إذا كانت توجد جهنم

حجم الخط
0

فقط في الايام الاخيرة وبعد اسبوعين ظهر فيهما أنه حلت النهاية على مخيم اليرموك، رأى سكانه ضوء صغيرا في نهاية النفق. مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية داعش الذين احتلوا معظمه، بدأوا بالخروج منه تدريجيا وأعطوا المفاتيح لحليفتهم القاعدة، رجال تنظيم جبهة النصرة. وخلال هذا الاسبوع سيتضح فيما اذا كان الامر يتعلق بعملية مهمة أو فقط انسحاب لضرورات العودة لرجال التنظيم المحتقر في العالم. حتى ذلك الحين سيواصل سكان مخيم اللاجئين عد موتاهم واظهار خوفهم على مصير المفقودين وخاصة النساء.
حسب معلومات وصلت إلى مبعوث السلطة الفلسطينية في دمشق، د. احمد مجدلاني، فقد قام مقاتلو داعش باختطاف عدد من نساء المخيم. جزء منهن، حسب قوله، متزوجات أُجبرن على الانفصال عن أزواجهن بطلاق مفاجيء، قبل أخذهن إلى مكان غير معروف في سوريا لكي يتزوجن بالقوة من مقاتلي التنظيم. على الأقل فقد قتل 20 في المعارك في الاسبوعين الماضيين منذ دخول داعش.

هدف استراتيجي

اليرموك هو مخيم اللاجئين الفلسطينيين الاكبر في سوريا. يقع على بعد نحو 7 كم إلى الجنوب الشرقي من دمشق، ويشكل سلطة محلية بحد ذاته. في 1 نيسان دخلت قوات داعش إلى المخيم وخلال ايام قليلة نجحوا في السيطرة على نصف مساحته. لقد واجهوا معارضة من جانب مليشيات المقاتلين في المخيم التي تقودها حماس.
«منذ اندلاع المعارك لم ننجح في تنفيذ أي عملية انسانية في المخيم»، قال متحدث وكالة الغوث في المخيم، سامي مشعشع، «نحن قلقون جدا، السكان يعانون من الجوع والفقر ونقص الاحتياجات الاساسية». لقد كشف أن 94 مواطنا نجحوا في الهرب إلى مدخل المخيم منهم 43 امرأة و20 طفل.
عشية الحرب، قبل اربع سنوات، كان يعيش في المخيم نحو 180 ألف نسمة. بعد حوالي نصف سنة من اندلاع المعارك تركت قيادة حماس دمشق بعد نزاع شديد بين بشار الاسد وخالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للحركة. مشعل هو من رعايا قطر، عدوة دمشق، التي مولت المتمردين ضده. منذ ذلك الحين هرب من المخيم 90 بالمئة من سكانه في عدة موجات من الهرب. اليوم يعيش فيه ليس أكثر من 18 ألف نسمة من بينهم 3500 طفل.
إن قرب مخيم اليرموك من دمشق حوله إلى هدف استراتيجي للطرفين. المتمردون الذين احتلوا مناطق سكانية في ضواحي دمشق وفي جنوبها لدى قدومك من الحدود الاردنية أرادوا السيطرة ايضا على المخيم وبهذا يوسعوا نطاق سيطرتهم حول العاصمة. منذ بداية الحرب ولمدة نحو سنتين كان المتمردون يتمتعون بأغلبية علمانية. كانوا منتظمين تحت قيادة منظمة عليا كبيرة وقوية، «جيش سوريا الحر». هذا التنظيم كان مدعوما من الغرب وحصل على معلومات استخبارية عن الجيش السوري، اضافة إلى مرافقة عملياتية من قبل اجهزة استخبارية وجيوش فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الذين سعوا من خلاله إلى اسقاط النظام. مبالغ كبيرة مصدرها السعودية وقطر وضعت الاساس للدعم الدولي الذي تلقاه المتمردون الذين في اغلبهم مواطنون سوريون.
في مقابلهم ألقى الاسد إلى المعركة كل من لديه وعلى رأسهم مقاتلو حزب الله، مستشارون من حراس الثورة الإيرانية، وفوق كل ذلك فقد ضخت موسكو له السلاح والذخيرة ومنعت بكل السبل هجوما عسكريا دوليا ضده.
ولكن قبل نحو سنتين، بالتدريج وببطء، نجحت منظمات الجهاد في هزيمة المتمردين العلمانيين، جيش سوريا الحر، وأخذ القيادة من أيديهم. بالنسبة للاسد والغرب وايضا اسرائيل فقد كان لسيطرة المتطرفين على المعركة بشرى سيئة وبشرى جيدة في نفس الوقت: كلهم أدركوا أخيرا أنه اذا سقط النظام فان من سيحل محله سيكون اسوأ منه.
الثمن الباهظ دفعه المواطنون المساكين في مناطق المواجهة. لقد وجدوا أنفسهم محصورين داخل معركة ليست لهم، تديرها دول عظمى وقوات قوية.

الحصن الأخير

لقد حل في مخيم اللاجئين الفلسطينيين اليرموك، هكذا يبدو، كل مظالم البشرية. سكان المخيم الذين هم في الأصل لاجئين شردوا من وطنهم في حرب الاستقلال وفي حرب الايام الستة، وجدوا أنفسهم يذبحون سنة بعد اخرى على أيدي أكثر من طرف. في البداية كان رجال جيش سوريا الحر الذين حاولوا احتلال المخيم وجلبوا عليهم جيش النظام. بعد ذلك وصل مقاتلو القاعدة بواسطة تنظيم جبهة النصرة، والآن مسلحو داعش.
جيش الاسد رأى في المخيم الحصن الاخير لدمشق الذي من المحظور سقوطه. التكتيك العسكري الذي اختاره الجيش السوري كان حصار طويل ومُحكم كما هي الحال في بؤر مواجهة اخرى في الدولة. هذا الحصار كان مصحوبا بهجمات مدفعية على اهداف داخل المخيم بدون الاهتمام بوجود سكان ابرياء داخله. بهذه الطريقة أراد الاسد خنق المتمردين الذين احتلوا المخيم واضعافهم. الثمن دفعه كما هو معروف السكان.
في المراحل الاولى للصراع هب للدفاع عن المخيم مقاتلو احمد جبريل، الزعيم الفلسطيني وقائد تنظيم «القيادة العامة»، وهناك في الازقة الضيقة واجه رجاله وجنود الجيش السوري مجموعة من مقاتلي حماس الذين وقفوا أمامهم ممتشقي السلاح. مع مرور الوقت انضم عشرات من رجال جبريل إلى صفوف المدافعين داخل المخيم، ولكن في الوقت الحالي سيجد الفلسطينيون أنفسهم يقاتلون اخوتهم على الارض السورية.
هذه كانت حرب قاسية من جانب النظام. الاسلوب كان بسيطا وتم تطبيقه في مناطق المواجهة منذ بداية الحرب. تشخيص خلية أو قوة متمردة أدى إلى قيام الجيش السوري بالقاء ضربة قوية من النيران على الهدف بدون الاهتمام بوجود سكان ابرياء. مقاتلو داعش الذين دخلوا إلى المخيم في نهاية الشهر الماضي لم يكونوا غرباء على سكانه، فقد زاروه قبل سنة ولكنهم صُدوا من قبل المدافعين عنه. الحصار الشديد الذي يفرضه النظام ووجود المليشيات المسلحة التي لا تلتزم بالاخلاق، خلقا داخل المخيم واحدة من الكوارث الانسانية الاعظم في السنوات الاخيرة. من لم يتمكن من الهرب اضطر إلى الاختباء لاشهر طويلة في بيته، في ظل واقع النقص في المياه والطعام. موظفو وكالة الغوث للاجئين اضطروا إلى الهرب حفاظا على حياتهم وبدأوا بحملة مساعدة من الخارج، التي كانت محدودة. الزوار الغرباء القليلين الذين نجحوا في دخول المخيم قبل أن يهربوا من هناك وثقوا صور صعبة لمواطنين جوعى يسيرون في الشوارع.
عشية عيد الاضحى قبل سنة ونصف نشر رجال دين سنة في دمشق فتوى تسمح للسكان المحاصرين أكل لحوم الكلاب والحمير والقطط. اكل لحوم هذه الحيوانات محرم حسب الشريعة الإسلامية، ولكن المفتين أباحوا ذلك لاسباب الحفاظ على النفس. هذا السماح يسري على كل ساكن يمكن أن يموت في ظروف حربية، ومثل هؤلاء كان كثيرون في سوريا. على سبيل المثال في قطاع السكان الموجود في غوطة دمشق، في المدينة القديمة في حمص وايضا في مخيم اليرموك.
رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن أرسل مبعوثه الخاص مجدلاني بتنسيق مع نظام الاسد. مجدلاني يشغل وزير العمل في حكومة أبو مازن وارتبط اسمه طوال سنوات باعمال انسانية وبعلاقة السلطة مع اللاجئين. استغرق يومين فقط كي يفهم انه لا يمكن انقاذ المخيم من الحصار ولكن يمكن انقاذ سكانه. جهود السلطة موجهة اليوم لاخلاء باقي السكان بالتنسيق مع النظام. هذه الجهود يمكن أن تتحقق اذا غادر مقاتلو داعش إلى حيث أتوا. حيث سيبقى داخل المخيم حلفاؤهم من القاعدة.
لقد ثبت مرة اخرى أنه في اوضاع ضائقة من هذا النوع فان أبو مازن هو الوحيد الذي يمسك بيديه الخيوط التي يمكنها عمل اختراق أيا كان، هكذا حدث خلال عملية «الجرف الصامد». الرئيس الفلسطيني كان العنصر الوحيد الذي لديه امكانية الوصول إلى كل الاطراف: القطريين والامريكيين والمصريين وقيادة حماس وحكومة اسرائيل. كل الآخرين كانوا مقيدين في سعيهم للحديث مع الآخرين ـ من بينهم حتى الوسطاء المصريون الذين علاقتهم مع قطر باردة جدا.

معاريف 13/4/2015

جاكي خوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية