قاسم البياتلي يتجاوز المنظور الأحادي في فهم وممارسة الإخراج المسرحي

في كتابه «إخراج العرض المسرحي بين النظرية والتطبيق» الذي صدر عن الهيئة العربية للمسرح عام 2023 يؤكد البياتلي على أن هذا الإصدار جاء بمثابة أداة محفزة لدراسة واستيعاب مفردات وعناصر الإخراج المسرحي، التي تشكلت عبر تجارب متعددة في ثقافة المجتمعات الغربية، وفي مراحل تحولاتها التاريخية، على الأقل منذ ظهور مفهوم المسرح الأكاديمي والمحترف في عصر النهضة الإيطالية وظهور المخرج كما نعرفه اليوم. ويضيف البياتلي أن دراسته في هذا الكتاب، استندت إلى كتابات تعكس جوانب من التجربة الإخراجية لبعض المنسقين والمنظمين للعرض المسرحي الأكاديمي، وأهم المنظرين في المسرح في عصر النهضة، وبعض الوثائق والكتب التي تعكس تجارب المعلمين المخرجين، ما بين القرن التاسع عشر والعشرين، إضافة إلى مقترحاتهم وإجراءاتهم التقنية التي انعكست في طرائق الإخراج المسرحي.

الإخراج تجربة جماعية

يرى البياتلي أن المنحى العام لمفهوم الإخراج، يعني إدارة وتنسيق كل العناصر التي يتطلبها تحقيق العرض، ابتداء من النص والأداء والسينوغرافيا والأزياء والإضاءة والماكياج والموسيقى التصويرية، إلخ. كما يشير إلى أن الفكرة السائدة التقليدية تشترط أن يتم التعامل مع كل هذه العناصر من وجهة نظر المخرج فقط، بينما عملية الإخراج أمست تجربة جماعية يتم فيها البحث معا لاكتشاف الطرق الممكنة والمحتملة لتحقيق الهدف الجماعي الذي يتجسد وينمو في حياة العرض، بمعنى أن إخراج العرض المسرحي ما هو إلاّ عمل فردي وجماعي في آن، يتشكل من تفاعل رؤى متعددة، وإنّ حصر العرض في وجهة نظر واحدة يؤدي إلى فقره الإبداعي. ويضيف البياتلي، على المخرج أن يمتلك بوصلة إبحاره في عملية الإخراج، مستندا إلى بعض المنطلقات والتقنيات الضرورية التي يمتلكها من خلال التجربة أو الحدس أو الدراسة، للكشف عن الممكنات في أفق عملية الإخراج الإبداعية. وتأكيدا لوجهة نظره يستعين البياتلي بما ورد في دراسة للمخرج المسرحي البريطاني جون تفياني حول العرض المسرحي، إذ يقول: «عندما نفكر بالعرض المسرحي اليوم، نصبو نحو رؤيته كتكوين أتى من نظرة موحدة، انصهرت فيه كل العناصر لتكون وحدةً واحدة في عمل عضوي واحد، أي نفكر بالعرض كمنتوج، يمكن أن نفصل ما بين مختلف مسانده ومكوناته من خلال التحليل، لكن دون اعتبار كل مكون على انفراد، كنتاجات فنية مستقلة. وهذه هي فكرة الإخراج التي تشكلت من مفاهيم وممارسات تجسدت في الثقافة المسرحية بعد تجارب المخرجين المجددين في القرن العشرين».
يرى البياتلي أن تفياني قد شخّص في بحثه نوعين من الإخراج للعرض المسرحي: الأول يستند إلى فكرة وحدة العرض كتلاقٍ وربطٍ ظرفي ((conjuncture يقوم المنسق (coordinator) بتجهيز وتحضير كل متطلبات العرض، قبل ظهور شخصية المخرج كما نعرفها اليوم. والنوع الثاني هو إخراج العرض كوحدة انصهار بعد تجربة المخرجين المجددين في أوروبا.

مفهوم العرض

يتوقف البياتلي عند فكرة مفهوم العرض rappresentation الذي يعمل على تجسيد النص الأدبي بشكل تفسيري أو نقدي بارز، وفق منظور المخرج المسؤول عن الأمور الجمالية، ويرى أنها فكرة حديثة، وهي نتاج لثقافة محددة تشكلت نواتها بعد عصر النهضة الإيطالية، في بيئة الفرق المسرحية الأكاديمية والمحترفة في أوروبا، وعبر تحولات ذوق الجمهور المثقف في المجتمع البورجوازي. ثم يطرح سؤالا مهما: كيف يمكن أن نستوعب عروض الفترة الكلاسيكية الإغريقية، التي ارتبطت بشكل عضوي بالمراسيم والاحتفالات الدينية والمدنية، إلى جانب العروض التي كانت تقدم في حفلات قصور الأمراء في فترة عصر النهضة، أو عروض كوميديا ديللارته للمسرح المحترف في إيطاليا، التي كانت تقدم في غرف يشاهدها المتفرج لقاء دفع ثمن التذاكر، أو عروض كلوب ثيتر التي كان يضطلع فيها الشاعر شكسبير بدور الكاتب والممثل والمنسق لعمل فرقة من الممثلين الصبايا من الهواة، أو أنصاف المحترفين ومن الرجال فقط؟

العلاقة بين النص والعرض

وفي إطار تقصيه عن العلاقة القائمة بين النص الأدبي والعرض يرى البياتلي أن استمرار التفكير بالمسرح انطلاقا من النصوص الدرامية الإغريقية ولحد اليوم، هو الذي جعل التفكير بالمسرح وكأنه يلد بشكل افتراضي من بطن النص الأدبي، ومن ثم يضاف إليه العرض الذي لا يدوم على مرّ الزمان، وهو الذي وضع في الظل كل العلاقات الاجتماعية والثقافية والإجراءات الفنية، التي تسبق وتتبع العرض وتندرج فيه، فالعرض حسب قراءته عبارة عن حدث استثنائي وليس عملا ثابتا يدوم، هو ثمرة علاقات عمل جماعية مفتوحة، تصب في خلق الفعل المسرحي، وهو ما يجعل من المسرح مسرحا. فالعرض وفق هذه الرؤية عبارة عن حدث يقع، وليس شيئا منغلقا في ذاته وثابتا في تصنيفه، مثل النصوص الملحمية، أو التراجيدية، أو الدرامية أو مثل اللوحة أو الفيلم، وبناء على ذلك لا يمكن استيعابه دون ربطه بصيرورة تحضيره وعلاقته بالأبعاد الأنثروبولوجية الثقافية والاجتماعية. وفي هذه التفصيلة يشير البياتلي إلى أن التضارب يظهر هنا، في بث معطيات المسرح عبر التاريخ من خلال التركيز على النص الأدبي، الذي يضطلع بمهمة تزويد الأدوات الافتراضية لغرض إنتاج العروض المستقبلية، كما تزعم الدراسات النقدية التقليدية في المسرح الأوروبي.

الإخراج في السياق التاريخي

يلقي البياتلي نظرة على مفهوم الإخراج من الناحية التاريخية، ليخلص إلى أن تاريخ المسرح الأوروبي، خضع لتحولات بارزة بعد ظهور شخصية المخرج ومركزية رؤيته في تجسيد النص الدرامي، وتحقيق العرض كوحدة منصهرة لمجمل العناصر الفنية المساهمة فيه. وقد تشكل ذلك في واقع تغيرات المعطيات الثقافية والاجتماعية والعلمية، وبدا ذلك واضحا في بيئة فرق مسرحية مثل فرقة الدوق جورج ساكس في ألمانيا، وفرقة مسرح الكوميديا فرانسيس وفرقة مسرح الحر في باريس، وفرقة فن المسرح في موسكو. وقد تزامن هذا التحول في الفهم مع فترة التطور الصناعي، وظهور الفلسفة الوضعية والتصوير الفوتوغرافي وفن السينما وظهور المدرسة الطبيعية في المسرح، وتغيرات ذوق الجمهور المسرحي. وهكذا ظهر مسرح المخرجين المجددين في الإخراج، بمختلف توجهاتهم في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
وضمن سياق بحثه التاريخي عن مفهوم الإخراج يطرح البياتلي سؤالا: ما هي المبادئ التي تمخضت عن التجارب المسرحية وأصبحت من المعطيات الأولية في ممارسة فن الإخراج؟ ثم يجيب على سؤاله من خلال تفحصه لمسيرة تاريخ المسرح الأوروبي، حيث يظهر له أن هناك بعض الإجراءات التقنية الأساسية التي تشكلت وتكررت في التعامل مع العناصر اللازمة، التي تدخل في طرائق تنظيم العرض المسرحي: مثل اختيار النص، وكيفية توزيع الأدوار، وعمل البروفات، وإجراءات تطبيقية في الميزانسين، والتخطيط السينوغرافي، وتصميم الأزياء، وتوظيف الإكسسوارت، والتعامل مع جغرافية خشبة المسرح، والفضاء المعماري، التي انتقلت من جيل إلى جيل وتركت أثرها في طرائق إخراج العرض في بيئة المسرح الأكاديمي والمؤسساتي التقليدي في المسرح الأوروبي، وبقيت سارية المفعول في جانب منها لحد ظهور شخصية المخرج. ومن هنا يرى ضرورة دراسة الأسس الأولية التي تكررت في عملية الإخراج، عبر المراحل المختلفة، دون أن يتم حصر ذلك في معطيات طريقة مسرحية واحدة فقط، ولا مخرج واحد فقط، ولا في حدود بلد أوروبي واحد فقط، ولا من حيث النظرية ولا من حيث التطبيق.

بحث من وجهة نظر مخرج

يقول البياتي إن دراسته في هذا الكتاب لا يعدها بحثا لمؤرخ مسرحي، بل هي بحث لمخرج مسرحي، قصد من خلاله أن يجعل من الدراسات التاريخية الحديثة مرجعية لتناول وتحليل إشكاليات العرض المسرحي، وتناول الأسس التي تشكلت في عملية الإخراج دون حصرها في حدود منظور مخرج واحد، أو بحث أكاديمي واحد فقط، لتجنب الوقوع في قسرية فرض رؤية، أو تجربة واحدة أحادية الجانب، مثلما يظهر على سبيل المثال، في كتاب المخرج الأمريكي الكسندر دين الموسوم (أسس الإخراج المسرحي) الصادر في القاهرة عام 1975، الذي أصبح أحد المصادر الأساسية في تدريس فن الإخراج في الأكاديميات والمعاهد المسرحية العربية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وفق رؤية المخرج الكسندر دين حول الإخراج وشخصية وعمل المخرج، ومن منظور صناعة العرض في أمريكا خلال خمسينيات القرن الماضي، من غير أن يعطي أهمية لكل ما حدث في أوروبا من تحولات شهدها مسرح المخرجين في القرن العشرين، عبر تجارب أبيا، وغوردن كريغ، وستانسلافسكي، وجاك كوبو، ومايرخولد، وفاختانكوف، وتايروف، مع أن هذه الأسماء أعطت ثمارها في تشكيل بعض أسس الإخراج في النظرية والتطبيق، وما زالت سارية المفعول في جانب منها لحد يومنا هذا. وعلى ذلك يبدي البياتلي استغرابه فيقول: هل من المعقول أن يتم تدريس طلبة قسم الإخراج المسرحي، في القرن الواحد والعشرين، مثل هذه الأفكار الأحادية الجانب، في رؤية وتطبيقات فن الإخراج المسرحي؟

محاور الكِتاب

كتاب البياتلي يشتمل على أربعة محاور أساسية: المحور الأول يتناول تشكُّل المعطيات الأولية لإخراج العرض المسرحي، ما قبل ظهور شخصية المخرج، فيذهب نحو تشخيص وتحليل الجوانب الفكرية والثقافية والإجراءات التطبيقية في تنسيق وتقديم العرض في الفترة الكلاسيكية عند الإغريق. وفي مبحث آخر يتناول ما حدث من تحولات في الثقافة والمجتمع المدني في عصر النهضة، وفي منظور المسرح الأكاديمي والاحترافي.
المحور الثاني يتناول الإخراج في المسرح التقليدي الأوروبي، والمبادئ والأسس التي يستند إليها، بعد ظهور شخصية المخرج بين القرن التاسع عشر والعشرين، كما نعرفه اليوم، والتي تشكل مرجعية نظرية وتطبيقية في فهم مبادئ ومعطيات الإخراج العامة.
المحور الثالث يتناول ما يسمى ما بعد الإخراج التقليدي، والتحولات التي حدثت في طرق الإخراج التي ظهرت في تجارب عديدة في النصف الثاني من القرن العشرين في أمريكا وأوروبا، مثل تجربة مسرح الليفنغ ثيتر، والمخرج ششنر، وغرتوفسكي، وتيادوس كانتور، وإيجينيو باربا، وآخرين.
أما المحور الرابع والأخير، فيتناول إشكاليات دخول دور التكنولوجيا والثقافة التكنولوجية كمرجعية أساسية في تكوين البرفورمانس، أو ما يسمى بتجارب مسرح الديجتال في المجتمع المعاصر.
يؤكد البياتلي، أن البحث المطروح في كتابه هذا يأتي كمقترح لدراسة معطيات فن الإخراج المسرحي على المستوى النظري والتطبيقي، بطرقه المتعددة وتوجهاته المختلفة، من أجل تجاوز المنظور الأحادي الجانب (الأيديولوجي) في فهم وممارسة الإخراج، باعتباره فنا مستقلا، له أوجه متعددة، ولكونه في حالة تحولات مستمرة في تكوين وإخراج العرض.

‏كتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية