كرة القدم… في الشمس والظل

حجم الخط
0

الكاتب الأوروغوياني إدواردو غاليانو الذي تعرّفت إليه أوائل التسعينات حين قرأت كتابه «شرايين أمركا اللاتينية المفتوحة»، أدهشني عام 1999 إذ قرأت تُحفته «كرة القدم في الشمس والظل».
أخذت عنوانه يومها من دار نشر «الطبعة الفرنسية» وكتبت له تعليقاً طويلاً حول الكتاب، ذاكراً له حدثَين أظنّهما استثنائيّين لم يُشر إليهما، في أثناء استعراضه للأحداث والطُرف الكروية التي انتقاها: الأول فوز الجزائر على ألمانيا الغربية في كأس العالم عام 1982 (بهدفين رائعين للأخضر بلومي ورباح ماجر) ثم تواطؤ ألمانيا مع النمسا في المباراة الأخيرة في المجموعة وإخراجهما الجزائر (ما دفع «الفيفا» لاحقاً إلى تعديل قانون المباريات في الدور الأول وفرض التوقيت نفسه للمباراة الثالثة والأخيرة التي يخوضها كل فريق منعاً للتلاعب). الحدث الثاني هو متابعة كأس العالم إياها في بيروت، خلال الاجتياح الإسرائيلي والحصار وقطع الكهرباء، حين كنّا نتحلّق عند الجيران حول جهاز تلفزة موصول إلى بطّارية سيّارة. وكان المضيف يشحن البطّارية يومياً واضعاً إياها في السيّارة مديراً محرّك الأخيرة ومقصراً تنقّلها على بضعة أمتار ذهاباً وإياباً خوفاً من التجوّل والقصف من ناحية، وتقليصاً لاستهلاك البنزين المقطوع والمخصص ما تبقّى من كمّياته لهذه المهمّة الجليلة من ناحية ثانية، ثم ذكرت له نتفاً من أخبار جمهور نادي النجمة، منها كيف أكّد لي «جاري» الذي لا أعرفه في إحدى المباريات وهو يعانقني بحرارة وكأننا أعزّ الأصدقاء «أن الله موجود» بعد أن صدّ حارس مرمانا ضربة جزاء، اعتبر الجار أن تأكيد وجود الله وقفٌ على مسارها. ومنها أيضاً كيف أخبرني «جارٌ» آخر في مباراة ثانية، وكان يملك مولّد كهرباء في حيّه يشترك فيه بعض السكان، أنه قطع الاشتراك عن منزل أحدهم وأعاد له بدل الاشتراك وقال إنه لن يقبل بمدّه بالكهرباء بعد اليوم ولو دفع كنوز الأرض، لأنه كان حكم الراية في إحدى مباريات النجمة و»زوّر» حالات تسلّل ضد المهاجمين حرمتنا من أهداف. وإذ ترجّاه الحكم المذكور، مشيراً إلى أبنائه وحاجتهم للدرس على ضوء مقبول، ردّ الجار النجماوي أن أولاده لا يدرسون من قهرهم ودموعهم على الأهداف الملغاة لفريقهم بسبب رايته!
المهمّ أن غاليانو أجابني بعد أشهر وقال ممازحاً إنه يدعوني للتشارك في كتابة جزء ثان للكتاب. احتفظت برسالته لسنوات، وقرأت كتابه مرّات وضحكت كلّ مرة من وصفه لمواقف يستطيع تخيّلها جيّداً من قضى «عُمراً» في المدرّجات والملاعب وأمام الشاشات؛ ثم أضعت الرسالة عند تبديل الكمبيوتر، وأظنّها ما زالت على قرص «ديسكت» بين مئات الأقراص القديمة وغير الصالحة التي لا أعرف فعلياً ماذا سأفعل بها يوماً…
الرحمة والسلام لك، إدواردو غاليانو، الذي رحل البارحة عن 74 عاماً (قضى عقداً كاملاً منها في السجن ثم المنفى أبان الحكم الديكتاتوري في مونتيفيديو)…

«عن صفحة الكاتب على موقع فيسبوك»

اكاديمي لبناني

زياد ماجد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية