بيروت ـ «القدس العربي»: تمّ تمديد عروض مسرحية «فينوس» التي تقدّم على خشبة مسرح «مونو» إلى الثامن عشر من هذا الشهر، والعرض على الرغم من ارتفاع أسعار بطاقاته (25- 40 دولارا) لم يزل يحصد جمهوراً واسعاً تمتلئ به الصالة كل ليلة، حتى أنّه يتطلّب حجزاً مُسبقاً بثلاثة أيام على الأقل.
بالنسبة للبعض أحال الاسم على الفور إلى عمل المخرج العالمي المتميّز رومان بولانسكي، المعنون «فينوس في الفرو» قبل عامين، وللغالبيّة كانت الصورة الدعائية – البروشور للعرض كفيلة بجذب الجماهير، «كما تقول بطلة العرض ساخرة في إحدى جملها على الخشبة»، حتى أنّ الصورة نالت من التغطيّة الإعلاميّة ما يكاد يوازي تغطية العمل نفسه.
الحكاية والحبكة والقراءة:
نشرَ الكاتب النمساوي ليوبولد فون زاخر مازوخ 1836-1895، مجموعته القصصيّة «وصيّة كاين» عام 1870، التي تضمّنت قصّة عنوانها «فينوس في الفرو»، القصّة التي بقيت خالدة حين غطّى الغبار باقي أعمال هذا الأديب، والقصّة التي خلّدت اسمه في فضاء العلوم النفسانيّة أكثر من عالم الأدب، فمن هذا العمل، ومن اسم مؤلّفه نُحِتَ مُصطلح «المازوخيّة»، الذي مُسِخَ بحكم رقابة الثالوث المُحرّم (الجنس- الدين- السياسة) في عالمنا العربي إلى ربط الألم باللّذة الجنسية، في حين أنّ الدراسات في العالم الغربي واللغات الأجنبيّة كانت دوماً أوسع، وأعمق، وأكثر قرباً من الجوهر، التي ميّزت بين هذا المفهوم (حاجة أحد الأطراف في العلاقة الإنسانيّة إلى الألم) وبين «الساديّة» (حاجة أحد الأطراف في العلاقة الإنسانيّة إلى إيقاع الألم بالطرف الآخر)، والأهم أنّ هذه الدراسات نقلت المفهوم من حيّز السرير الضيّق إلى حيّز الوجود الأعم، ومن مستوى العلاقة الجنسيّة المُحدّد بزمانٍ ومكانٍ إلى مستوى الممارسة اليوميّة بكون هذه الصفة صفة وجود في الشخص.
انسحب هذا النقص المعرفي في ثقافتنا العربيّة لينسكبَ بالضرورة على عرض المخرج اللبناني المتألق جاك مارون، الذي اشتغل على نص مسرحي كتبه الكاتب الأمريكي ديفيد آيفز عام 2010 عن نصّ «ليوبولد مازوخ»، واشتغل كل من لينا خوري وغابرييل يميّن على دراماتورجيا نص آيفز لتحويله ومواءمته مع الخشبة اللبنانية. من دون أن يتضمّن بروشور العرض أي حديث عن تعقيدات خلفيّة العرض الفكريّة، الأمر الذي أبقى تلقي العمل منقوصاً بكل أسف، وحدّ من فعاليّة العرض في دبّ الروح والنقاش في الساحة الثقافيّة اللبنانية، فوجدناها فعاليّة مقيّدة بطوق الجلد والمعدن، الذي ترتديه الممثلة اللبنانية الشابة في ثالث أداء مسرحي لها ريتا حايك، حيث أنّ كثيرا من الردود على العرض لم تتجاوز سؤال الإغراء وشهوّة البَصَرْ.
فالمازوخي لا يُسلّم جسده فقط، ولا يُقايض روحه كما يفعل الدكتور فاوست في مسرحية «غوته» الشهيرة، هو يُسلّم ذاته بكل جوانبها، يُمنع عليه الاعتراض الذي ينتج أي تفكير أو مُساءلة عقلانية، يُمنع عليه التساؤل والاقتراح، إذ عليه أن يكون مادة صماء تتلقى الفعل من دون ردّ فعل أيا كان، لفظيّاً أو مادياً. وما بين مخرج يُسيطر على خشبته وممثليه ونصّه وبين مُغوٍ يحاول إقناع سيدته بأن تحوّله إلى تلك المادة الصماء، يتنقل الممثل بديع أبو شقرا وينسحب من السيطرة إلى الغياب مع امتداد سيطرة الآخر أمامه، وربما هو صوته الذي خانه فقط، الصوت الذي بقيّ قوياً حتى في لحظات ضعف صاحبه الأعمق، وفي همس أسراره.
اللعبة المسرحيّة:
تدخل فاندا (ريتا حايك) إلى خشبة المسرح شبه الخاوي، قادمة من تحت عاصفة مطرية متأخرة على موعد تجارب الأداء لمسرحية «فينوس» التي يَفترض العالم المسرحي لنص آيفز أنّ الكاتب (يؤدي دوره هنا الممثل بديع أبو شقرا) قدّ أعدّ مسرحيته عن قصّة «مردوخ» معنونة مشروعه الجديد باسم القصة «فينوس في الفرو» ذاتها. مرهقاً من يوم طويل قضاه في تجارب الأداء مع ممثلات ضاعت تأثيرات وجوههنّ تحت طبقات من «البوتوكس»، غير محترفات لأنّ الجيدات منهنّ سرقهنّ عالم التلفزيون وأضواء الشاشة الكبيرة، يجد مخرج المسرحية بديع أبو شقرا نفسه أمام هذه الفتاة السوقيّة، بمكياجها، بوقاحة عريّها وتعريّها، بعلكتها تمضغها وتصدر أصواتاً، بشعرها المتطاير الأطراف، وصوتها الغليظ لا يتلفظ سوى المفردات الفجّة التي ترفض طبقة المثقفين حتى الإشارة إليها، تلحّ عليه ليعطيها فرصة تجربة أداء دور البطولة في مسرحيته.
تلمع السماء ببرقٍ جديد يعكس أثراً خفيّاً على الخشبة الباردة، تستغل الممثلة انشغال المخرج/ الكاتب باتصالٍ هاتفي لترتدي ثوباً قديماً فوق ملابس الإغراء الجلديّة القصيرة التي عليها، يثير اهتمام المخرج الثوب، يهبها الفرصة. بصوتها، بعقصة شعرها، باستقامة ظهرها، تنقلنا «فاندا» إلى نص «مازوخ».
عرض من العيار الثقيل، أثار ضحك جمهور الصالة، النساء أكثر من الرجال بحكم أنّ «فاندا» لا تتوقف عن مهاجمة الفكر الذكوري متمثلاً بنص وشخص بديع أبو شقرا، وهي تتنقل بين الدورين. دور الممثلة التي تخضع لتجربة أداء، ودور شخصيّة فاندا. ورويداً رويداً تسيطر «فاندا» على أبو شقرا، على الخشبة، وعلى الجمهور والعرض بكافة مستوياته فنحن هنا أمام لعبة مسرحيّة من ثلاثة مستويات. (مسرح داخل مسرح).
المسرح الأوّل هو عرض جاك مارون، المسرح الثاني هو مسرحية آيفز المُعدّة للخشبة اللبنانيّة، والمسرح الثالث هو تجربة الأداء التي تتحوّل من مُتخّيل مسرحي/ لُعبي إلى واقع يأسر بديع أبو شقرا إلى عمود الصالة. المشهد الختامي المُثير للجدّل. فبعد أن كانت «فاندا» طوال الوقت تلك الفتاة التي يُقنعها الكاتب المثقف بأن تكون سيدته، وتسمح له بأن يكون عبدها الذي تعذّبه وتذّله وتعنّفه كسبيلٍ له للحب، هو الذي اكتشف على يدي عمته الكونتيسة الباردة، القاسية، المُتدثّرة بالفرو، ارتباط اللذّة بالألم، نجد أنّ «فاندا» تقلب الطاولة- مجازاً- وكأنّها تكشف للآخر أمامها (الكاتب المُتخيّل من قبل مازوخ وآيفز، والمخرج في تجربة الأداء) حقيقته، وتهبه ما يسعى إليه حقيقة عبر رحلة الآلام المُشتهاة، بأن يكون هو «فاندا»، هو تلك العمة القاسية التي تضرب بالسوط.
السيدة التي ترتدي الفرو هنا هي السلطة التي يحتاج الطفل الصغير لتحطيمها، لتجاوزها، ليكون هو. لكنه- بحسب آيفز- أضعف من المواجهة المباشرة، فيختار الإغراق في لعبتها، لعبة الألم والمتعة، لينتحل شخصيتها ويتماهى معها، ويضع الطوق على رقبته هو، في حين ينتهي الأمر ببطل «مازوخ» للهرب من كلّ هذا.
هل كانت الممثلة التي دخلت إلى تجربة الأداء حقيقة أم وهما أنتجه إرهاق كاتب مهووسٍ بعمله وليلة باردة لوّنتها تقاطيع البرق؟ هل هي حلم في مونولوجٍ داخليّ طويل سُمِحَ لنا أن ندخل في لعبة مسرحيّة ونراه مُتجسّداً؟! هل هو عرضٌ ينتصر للمرأة كما اختتم مارون ثالث أعماله المسرحية في لبنان، وكما فعل من قبله آيفز في عرض من أنجح عروض برودواي؟ خاصة أنّ نص آيفز مُثقل بالرموز التاريخيّة من «فينوس» و»أفروديت» و»عشتروت» و»باخوسيات» يوروبيدس وحوارات تناقش علاقة الرجل بالمرأة ومقولة غوتة: «في العلاقة العاطفية كما في السياسة هناك من يكون السندان وهناك من يكون المطرقة».
«فينوس»:
هو أحد أجرأ العروض على الخشبة البيروتية بلا مُنازع، وجرأته لا تتأتى كما يتوهم الكثيرون من وقوف ريتا حايك بملابس الإغراء وبوستر تتموضع فيه شبه عارية. لكنه الأجرأ لجودته قبل كلّ شيء، لمغامرة القائمين عليه اباختيار النص المُعقد أوّلاً وقبل كلّ شيء، لمغامرتهم بتقديم نصّ يُناقش في متنّه هل نص (مازوخ) أيروتيكي أم قصة حب؟
عرضٌ يلعبُ على الحافة، بضع كلمات سوقيّة هناك وهناك ربما كانت زائدة، خاصة في الدقائق العشر الأوّلى من العرض، الذي أضحك الجمهور، وغادر الصالة مُستمتعاً وساخراً أكثر منه مُفكراً للأسف، مُكتفياً بالقراءة الأولى، وبإشارة المُعدّين- الساخرة- إلى أنّ شخصيّة المخرج المؤداة في العرض ربما لا ترغب بأنّ تُستعبد من قبل «فاندا» فقط، بل ربما لديها ميول تجاه الرجل الإغريقي الذي ترغب به «فاندا» لإذلال عبدها أكثر.
عرض كما نص دافيد آيفز ينتصر للمرأة على القضية النفسانيّة من دون أن يهملها أو يتجاوزها، والمسرح هنا لا يغدو مُجرّد لعبٍ ومشاهدة، بل سبيلاً إلى معالجة مختلفة حيث ينقل آيفز عمل «مازوخ» إلى مستوى آخر، ويُختتم العرض بصرخة المرأة على الخشبة «لتحيا أفروديت»!
يارا بدر