الضحايا الأحياء في غزة الذين فقدوا مصدر الرزق

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

ليس بالمقاومة المسلحة وحدها يحيا الشعب الفلسطيني، لأن المقاومة هي قوة لا تتجزأ، اقتصاديا وسياسيا وإداريا وعسكريا واجتماعيا. وليس بالمقاومة المسلحة وحدها يكون الصمود، وإنما يحتاج الصمود إلى الاقتصاد وفرص العمل والسوق والأموال، وهي عناصر أولية في نسيج المقاومة والصمود. ويواجه الفلسطينيون حاليا ساعة الحقيقة الاقتصادية، تماما كما يواجهون ساعة الحقيقة العسكرية. وفي كل من الحالين فإن الإنسان هو مصدر الإرادة الفاصلة. في لحظة الحقيقة فإن الفلسطيني إما أنه يقاتل أو يعمل، أو يداوي المرضى والجرحى، أو يتخذ موقعه في الخطوط الخلفية قوة داعمة للمقاومة والصمود، وهو لكي يعمل يجب أن تتوفر له فرصة العمل الملائمة.

وبسبب الحرب في غزة انقطعت سبل كسب الرزق بعشرات الآلاف من الأسر في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، فقدت القدرة على شراء الاحتياجات اللازمة للحياة اليومية. الحرب تثير أيضا علامات استفهام قوية حول مالية السلطة الوطنية الفلسطينية، التي تعتمد بنسبة 65 في المئة تقريبا على الضرائب والتأمينات المستردة من إسرائيل، التي تمثل قيمة الجمارك على تجارة الضفة والقطاع التي تمر عبر الموانئ والمطارات الإسرائيلية، والرسوم والتأمينات التي تحصلها إسرائيل من العمال الفلسطينيين الذين يعملون هناك. ويشكل هؤلاء ما يصل إلى 15 في المئة من قوة العمل الفلسطينية. ونستطيع أن نقرر أن السلطة فشلت على مدار 30 عاما في إتاحة قدر كاف من فرص العمل في قطاعات الاقتصاد، كما فشلت في ذلك حماس التي تدير القطاع منذ عام 2007. هذه الحرب تصدر رسالة قوية تقول بأن القتال ليس بديلا عن الإنتاج، وأن المقاومة لا تستمر دون قوة اقتصادية مستقلة. وقد لاحظت بحوث منظمة العمل الدولية أن نسبة متزايدة من فرص العمل المتاحة لطالبي العمل في قطاع غزة والضفة الغربية قبل الحرب جاءت من إسرائيل، سواء في المدن أو في المستوطنات الحدودية، وليس من الداخل الفلسطيني.

تأثير الحرب على فرص العمل

تشير التقديرات الأولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية أن ما لا يقل عن 61 في المئة من فرص العمل في غزة قد اختفت، ما يعني أن ما لا يقل عن 182 ألفا من المشتغلين في سوق العمل فقدوا وظائفهم منذ بدأت إسرائيل حربها على غزة. كذلك امتدت التداعيات الاقتصادية للحرب إلى الضفة الغربية، وتركت آثارا مباشرة في سوق العمل، تتمثل في فقدان ما لا يقل عن حوالي 25 من فرص العمل المتاحة، ما يعني فقدان حوالي 210 آلاف وظيفة خلال الفترة منذ بداية الحرب حتى نهاية الشهر الماضي. بذلك فإن إجمالي الخسائر في سوق العمل في كل من قطاع غزة والضفة الغربية بسبب الحرب تقترب من 400 ألف وظيفة، وهي كمية تعادل أكثر من 25 في المئة من حجم القوة العاملة الفلسطينية. وتتوقع منظمة العمل الدولية أن الوضع قد ساء أكثر خلال النصف الأول من الشهر الحالي، بسبب كثافة العمليات العسكرية، وإغلاق الكثير من الأنشطة الاقتصادية والخدمية، الأمر الذي يؤثر سلبا على سوق العمل. هذه الخسائر في سوق العمل وحدها تترجم ماليا في خسارة تصل إلى ما لا يقل عن 16 مليون دولار.

ملامح سوق العمل في غزة

طبقا لنتائج أحدث بحوث سوق العمل في غزة، قامت به منظمة العمل الدولية في الربع الثاني من العام الحالي، فإنه يلاحظ انخفاض نسبة المساهمة في سوق العمل بين البالغين في سن العمل (أكثر من 15 سنة) إلى 40 في المئة فقط، ما يعني ان نسبة 60 في المئة من السكان في سن العمل يعيشون خارج السوق. ويعود ذلك بالأساس إلى انخفاض نسبة مساهمة النساء في سوق العمل عموما، على العكس من الحال في الضفة الغربية التي يرتفع فيها المعدل إلى 47.8 في المئة. كما أن معدل البطالة يرتفع في غزة ليبلغ أكثر من 46 في المئة، في مقابل 13.4 في المئة في الضفة الغربية. هذا يعني أن خصائص سوق العمل في غزة تعتبر أسوأ بكثير منها في الضفة الغربية، من حيث نسبة مساهمة من هم في سن العمل، ومستوى الأجور، ومعدل البطالة.
كما أن ملامح سوق العمل في غزة تعكس تمييزا ضد المرأة العاملة مقارنة بالضفة، إذ ترتفع نسبة البطالة بين النساء إلى أكثر من 66 في المئة، وهو من أعلى معدلات البطالة في العالم، مقارنة بنسبة تبلغ حوالي 40 في المئة بين الرجال. ويسوء الحال أكثر فيما يتعلق بنسبة مساهمة النساء في سوق العمل فعلا، التي تقل عن ربع عدد من هن في سن العمل. وبسبب فروق الأجور المتاحة للعمال في الضفة الغربية وقطاع غزة وتباين دخل العمل، فإن نسبة الفقر في قطاع غزة وصلت رسميا في العام الماضي إلى 53 في المئة مقابل 13.9 في المئة في الضفة الغربية. أي أن معدل الفقر في القطاع يزيد عن ثلاثة أمثال نظيره في الضفة الغربية بواقع 53 فقيرا بين كل مئة، مقابل 14 في الضفة.

تفاوت الأجور

ويعمل 51 في المئة من المشتغلين في غزة في قطاعات الخدمات والأنشطة المرتبطة بها. ويستحوذ قطاع الفنادق والمطاعم والتجارة على نسبة 23 في المئة. ويبلغ متوسط دخل العمل في قطاع غزة 717 شيكل شهريا (الشيكل الاسرائيلي الجديد هو أكثر العملات انتشارا في قطاع غزة والمناطق المحتلة عموما). كما أن الأجور في غزة تنخفض في القطاع الخاص والقطاع غير المنظم بنسبة كبيرة عن المتوسط العام للأجور. ويعتبر هذا أحد العوامل في انتشار الفقر في غزة، حيث أن 6 من بين كل 10 من المشتغلين يعملون في القطاع الخاص غير المنظم. ومن الملاحظ كذلك وجود فارق كبير بين متوسط دخل العمل في غزة ومثيله في الضفة الغربية، حيث يبلغ متوسط الأجر الشهري 1385 شيكلا في الضفة مقابل 717 في غزة.
وتتباين ملامح سوق العمل محليا داخل قطاع غزة إلى درجة كبيرة، حيث ترتفع نسبة التشغيل، ومستوى الأجور، ونسبة مساهمة النساء في شمال القطاع عنها في مدن الجنوب. ففي شمال غزة قبل الحرب كان معدل التشغيل يصل إلى أعلاه في كل القطاع مسجلا 61.6 في المئة. وكان ذلك يعود بشكل خاص إلى ارتفاع الطلب الإسرائيلي على العمال، خصوصا في قطاعي الزراعة والبناء. وعلى العكس من ذلك فإن معدل التشغيل يصل إلى أدناه في مدينة دير البلح مسجلا 45.2 في المئة، وهو ما يقل عن المتوسط العام للتشغيل في قطاع غزة ككل بحوالي عشر نقاط مئوية.

خسائر الإنتاج

طبقا لتقديرات مكتب الإحصاءات الوطني الفلسطيني فإن الآثار السلبية للحرب على الأنشطة الاقتصادية ككل في قطاع غزة تبلغ حوالي 16 مليون دولار يوميا، في حين تذهب تقديرات أخرى إلى أن الخسائر اليومية تتراوح بين 14 مليون إلى 20 مليون دولار يوميا. وتعبر هذه الخسارة عن نفسها في خسارة 20 ألف فرصة عمل لعمال غزة في إسرائيل، وما يقرب من 85 في المئة من فرص العمل في القطاع الخاص، وحوالي 15 في المئة من فرص العمل في القطاع الحكومي.

خسارة التأمينات الاجتماعية

طبقا لبروتوكول باريس 1994 بعد اتفاق أوسلو فإن إسرائيل تعيد إلى السلطة الوطنية الفلسطينية دوريا قيمة الضرائب والتأمينات التي قامت بخصمها خلال العام من أجور الفلسطينيين العاملين من الضفة الغربية وقطاع غزة والرسوم الجمركية على التجارة المتبادلة والواردات والصادرات الفلسطينية، التي تتم عبر الموانئ والمطارات الإسرائيلية. ويصل هذا المبلغ إلى حوالي 188 مليون دولار. لكن الكنيست الإسرائيلي قرر معاقبة السلطة بحجب كل المبالغ التي يتم دفعها لعائلات الشهداء والأسرى والمسجونين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وكذلك تم حجب مرتبات مسؤولي فتح السابقين الذين كانوا يشغلون مناصب حكومية في إدارة قطاع غزة، بعد أن سيطرت حماس إداريا على القطاع. لكن هذه التحويلات المالية، التي كان من المفترض أن تتم دوريا بصورة تلقائية، تحولت إلى قضية سياسية في العلاقة بين الطرفين، ففرضت إسرائيل استقطاعات من باب العقوبات المالية ضد السلطة كلما طرأت مشكلة في العلاقات بينهما، خصوصا فيما يتعلق بإجراءات التنسيق الأمني. وتعتبر إسرائيل أن وجود السلطة الفلسطينية لا قيمة له دون قيامها بواجبات التنسيق، وتعتبره مبرر وجودها الرئيسي. وتسهم تلك التحويلات بما يصل إلى 65 في المئة من مصروفات السلطة الوطنية الفلسطينية سنويا.
وقد تصاعدت أزمة التحويلات المالية مع الحرب، خصوصا وأن أحد أقطاب اليمين الديني الصهيوني، هو الوزير بتسئليل سموتريتش هو الذي يتولى وزارة المالية. وقد طلب سموتريتش تحويل مستحقات السلطة الوطنية الفلسطينية لتمويل ميزانية الدفاع والاستيطان. ومع ذلك فإن حكومة الحرب الإسرائيلية قررت في أوائل الشهر الحالي الإفراج عن جزء من هذه المستحقات، بعد خصم ما يعادل ما تدفعه السلطة لأسر الشهداء والأسرى والمسجونين والموظفين السابقين في غزة، إضافة إلى خصم 100 مليون دولار، تعتبر نصيب غزة من المبلغ الكلي، على ان يستخدم هذا المبلغ في سداد مستحقات إسرائيل مقابل المياه والكهرباء التي كانت تحصل عليها غزة من إسرائيل. وكان وزير الدفاع يؤاف غالانت من أكبر المؤيدين لتحويل أموال إلى السلطة الفلسطينية، وذلك لدفع مرتبات جنود وضباط القوة الأمنية التابعة للسلطة في الضفة الغربية. كما أن أطرافا دولية أهمها حكومة النرويج قد تدخلت أيضا لسداد قيمة التحويلات بأكملها دون أي استقطاعات.
وقد أعدت منظمة العمل الدولية برنامج استجابة مكونا من ثلاث مراحل لمعالجة تأثير الأزمة على سوق العمل الفلسطيني وسبل العيش. تركز المرحلة الأولى، والتي بدأت بالفعل، على أعمال الإغاثة. وهي تتضمن تقديم المساعدة الفورية، مثل خطط دعم سبل العيش الطارئة للعمال الفلسطينيين. ومن بين هؤلاء عمال من غزة فقدوا وظائفهم داخل إسرائيل بعد اندلاع الصراع الحالي، وهم عالقون في الضفة الغربية ويقدر عددهم بحوالي 6 آلاف عامل. وقد حشدت منظمة العمل الدولية مواردها الداخلية وقامت بتوجيه حوالي 2 مليون دولار أمريكي نحو تدخلات الإغاثة الطارئة وجمع البيانات الأولية، وتعمل على تخصيص المزيد من الموارد الداخلية لتنفيذ خطة الاستجابة. وتتضمن المرحلة الثانية – أو مرحلة المراجعة – جمع البيانات وتحليل الأثر من أجل المساعدة في التخطيط للتدخلات وتنقيحها وتحديد الأولويات. وأخيرا، ستركز المرحلة الثالثة أو (مرحلة التعافي) على خلق فرص العمل من خلال أعمال إصلاح البنى التحتية الكثيفة العمالة وغيرها من المبادرات، فضلا عن تدابير الحماية الاجتماعية واسترداد الوظائف وإنعاش المؤسسات الإدارية والأنشطة الاقتصادية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية