح انتصار إسرائيل على النساء والأطفال. ورغم النار والدمار لا توجد أدلة محسوسة على مزاعم غالانت، فلا توجد صور لأنفاق مدمرة، وهي ذخر إستراتيجي للمقاومة الفلسطينية، وفق تقديرات خبراء إسرائيليين أيضاً، ولا مشاهد استسلام لعناصر المقاومة الفلسطينية، ولا استشهاد قادتها السياسيين والعسكريين.
ربما تراجعت وتيرة المقاومة، في الأيام الأخيرة، داخل شمال غزة، مقارنة مع أيام سابقة، نتيجة تكثيف النار الإسرائيلية المتوحشة إمعاناً في سياسة الأرض المحروقة، أو حسابات تكتيكية لدى “حماس”، أو كلا الأمرين، وربما هذا ما يفسر تصعيد المواجهة على الجبهة الشمالية من قبل “حزب الله”، لكن الحرب على غزة بعيدة عن تحقيق مراميها المعلنة، وعائلات المحتجزين قررت وقف الصمت والاحتجاج الواسع.
نتنياهو لم يحقق أهداف الحرب المعلنة، ولذا يصعّد القصف العشوائي بحثاً عن صورة انتصار
يواصل المحلل البارز للشؤون العسكرية عاموس هارئيل التعامل بحذر مع البيانات الإسرائيلية الرسمية حول صورة الحرب على أرض الواقع، فيقول، في مقال نشرته “هآرتس” اليوم الثلاثاء، إن الجيش يتقدم نحو مركز مدينة غزة، لكنه يحتاج وقتاً كي يحقق إنجازاً عسكرياً حاسماً. وينبّه هارئيل إلى أن الصورة الميدانية داخل شمال القطاع ضبابية وجزئية، نتيجة سياسة إسرائيلية متعمدة، وإن الجيش يواصل تقدمه البري، لكنه يجابه ثلاث مشاكل جدية، أولها يكمن بحقيقة أن النيران الإسرائيلية الهائلة لا تترجم لاستسلام “حماس”، وهذا حتى لا يبدو قريباً، وثانيها الجيش لا يعمل في جنوب القطاع، حيث تتكدس كمية كبيرة من الغزيين، فيما تقترب الأوضاع هناك من كارثة إنسانية ستتفاقم جراء المطر وانتشار الأوبئة، ومن غير الواضح كيف ستتصرف القوات الغازية هناك، والثالثة ترتبط بحقيقة أن الحرب بدأت بامتياز كبير لـ “حماس” بعد عملية “طوفان الأقصى” وهي تنوي تعزيزه من أجل ابتزاز صفقتين من إسرائيل تمكّناها من رسم إطار انتصار إستراتيجي”.

في هذه الأثناء، تتصاعد الأنباء والتقارير الصحفية عن قرب صفقة، برعاية قطرية أمريكية، فيما أكد الناطق بلسان “كتائب الأقصى” أبو عبيدة أن إسرائيل تماطل في إنجازها. في التزامن، ووسط تشكك حيال نوايا ومخططات حكومة الاحتلال، قررت عائلات الأسرى والمخطوفين تصعيد الاحتجاج، ودعت، اليوم، لمسيرة جماهيرية تنطلق من تل أبيب إلى القدس، تنتهي مقابل بيت نتنياهو لتطالبه باتخاذ قرار باستعادتهم الآن، بعدما ادعى أن الحملة البرية أولاً لأنها تخدم هدف استعادتهم أيضاً.
ورغم الضغوط الخارجية والداخلية من أجل هدنة إنسانية وصفقة تبادل، تُواصل إسرائيل فعلياً الثرثرة حولها، معلنةً أن استعادة المحتجزين بالنسبة لها هدف مركزي، لكن يبدو أنها غير معنية بها الآن طالما لم تحقق أهداف الحرب المعلنة، وخوفاً من صورة أسرى فلسطينيين محررين، ولذا تصعد القصف العشوائي بحثاً عن صورة انتصار، ما يفسر اهتمام أذرعها الدعائية في إبراز صورة جنود إسرائيليين داخل مقر المجلس التشريعي، أمس، ويفسر الضغط المحموم على مستشفى “الشفاء”، والتصميم على إخلائه طمعاً بمنجز رمزي، لاعتبارها إياه رمزاً سلطوياً لحماس”.
بيد أن صور الانتصار الرمزي حتى الآن تبدو غير كافية في ظل استمرار الجانب الفلسطيني مقاومة التوغل البري، رغم اختلال ميزان القوى واستخدام النار العشوائية المدمرة. وهذا ما يدفع الباحث في الشؤون الفلسطينية في جامعة تل أبيب دكتور ميخائيل ميليشتاين للقول إن صورة جنود “غولاني” داخل البرلمان الفلسطيني داخل القطاع رمزية تربك “حماس”، وتربك الفلسطينيين الذين تحاشوا نشرها.
لكنه، ورداً على سؤال، يوضح، في حديث للإذاعة العبرية العامة، اليوم الثلاثاء، متسائلاً، على غرار عاموس هائريل وبريك: “ولكن هل تؤدي هذه الصورة الرمزية لاستسلام حماس لو تكررت عشر مرات؟ الجواب لا، إذ لا بد من صور تظهر مقتل قيادات سياسية وعسكرية لدى “حماس” حتى نقول إن إسرائيل تلامس نقطة انتصارها، وهذه ما زالت مفقودة”. ويضيف ميليشتاين: “هذه صورة مهمة للحرب النفسية، بيد أنها لا تقول إننا نقترب من تحقيق الحرب أهدافها المعلنة”.
وتتزايد الشكوك الإسرائيلية حول مخاطر خلط نتنياهو للحسابات، ومن رفضه لصفقة تبادل لنيّته إطالة أمد هذه الحرب، كي يؤخر يوم الحساب العسير لتحميله مسؤولية الفشل الذريع، وكي ينجو سياسياً. وهذا ما يؤكده، اليوم، القنصل الإسرائيلي السابق في لوس أنجلوس، الباحث الإسرائيلي ألون بينكاس، الذي يحذر من أن نتنياهو يسعى أيضاً للتناقض مع الولايات المتحدة خدمة لاحتياجاته الخاصة.
هناك جهات في الإدارة، وفي الكونغرس، تشتبه بأن نتنياهو يحلم بجرّ أمريكا لحرب على إيران عقب تصعيد مع حزب الله في لبنان”.
في مقال نشرته “هآرتس”، اليوم، يقول بينكاس إن نتنياهو، ومن أجل تبديد التهمة، والهرب من المسؤولية عن الفشل الذريع، على رئيس الوزراء الإشارة لـجهة تحول دون تحقيق انتصار تاريخي، وهو يبحث عنها في واشنطن”. ويضيف: “ليس صدفة أن نتنياهو يسميها حرباً وجودية وحربَ ثورة واستقلال، ويتحدث عن حرب طويلة، ويشبهها للحرب العالمية الثانية، ملوّحاً بتهديد وجودي يتربص بأوروبا أيضاً. ولا يكفي توجيه التهم للجيش بالفشل، بمنشوراته الليلية، فنتنياهو يبحث عن جهة أكبر يتهمها بمنعه من بلوغ انتصار حاسم، وهذه إدارة بايدن، وهذا ما سيمنعه غانتس وغالانت. لكن صبر واشنطن على نتنياهو بدأ ينفد، وهناك جهات في الإدارة، وفي الكونغرس، تشتبه بأن نتنياهو يحلم بجرّ أمريكا لحرب على إيران عقب تصعيد مع حزب الله في لبنان”.
ويشير بينكاس إلى أن جهات أمريكية رسمية ترى أن نتنياهو، وبعدما حقق أقصى المنافع من بايدن، بات يبدي معارضة لكل فكرة أمريكية، وأنه تحاشى الإدلاء بأي تصريح إيجابي عن اليوم التالي وفق الرؤية الأمريكية، التي ترى بالسلطة الفلسطينية جزءاً من محور الاعتدال مقابل محور المقاومة بقيادة إيران، وأن حساباته ملوّثة باعتبارات سياسية، شخصية وقضائية، وهذا يشمل نزاعاً مع بايدن.
وسبقهما في ذلك الجنرال في الاحتياط يتسحاق بريك، الذي قال، أمس، إن “طريقنا إلى تحقيق الهدف مليئة بالعقبات، والمستويان السياسي والأمني واقعان في مصيدة”.
يقول: “نجح الجيش الإسرائيلي، حتى الآن، في إزالة أجزاء من مدينة غزة عن وجه الأرض، في حين يتحرك نحو قلب مدينة غزة، ولم تحدث تقريباً أي اشتباكات مع “مخربي” حركة “حماس” فوق سطح الأرض”.
ويضيف: ” فكما هو معروف، لقد اختارت حركة “حماس” الاختباء في الأنفاق التحت أرضية، بدلاً من محاربة الجيش الإسرائيلي. لقد تمكن الجيش من قتل بضع مئات من “المخربين” في مواقع الحركة التي قرر الجيش مهاجمتها. وفي هذه الهجمات، فقدنا عدداً غير قليل من الضحايا. لم نبدأ بعد بالعمل على تحقيق الهدف الذي أطلقنا هذه الحملة من أجله، وهو القضاء على حُكم حركتَي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في قطاع غزة”. منوهاً لوجود عشرات الآلاف من “المخربين” المختبئين في أنفاق يمتد طولها إلى نحو ألف كيلومتر أسفل القطاع، إذ يدور الحديث حول كتيبتين تابعتين لحركة “حماس” في مدينة غزة، وثلاثة ألوية تابعة لها في جنوبي قطاع غزة، لم تشرع في القتال بعد. ويقول إنه بالتزامن مع عملية إزالة هذه الأجزاء من مدينة غزة، بدأت الضغوط الدولية الداعية إلى وقف القتال فيها، معتبراً هو الآخر أن مصدر هذا الضغط هو صور الآلاف من القتلى الغزيين المدنيين، حيث تُطلق علينا في بعض البلاد أسماء، مثل “قتلة الأطفال ومرتكبي جرائم الحرب”.
وكما حذر عاموس هارئيل، ينبه بريك أيضاً، في مقال منشور في صحيفة “معاريف”، إلى أن مئات الآلاف من الغزيين يعيشون في جنوب القطاع الآن في ظروف قاسية جداً، وفي ظل مشاكل إنسانية شديدة الخطورة، وقد يؤدي حلول فصل الشتاء الوشيك إلى تفاقُم وضعهم المتدهور، بصورة أسوأ كثيراً. مرجحاً أن يزداد الضغط على إسرائيل من دول العالم، بسبب احتمالات اتساع رقعة الحرب، لتصير حرباً إقليمية، وأن كل هذا لن يوفر للجيش الإسرائيلي الوقت المطلوب لمعالجة موضوع عشرات الآلاف من “المخربين” الموجودين في مدينة الأنفاق وعشرات الآلاف من “المخربين” الموجودين في جنوبي القطاع.
بريك، الذي عرف بنبي الغضب الإسرائيلي، لتحذيراته، منذ سنوات، من عدم أهلية الجيش الإسرائيلي للقتال البري يقول إن “هدف الحرب اجتثاث سلطة “حماس” في قطاع غزة وبنيتها العسكرية، لكن التقديرات تشير إلى أن عملية الاجتثاث هذه ستستغرق بضعة أعوام”.
بريك: طريقنا إلى تحقيق الهدف مليئة بالعقبات، والمستويان السياسي والأمني واقعان في مصيدة
ويمضي في تحذيراته: “إن دخولنا القتال في جنوبي القطاع بعد استكمال نشاطنا في مدينة غزة، سيجبرنا هذه المرة على تهجير نحو مليونين من السكان الغزيين، الذين يقطن قسم منهم في تلك المنطقة، وهرب قسم منهم من مدينة غزة إلى الجنوب، بتشجيع منا، لكي يتمكنوا من تلقي المساعدة الإنسانية. إلى أين يمكننا بالضبط أن نهجر هؤلاء؟ هل سيوافق العالم على التهجير؟ هل نملك فرصة للقتال طوال العامين المقبلين في قطاع غزة؟
ويخلص بريك للقول إن الحل هو أن يعلن المستوى السياسي أنه في مقابل استعادتنا المخطوفين الـ 240 من أبنائنا، سيوقف الحملة، معتبراً أن هذا طلب سيتفهمه العالم، وبعد أن نحصل على المخطوفين، سنفكر كيف يمكننا المواصلة. يشار إلى أن وزير الخارجية الإسرائيلي تعرّض لانتقادات داخل الحكومة والمؤسسة العسكرية، بعدما قال، أمس، إن الساعة الرملية تنفد، ولم يتبق لإسرائيل سوى أسبوعين تقريباً لمواصلة الحرب. بيد أن مراقبين إسرائيليين كثراً يرفضون التسليم بتصريحات المسؤولين الإسرائيليين، ويؤكدون ما يقوله بريك بأن إسرائيل ستضطر لأخذ الضغوط العالمية (والضغوط الداخلية المتنوعة) بوقف الحرب بالحسبان، خاصة أن لدى الإدارة الأمريكية، وهي الأهم من هذه الناحية، حسابات كثيرة داخلية وخارجية ستدفعها لفرملة إسرائيل، بعد 40 يوماً من الدعم المطلق والسخيّ.
عشية اليوم الأربعين، تدخل الحرب على غزة مرحلة عضّ الأصابع، فإسرائيل، رغم القصف المتوحش على غزة، والمعادل لقصف دريزدن في الحرب العالمية الثانية، لم تنجز مكاسب كبيرة حقيقية على الأرض، وباتت عالقة من هذه الناحية مقابل حصار وضغط شديدين على “حماس” و”الجهاد”، والقدرة على الصبر والتحمل تبدو حاسمة، لأن عقارب ساعة النهاية باتت تدق نتيجة ضغوط وحسابات متنوعة، تنعكس في نبرة ولغة جسد نتنياهو وغالانت في المؤتمرات الصحفية.