محمد سالم أبو عاصي - فاطمة ناعوت
رأيت مقطعا تلفزيونيا لفاطمة ناعوت، ومحمد سالم أبو عاصي المدرس في جامعة الأزهر؛ الذي ما فتئ طوال الحلقة باستعراض عضلاته الفكرية. كانت الحلقة عن الجذور التراثية الرافدة، أي التي تمُد الإرهاب، قالت الناعوت إن التراث الأشعري هو المغذي لهذا الرافد فبادرها أبوعاصي بسؤال منطقي؛ ماذا قرأتِ للأشاعرة؟ فأجابته بكلمة من الشرق وكلمة من الغرب، بما يشبه الفضيحة المعرفية.. فضيحة كان يمكن تلافيها إذا كانت على علم بالبنية الأبستمولوجية الخاصة بالتيار الآخر الذي ذهبت لمناظرته. في حالة الاشتباك هذا والتناظر المعرفي مع التراثيين لا بد أن تكون أصلا متمكنا من دراسة التراث، لمعرفة الفروق البينية الهائلة بين تياراته الفكريه المتلاطمة. فالتراث الإسلامي غابة أمازونية شديدة الاتساع، قادرة على بلع من لا يعرف مساراتها، فضلا عن محاولة تفكيك هذه الغابة بفأس هزيل، ما يتيح لحراسها التراثيون وأد خصومهم وتحويلهم إلى مسوخ يضحك عليهم العوام.
في الحالة المشرقية – الشرق- أدركت أنا بعد خبرة، أن أحد آليات تفكيك التراث هو التراث نفسه كميكانزم دفاعي، عن طريق استخدام النقاط العقلانية المضيئة فيه، لنقض النقاط الأشد ظلامية، وهي آلية واجبة سواء لإفحام الخصوم، أو لاجتذاب تيار شعبي كقاعدة جماهيرية لازمة كحاملة شعبية لأسس التنوير، كما حدث في أوروبا، وهو ما نفتقده هنا، وما تكلمت عنه سابقا بعدة مقالات يرجع إليها من يشاء.
أما موضوع الحلقة؛ فالأديبة ناعوت، ذهبت لمناظرة الأشاعرة على الهواء، ولم تقرأ كتابا واحدا عن الأشعرية. لم تقرأ حتى كتاب أبو الحسن الأشعري الأشهر «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» الذي كان من الممكن أن تستخدمه وحده كمرجعية لمثاقفة خصمها على الهواء، واستخدام هذا الكتاب وما ورد فيه كمتكأ لحرية فكر صرنا نعدمها في الأشاعرة المعاصرين، لأن الأشعري وصف فيه كل فرق الكلام والفلسفة الإسلامية، وعلى اختلافها المتضاد وعلى اجتهادتها التي لا نستطيع تمريرها الآن في وصف الذات الإلهية بالإسلاميين المصلين، ولم يكفر أحدا مطلقا، كما أن الطبقات الأشعرية التي أعقبت الأشعري نفسه مالت باتجاه المعتزلة في كثير من أقوالهم وعقائدهم مثل، خلق القرآن، وقضية اللفظ والمعنى، وغيرها؛ وليرجع من يشاء إلى حواشي – شروحات- البيجوري الشافعي على متون العقائد الأشعرية، أو شروحات «الخريدة البهية» الكثيرة للشيخ أحمد الدردير المالكي، وكليهما أشاعرة المعتقد، كما أن أكثر الباحثين يميلون إلى أن الأشعري نفسه لم يخالف المعتزلة، سوى في المنزلة بين المنزلتين، وبعض تأويلات للصفات والذات، وما عداها من أقوال هي أقوال معتزلية أسبغت عليها ألفاظ شرعية فقط، ولاسيما أن الرجل قضى شطرا كبيرا من حياته معتزليا، ونشأ في بيت معتزلي قح، فزوج أمه هو أبو علي الجُبَائي إمام المعتزلة في زمانه. إذن الأشاعرة هم في النهاية معتزلة مقنعون إلا في بعض المسائل التي يمكن تمريرها. وهو قول يجيب على خلط ناعوت بلا أدنى سابقة من علم في الحلقة بأن الأشاعرة يكفرون المعتزلة.
تقول ناعوت في الحلقة: «تراث المعتزلة تراث عقلاني»؛ وتصر على هذه الجملة وهذا وهم «يتشعبط» فيه البعض. إكليشيه ثابت يتهافت أمام التحقيب الفكري الحقيقي. المعتزلة لا كانوا متسامحين، ولا عقلانيين بمفاهيم عصور الأنوار الأوروبية ولا يحزنون. أما أحد مبادئهم الخمسة (الحسن والتقبيح العقلي) فهو خاص بباب الصفات الإلهية فقط، وليس مجمل تأويل النص القرآني، وعلى المستوى العملي حين تمكنوا من الحكم فترة الخليفة المأمون، مارسوا قمعا لا مثيل له على كل المذاهب والتيارات الفكرية الأخرى بلا استثناء، ما يتهافت أمامه أي ادعاء بالعقلانية. هذا القمع هو من صنع لاحقا المظلومية الحنبلية، التي ما زلنا نعاني منها وحتى اللحظة.
أحمد بن حنبل ظل يُضرب لأشهر عديدة على موضوع هو نفسه غير مستوعب له بشهادة معتزلة عصره أنفسهم. أما فكرة تسامح المعتزلة فتتبخر عند معرفة، أن مرتكب الكبيرة عندهم خالد أبدا في نار جهنم، وأن من خالفهم في القول بخلق القرآن فكافر، وأن الله تعالى لا يخلف وعيده.
تقول ناعوت ضمن ما قالت: ان ابن رشد الحفيد الفيلسوف هو امتداد لتراث المعتزلة العقلاني، والحقيقة أن الفلاسفة المسلمون بينهم وبين علماء الكلام عامة، والمعتزلة خاصة ما صنع الحداد كما يقال، وابن رشد صرّح في بداية حياته بجهله بعلوم المعتزلة لعدم وصول كتبهم في ذلك التوقيت إلى الأندلس، فلما اطلع على مناهجهم في البحث كان من أشرس خصومهم، ووصفهم بالختل والدجل المعرفي، والجُهال، وأن عباراتهم لا حصَلت شرعية، ولا حصَلت فلسفية، وأنهم كانوا عقبة في طريق الفلسفة – وتلك حقيقة – يقول في كتابه «فصل المقال» عنهم (تأويلاتهم لا تقبل النصرة، ولا تتضمن التنبيه على الحق، ولا هي حق). ويقول (طرقهم التي سلكوها في إثبات تأويلاتهم ليسوا فيها مع الجمهور، فلكونها أغمض من الطرق المشتركة للأكثر، وأما مع الخواص فلكونها إذا تؤملت وجدت ناقصة عن شرائط البرهان، وذلك يقف عليه بأدنى تأمل من عرف شرائط البرهان). ذلك لأنها تأويلات نابعة من رؤية دينية وليست فلسفية بحتة، استخدمت فيها مقاييس فلسفية قسرية، فأفسدت الفكر الديني والفكر الفلسفي على السواء، وبتعبير ابن رشد لا صاروا فقهاء، ولا صاروا فلاسفة.
إن عمليات التنوير الحقيقية لا تُصنع في البدء سوى نخبوي وبهدوء شديد ورصانة، وبعيدا عن التلاسن المناظرتي، ثم تسعى لاجتذاب شريحة جماهيرية عريضة. في الفضاء التنويري المصري، تم الدفع بوجوه خفيفة ربما عن عمد لحرق خطاب التنوير ذاته لدى العوام، هذه الوجوه وقعت في الفخ الدوغمائي والديماغوجي بتبنيها خطابات فارغة مستفزة عالية الصوت، فصارت شعبوية أكثر من خصومها.
تقول ناعوت أيضا إن الأشاعرة خرج من عباءتهم «السُنيون»! والحقيقة أن الأشاعرة طريق «والسُنيين» – حسب قولها- طريق آخر واسمهم الدارج في الأدبيات التراثية «أهل السنة والجماعة» وليس السنيين، الذين تجمع أشتات مشروعهم المعرفي والعقائدي على يد تقي الدين ابن تيمية الحراني، (الذي يصف الأشاعرة بمخانيث المعتزلة) وابن قيم الجوزية تلميذه، مع وجود بعض الوجوه من المذاهب الأخرى التي تُخدم على الرؤية العقائدية مثل، الطحاوي وتلميذه ابن أبي العز الحنفي.
هذه المدرسة تحديدا ذات الجذر العقائدي الحنبلي، الذي لا يتأول الصفات ولا يتهاون في تأويل العقائد، التي اشتهرت لاحقا «بأهل السنة والجماعة» هي التي خرج من عباءتها عشرات الفرق تحت دعاوى السلفية، وبين هذه الفرق المتمترسة بالتسلف وخيرية القرون الأولى، تمايز وتضاد وتنافر، وتشابه وتجاذب، وتيارات عنيفة، وتيارات هادئة، وموضوع يستحيل شرحه بمقال.
لكن؛ بشكل عام، أهل السنة والجماعة، كما يطلقون على أنفسهم، وكتيار نسقي حاو وجامع بينهم وبين الأشاعرة والماتريدية (الذين يصفون أنفسهم أيضا بأهل السنة والجماعة) تباين هائل، ولاسيما في باب الأسماء والصفات الإلهية، وتلاسن لم ولن تخف حدته. أما الضيف الآخر في الحلقة أبو عاصي، فهو رجل متمكن؛ له مؤلفات في التأويل نثمنها ونختلف معها، فالرجل يقول إن أبو حامد الغزالي فيلسوف، وهو قول رائج عند كثير من الباحثين المعاصرين، بل هو قول رائج حتى عند فقهاء العصور الوسطى الإسلامية. لأبي بكر بن العربي مقولة شهيرة عن الغزالي (بلع شيخنا أبو حامد الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع). إذن فهو عنده وعند غيره فيلسوف. والحقيقة أن الغزالي وأد التفلسف والعقلانية الإسلامية، وإلى اللحظة الراهنة، وعباراته في ذم الفلسفة والتفلسف في كتابة «تهافت الفلاسفة» «ومقاصد الفلاسفة» «والمنقذ من الضلال» لا تحتاج إلى دليل، بلغت حد تكفيرهم بقوله (القول بكفرهم واجب) و(وجب تكفيرهم ـ فلاسفة اليونان – ووجب تكفير شيعتهم من الفلاسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي وأمثالهما) وليس تعاطفه مع المنطق في كُتبه (معيار العلم والقسطاس والمستصفى) دليل على التفلسف
فغالب الفقهاء يدون تسامحا جزئيا مع المنطق كمقياس وميزان عقلي، وليس منهجا بحثيا ينبثق عنه أفكار تساهم على دفع تغيير النسق الاجتماعية. يقول أبو عاصي أيضا: إن أبو حامد نقض «بعض» الفلاسفة وليس كلهم، وأن ابن رشد لم يشن حربا عليه، وأنا لا أعرف كيف لأكاديمي أن يقول هذا الكلام، وليأتينا بفيلسوف واحد لم يهاجمه الغزالي، أما ابن رشد فوصف الغزالي في كتابه «فصل المقال» و»تهافت التهافت» بالنفاق والتناقض والجهل والتجاهل، وقال عن كتابه التهافت (الأولى والأجدر أن يسمى تهافت أبو حامد). ولاسيما أن الغزالي الذي كفّر ابن سينا في قضية البعث والحساب المعنوي المشتهرة عنه، هو نفسه من يتبنى هذا الرأي ويدافع عنه في كتابه «ميزان العمل».
التنوير المزيف
هذا نموذج دال على حالة التهافت الفكري لجولة تلفزيونية واحدة، وهي نوع من الفهلوة، منتشرة الآن في مصر تحجب أي عملية تنويرية حقيقية لأسباب منها:
إن عمليات التنوير الحقيقية لا تُصنع في البدء سوى نخبوي وبهدوء شديد ورصانة، وبعيدا عن التلاسن المناظرتي، ثم تسعى لاجتذاب شريحة جماهيرية عريضة. في الفضاء التنويري المصري، تم الدفع بوجوه خفيفة ربما عن عمد لحرق خطاب التنوير ذاته لدى العوام، هذه الوجوه وقعت في الفخ الدوغمائي والديماغوجي بتبنيها خطابات فارغة مستفزة عالية الصوت، فصارت شعبوية أكثر من خصومها.
كما أنها اقتنصت بعض النصوص الفقهية التاريخية واشتبكت معها في معترك حاد، متناسين أو جاهلين أن المساقات التنويرية الجادة، سوف تتبخر معها منظومة الفقه التقليدية آليا، إذا أرسيت دعائم أبستمولوجية قوية رامية لإعادة تحديث وتأويل أصول المنظومة الفكرية المشكلة للوعي العربي والإسلامي كاملا وليس نصوص منظومة الفقه وحدها (التي وبشكل شخصي لا أرتاح لمعظمها) وهو ما يقزم معرفيا خطابات تلك الوجوه التي جعلت من تفكيك – وهو بالمناسبة تفكيك عشوائي غير خاضع لمنهجية علمية- منظومة الفقه وحدها، منجزا أعلى ونهائيا، مع جهل تام بكيفية بناء منظومة معرفية أخرى سواء كلية أو جزئية. لذا غاب في عمق هذا المشهد العبثي هذا وجود أي نوع من عملية تعصيف حقيقية يستعاد فيها سرديات المؤسسين كمحمد عبده، والأفغاني والكواكبي ويُتَكأ فيها على التجاور المعرفي بين المشاريع المعاصرة شديدة الأهمية، كهرمونطيقيا نصر حامد أبو زيد، أو تعددية مناهج محمد أركون، أو فينومنولوجية حسن حنفي، أو بنيوية عابد الجابري، ونقد جورج طرابيشي له.
وهي مشاريع امتكلت أدواتها البحثية، وكانت على علم بأدق خفايا التراث، وآخر ما توصلت إليه العلوم والنظريات الإنسانية اللازمة لتفكيك النص وإعادة بنائه على أسس تاريخانية، كان من الممكن بهذه الأطروحات أن نصنع شيئا، لولا الأصوات الزاعقة التي افترشت سطح قطار التنوير، الموضوع أمام قضيبه أصلا عشرات العقبات والمنحنيات والصعوبات. بينما في العربات الداخلية أسدلت الستائر سواء عمدا، أو عن غير عمد عن الخطابات الجادة والرصينة فتضببت الرؤية تماما.
كاتب مصري