«فينوس» تفتتح الموسم المسرحي البيروتي: مغامرة باختيار نص معقد… وحرفيّة تنجح في تقديم عرض جيد

حجم الخط
0

بيروت‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭: ‬تمّ‭ ‬تمديد‭ ‬عروض‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬فينوس‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تقدّم‭ ‬على‭ ‬خشبة‭ ‬مسرح‭ ‬‮«‬مونو‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الشهر،‭ ‬والعرض‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬بطاقاته‭ (‬25-‭ ‬40‭ ‬دولارا‭) ‬لم‭ ‬يزل‭ ‬يحصد‭ ‬جمهوراً‭ ‬واسعاً‭ ‬تمتلئ‭ ‬به‭ ‬الصالة‭ ‬كل‭ ‬ليلة،‭ ‬حتى‭ ‬أنّه‭ ‬يتطلّب‭ ‬حجزاً‭ ‬مُسبقاً‭ ‬بثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬

بالنسبة‭ ‬للبعض‭ ‬أحال‭ ‬الاسم‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬المخرج‭ ‬العالمي‭ ‬المتميّز‭ ‬رومان‭ ‬بولانسكي،‭ ‬المعنون‭ ‬‮«‬فينوس‭ ‬في‭ ‬الفرو‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬عامين،‭ ‬وللغالبيّة‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬الدعائية‭ – ‬البروشور‭ ‬للعرض‭ ‬كفيلة‭ ‬بجذب‭ ‬الجماهير،‭ ‬‮«‬كما‭ ‬تقول‭ ‬بطلة‭ ‬العرض‭ ‬ساخرة‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬جملها‭ ‬على‭ ‬الخشبة‮»‬،‭ ‬حتى‭ ‬أنّ‭ ‬الصورة‭ ‬نالت‭ ‬من‭ ‬التغطيّة‭ ‬الإعلاميّة‭ ‬ما‭ ‬يكاد‭ ‬يوازي‭ ‬تغطية‭ ‬العمل‭ ‬نفسه‭.‬

الحكاية‭ ‬والحبكة‭ ‬والقراءة‭:‬

نشرَ‭ ‬الكاتب‭ ‬النمساوي‭ ‬ليوبولد‭ ‬فون‭ ‬زاخر‭ ‬مازوخ‭ ‬1836‭-‬1895،‭ ‬مجموعته‭ ‬القصصيّة‭ ‬‮«‬وصيّة‭ ‬كاين‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1870،‭ ‬التي‭ ‬تضمّنت‭ ‬قصّة‭ ‬عنوانها‭ ‬‮«‬فينوس‭ ‬في‭ ‬الفرو‮»‬،‭ ‬القصّة‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬خالدة‭ ‬حين‭ ‬غطّى‭ ‬الغبار‭ ‬باقي‭ ‬أعمال‭ ‬هذا‭ ‬الأديب،‭ ‬والقصّة‭ ‬التي‭ ‬خلّدت‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬العلوم‭ ‬النفسانيّة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الأدب،‭ ‬فمن‭ ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬ومن‭ ‬اسم‭ ‬مؤلّفه‭ ‬نُحِتَ‭ ‬مُصطلح‭ ‬‮«‬المازوخيّة‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬مُسِخَ‭ ‬بحكم‭ ‬رقابة‭ ‬الثالوث‭ ‬المُحرّم‭ (‬الجنس‭- ‬الدين‭- ‬السياسة‭) ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬الألم‭ ‬باللّذة‭ ‬الجنسية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنّ‭ ‬الدراسات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬واللغات‭ ‬الأجنبيّة‭ ‬كانت‭ ‬دوماً‭ ‬أوسع،‭ ‬وأعمق،‭ ‬وأكثر‭ ‬قرباً‭ ‬من‭ ‬الجوهر،‭ ‬التي‭ ‬ميّزت‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ (‬حاجة‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬إلى‭ ‬الألم‭) ‬وبين‭ ‬‮«‬الساديّة‮»‬‭ (‬حاجة‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬إلى‭ ‬إيقاع‭ ‬الألم‭ ‬بالطرف‭ ‬الآخر‭)‬،‭ ‬والأهم‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬نقلت‭ ‬المفهوم‭ ‬من‭ ‬حيّز‭ ‬السرير‭ ‬الضيّق‭ ‬إلى‭ ‬حيّز‭ ‬الوجود‭ ‬الأعم،‭ ‬ومن‭ ‬مستوى‭ ‬العلاقة‭ ‬الجنسيّة‭ ‬المُحدّد‭ ‬بزمانٍ‭ ‬ومكانٍ‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الممارسة‭ ‬اليوميّة‭ ‬بكون‭ ‬هذه‭ ‬الصفة‭ ‬صفة‭ ‬وجود‭ ‬في‭ ‬الشخص‭. ‬

انسحب‭ ‬هذا‭ ‬النقص‭ ‬المعرفي‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربيّة‭ ‬لينسكبَ‭ ‬بالضرورة‭ ‬على‭ ‬عرض‭ ‬المخرج‭ ‬اللبناني‭ ‬المتألق‭ ‬جاك‭ ‬مارون،‭ ‬الذي‭ ‬اشتغل‭ ‬على‭ ‬نص‭ ‬مسرحي‭ ‬كتبه‭ ‬الكاتب‭ ‬الأمريكي‭ ‬ديفيد‭ ‬آيفز‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬عن‭ ‬نصّ‭ ‬‮«‬ليوبولد‭ ‬مازوخ‮»‬،‭ ‬واشتغل‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬لينا‭ ‬خوري‭ ‬وغابرييل‭ ‬يميّن‭ ‬على‭ ‬دراماتورجيا‭ ‬نص‭ ‬آيفز‭ ‬لتحويله‭ ‬ومواءمته‭ ‬مع‭ ‬الخشبة‭ ‬اللبنانية‭. ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتضمّن‭ ‬بروشور‭ ‬العرض‭ ‬أي‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬تعقيدات‭ ‬خلفيّة‭ ‬العرض‭ ‬الفكريّة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أبقى‭ ‬تلقي‭ ‬العمل‭ ‬منقوصاً‭ ‬بكل‭ ‬أسف،‭ ‬وحدّ‭ ‬من‭ ‬فعاليّة‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬دبّ‭ ‬الروح‭ ‬والنقاش‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الثقافيّة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬فوجدناها‭ ‬فعاليّة‭ ‬مقيّدة‭ ‬بطوق‭ ‬الجلد‭ ‬والمعدن،‭ ‬الذي‭ ‬ترتديه‭ ‬الممثلة‭ ‬اللبنانية‭ ‬الشابة‭ ‬في‭ ‬ثالث‭ ‬أداء‭ ‬مسرحي‭ ‬لها‭ ‬ريتا‭ ‬حايك،‭ ‬حيث‭ ‬أنّ‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الردود‭ ‬على‭ ‬العرض‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬سؤال‭ ‬الإغراء‭ ‬وشهوّة‭ ‬البَصَرْ‭.‬

فالمازوخي‭ ‬لا‭ ‬يُسلّم‭ ‬جسده‭ ‬فقط،‭ ‬ولا‭ ‬يُقايض‭ ‬روحه‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬الدكتور‭ ‬فاوست‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬غوته‮»‬‭ ‬الشهيرة،‭ ‬هو‭ ‬يُسلّم‭ ‬ذاته‭ ‬بكل‭ ‬جوانبها،‭ ‬يُمنع‭ ‬عليه‭ ‬الاعتراض‭ ‬الذي‭ ‬ينتج‭ ‬أي‭ ‬تفكير‭ ‬أو‭ ‬مُساءلة‭ ‬عقلانية،‭ ‬يُمنع‭ ‬عليه‭ ‬التساؤل‭ ‬والاقتراح،‭ ‬إذ‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مادة‭ ‬صماء‭ ‬تتلقى‭ ‬الفعل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ردّ‭ ‬فعل‭ ‬أيا‭ ‬كان،‭ ‬لفظيّاً‭ ‬أو‭ ‬مادياً‭. ‬وما‭ ‬بين‭ ‬مخرج‭ ‬يُسيطر‭ ‬على‭ ‬خشبته‭ ‬وممثليه‭ ‬ونصّه‭ ‬وبين‭ ‬مُغوٍ‭ ‬يحاول‭ ‬إقناع‭ ‬سيدته‭ ‬بأن‭ ‬تحوّله‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬المادة‭ ‬الصماء،‭ ‬يتنقل‭ ‬الممثل‭ ‬بديع‭ ‬أبو‭ ‬شقرا‭ ‬وينسحب‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬إلى‭ ‬الغياب‭ ‬مع‭ ‬امتداد‭ ‬سيطرة‭ ‬الآخر‭ ‬أمامه،‭ ‬وربما‭ ‬هو‭ ‬صوته‭ ‬الذي‭ ‬خانه‭ ‬فقط،‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬بقيّ‭ ‬قوياً‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬ضعف‭ ‬صاحبه‭ ‬الأعمق،‭ ‬وفي‭ ‬همس‭ ‬أسراره‭.‬

اللعبة‭ ‬المسرحيّة‭:‬

تدخل‭ ‬فاندا‭ (‬ريتا‭ ‬حايك‭) ‬إلى‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬شبه‭ ‬الخاوي،‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬عاصفة‭ ‬مطرية‭ ‬متأخرة‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬تجارب‭ ‬الأداء‭ ‬لمسرحية‭ ‬‮«‬فينوس‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يَفترض‭ ‬العالم‭ ‬المسرحي‭ ‬لنص‭ ‬آيفز‭ ‬أنّ‭ ‬الكاتب‭ (‬يؤدي‭ ‬دوره‭ ‬هنا‭ ‬الممثل‭ ‬بديع‭ ‬أبو‭ ‬شقرا‭) ‬قدّ‭ ‬أعدّ‭ ‬مسرحيته‭ ‬عن‭ ‬قصّة‭ ‬‮«‬مردوخ‮»‬‭ ‬معنونة‭ ‬مشروعه‭ ‬الجديد‭ ‬باسم‭ ‬القصة‭ ‬‮«‬فينوس‭ ‬في‭ ‬الفرو‮»‬‭ ‬ذاتها‭. ‬مرهقاً‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬طويل‭ ‬قضاه‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬الأداء‭ ‬مع‭ ‬ممثلات‭ ‬ضاعت‭ ‬تأثيرات‭ ‬وجوههنّ‭ ‬تحت‭ ‬طبقات‭ ‬من‭ ‬‮«‬البوتوكس‮»‬،‭ ‬غير‭ ‬محترفات‭ ‬لأنّ‭ ‬الجيدات‭ ‬منهنّ‭ ‬سرقهنّ‭ ‬عالم‭ ‬التلفزيون‭ ‬وأضواء‭ ‬الشاشة‭ ‬الكبيرة،‭ ‬يجد‭ ‬مخرج‭ ‬المسرحية‭ ‬بديع‭ ‬أبو‭ ‬شقرا‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الفتاة‭ ‬السوقيّة،‭ ‬بمكياجها،‭ ‬بوقاحة‭ ‬عريّها‭ ‬وتعريّها،‭ ‬بعلكتها‭ ‬تمضغها‭ ‬وتصدر‭ ‬أصواتاً،‭ ‬بشعرها‭ ‬المتطاير‭ ‬الأطراف،‭ ‬وصوتها‭ ‬الغليظ‭ ‬لا‭ ‬يتلفظ‭ ‬سوى‭ ‬المفردات‭ ‬الفجّة‭ ‬التي‭ ‬ترفض‭ ‬طبقة‭ ‬المثقفين‭ ‬حتى‭ ‬الإشارة‭ ‬إليها،‭ ‬تلحّ‭ ‬عليه‭ ‬ليعطيها‭ ‬فرصة‭ ‬تجربة‭ ‬أداء‭ ‬دور‭ ‬البطولة‭ ‬في‭ ‬مسرحيته‭.‬

تلمع‭ ‬السماء‭ ‬ببرقٍ‭ ‬جديد‭ ‬يعكس‭ ‬أثراً‭ ‬خفيّاً‭ ‬على‭ ‬الخشبة‭ ‬الباردة،‭ ‬تستغل‭ ‬الممثلة‭ ‬انشغال‭ ‬المخرج‭/ ‬الكاتب‭ ‬باتصالٍ‭ ‬هاتفي‭ ‬لترتدي‭ ‬ثوباً‭ ‬قديماً‭ ‬فوق‭ ‬ملابس‭ ‬الإغراء‭ ‬الجلديّة‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬عليها،‭ ‬يثير‭ ‬اهتمام‭ ‬المخرج‭ ‬الثوب،‭ ‬يهبها‭ ‬الفرصة‭. ‬بصوتها،‭ ‬بعقصة‭ ‬شعرها،‭ ‬باستقامة‭ ‬ظهرها،‭ ‬تنقلنا‭ ‬‮«‬فاندا‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬نص‭ ‬‮«‬مازوخ‮»‬‭. ‬

عرض‭ ‬من‭ ‬العيار‭ ‬الثقيل،‭ ‬أثار‭ ‬ضحك‭ ‬جمهور‭ ‬الصالة،‭ ‬النساء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬بحكم‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬فاندا‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬مهاجمة‭ ‬الفكر‭ ‬الذكوري‭ ‬متمثلاً‭ ‬بنص‭ ‬وشخص‭ ‬بديع‭ ‬أبو‭ ‬شقرا،‭ ‬وهي‭ ‬تتنقل‭ ‬بين‭ ‬الدورين‭. ‬دور‭ ‬الممثلة‭ ‬التي‭ ‬تخضع‭ ‬لتجربة‭ ‬أداء،‭ ‬ودور‭ ‬شخصيّة‭ ‬فاندا‭. ‬ورويداً‭ ‬رويداً‭ ‬تسيطر‭ ‬‮«‬فاندا‮»‬‭ ‬على‭ ‬أبو‭ ‬شقرا،‭ ‬على‭ ‬الخشبة،‭ ‬وعلى‭ ‬الجمهور‭ ‬والعرض‭ ‬بكافة‭ ‬مستوياته‭ ‬فنحن‭ ‬هنا‭ ‬أمام‭ ‬لعبة‭ ‬مسرحيّة‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭. (‬مسرح‭ ‬داخل‭ ‬مسرح‭).‬

المسرح‭ ‬الأوّل‭ ‬هو‭ ‬عرض‭ ‬جاك‭ ‬مارون،‭ ‬المسرح‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬مسرحية‭ ‬آيفز‭ ‬المُعدّة‭ ‬للخشبة‭ ‬اللبنانيّة،‭ ‬والمسرح‭ ‬الثالث‭ ‬هو‭ ‬تجربة‭ ‬الأداء‭ ‬التي‭ ‬تتحوّل‭ ‬من‭ ‬مُتخّيل‭ ‬مسرحي‭/ ‬لُعبي‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬يأسر‭ ‬بديع‭ ‬أبو‭ ‬شقرا‭ ‬إلى‭ ‬عمود‭ ‬الصالة‭. ‬المشهد‭ ‬الختامي‭ ‬المُثير‭ ‬للجدّل‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬فاندا‮»‬‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭ ‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬التي‭ ‬يُقنعها‭ ‬الكاتب‭ ‬المثقف‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬سيدته،‭ ‬وتسمح‭ ‬له‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬عبدها‭ ‬الذي‭ ‬تعذّبه‭ ‬وتذّله‭ ‬وتعنّفه‭ ‬كسبيلٍ‭ ‬له‭ ‬للحب،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬اكتشف‭ ‬على‭ ‬يدي‭ ‬عمته‭ ‬الكونتيسة‭ ‬الباردة،‭ ‬القاسية،‭ ‬المُتدثّرة‭ ‬بالفرو،‭ ‬ارتباط‭ ‬اللذّة‭ ‬بالألم،‭ ‬نجد‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬فاندا‮»‬‭ ‬تقلب‭ ‬الطاولة‭- ‬مجازاً‭- ‬وكأنّها‭ ‬تكشف‭ ‬للآخر‭ ‬أمامها‭ (‬الكاتب‭ ‬المُتخيّل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مازوخ‭ ‬وآيفز،‭ ‬والمخرج‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬الأداء‭) ‬حقيقته،‭ ‬وتهبه‭ ‬ما‭ ‬يسعى‭ ‬إليه‭ ‬حقيقة‭ ‬عبر‭ ‬رحلة‭ ‬الآلام‭ ‬المُشتهاة،‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬‮«‬فاندا‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬العمة‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬بالسوط‭. ‬

السيدة‭ ‬التي‭ ‬ترتدي‭ ‬الفرو‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬الطفل‭ ‬الصغير‭ ‬لتحطيمها،‭ ‬لتجاوزها،‭ ‬ليكون‭ ‬هو‭. ‬لكنه‭- ‬بحسب‭ ‬آيفز‭- ‬أضعف‭ ‬من‭ ‬المواجهة‭ ‬المباشرة،‭ ‬فيختار‭ ‬الإغراق‭ ‬في‭ ‬لعبتها،‭ ‬لعبة‭ ‬الألم‭ ‬والمتعة،‭ ‬لينتحل‭ ‬شخصيتها‭ ‬ويتماهى‭ ‬معها،‭ ‬ويضع‭ ‬الطوق‭ ‬على‭ ‬رقبته‭ ‬هو،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ينتهي‭ ‬الأمر‭ ‬ببطل‭ ‬‮«‬مازوخ‮»‬‭ ‬للهرب‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭. ‬

هل‭ ‬كانت‭ ‬الممثلة‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬الأداء‭ ‬حقيقة‭ ‬أم‭ ‬وهما‭ ‬أنتجه‭ ‬إرهاق‭ ‬كاتب‭ ‬مهووسٍ‭ ‬بعمله‭ ‬وليلة‭ ‬باردة‭ ‬لوّنتها‭ ‬تقاطيع‭ ‬البرق؟‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬حلم‭ ‬في‭ ‬مونولوجٍ‭ ‬داخليّ‭ ‬طويل‭ ‬سُمِحَ‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬ندخل‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬مسرحيّة‭ ‬ونراه‭ ‬مُتجسّداً؟‭! ‬هل‭ ‬هو‭ ‬عرضٌ‭ ‬ينتصر‭ ‬للمرأة‭ ‬كما‭ ‬اختتم‭ ‬مارون‭ ‬ثالث‭ ‬أعماله‭ ‬المسرحية‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬وكما‭ ‬فعل‭ ‬من‭ ‬قبله‭ ‬آيفز‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬من‭ ‬أنجح‭ ‬عروض‭ ‬برودواي؟‭ ‬خاصة‭ ‬أنّ‭ ‬نص‭ ‬آيفز‭ ‬مُثقل‭ ‬بالرموز‭ ‬التاريخيّة‭ ‬من‭ ‬‮«‬فينوس‮»‬‭ ‬و‮»‬أفروديت‮»‬‭ ‬و»عشتروت‮»‬‭ ‬و»باخوسيات‮»‬‭ ‬يوروبيدس‭ ‬وحوارات‭ ‬تناقش‭ ‬علاقة‭ ‬الرجل‭ ‬بالمرأة‭ ‬ومقولة‭ ‬غوتة‭: ‬‮«‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬العاطفية‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يكون‭ ‬السندان‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يكون‭ ‬المطرقة‮»‬‭.‬

‮«‬فينوس‮»‬‭:‬

هو‭ ‬أحد‭ ‬أجرأ‭ ‬العروض‭ ‬على‭ ‬الخشبة‭ ‬البيروتية‭ ‬بلا‭ ‬مُنازع،‭ ‬وجرأته‭ ‬لا‭ ‬تتأتى‭ ‬كما‭ ‬يتوهم‭ ‬الكثيرون‭ ‬من‭ ‬وقوف‭ ‬ريتا‭ ‬حايك‭ ‬بملابس‭ ‬الإغراء‭ ‬وبوستر‭ ‬تتموضع‭ ‬فيه‭ ‬شبه‭ ‬عارية‭. ‬لكنه‭ ‬الأجرأ‭ ‬لجودته‭ ‬قبل‭ ‬كلّ‭ ‬شيء،‭ ‬لمغامرة‭ ‬القائمين‭ ‬عليه‭ ‬اباختيار‭ ‬النص‭ ‬المُعقد‭ ‬أوّلاً‭ ‬وقبل‭ ‬كلّ‭ ‬شيء،‭ ‬لمغامرتهم‭ ‬بتقديم‭ ‬نصّ‭ ‬يُناقش‭ ‬في‭ ‬متنّه‭ ‬هل‭ ‬نص‭ (‬مازوخ‭) ‬أيروتيكي‭ ‬أم‭ ‬قصة‭ ‬حب؟

عرضٌ‭ ‬يلعبُ‭ ‬على‭ ‬الحافة،‭ ‬بضع‭ ‬كلمات‭ ‬سوقيّة‭ ‬هناك‭ ‬وهناك‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬زائدة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الدقائق‭ ‬العشر‭ ‬الأوّلى‭ ‬من‭ ‬العرض،‭ ‬الذي‭ ‬أضحك‭ ‬الجمهور،‭ ‬وغادر‭ ‬الصالة‭ ‬مُستمتعاً‭ ‬وساخراً‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬مُفكراً‭ ‬للأسف،‭ ‬مُكتفياً‭ ‬بالقراءة‭ ‬الأولى،‭ ‬وبإشارة‭ ‬المُعدّين‭- ‬الساخرة‭- ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬شخصيّة‭ ‬المخرج‭ ‬المؤداة‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬بأنّ‭ ‬تُستعبد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬‮«‬فاندا‮»‬‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬لديها‭ ‬ميول‭ ‬تجاه‭ ‬الرجل‭ ‬الإغريقي‭ ‬الذي‭ ‬ترغب‭ ‬به‭ ‬‮«‬فاندا‮»‬‭ ‬لإذلال‭ ‬عبدها‭ ‬أكثر‭. ‬

عرض‭ ‬كما‭ ‬نص‭ ‬دافيد‭ ‬آيفز‭ ‬ينتصر‭ ‬للمرأة‭ ‬على‭ ‬القضية‭ ‬النفسانيّة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يهملها‭ ‬أو‭ ‬يتجاوزها،‭ ‬والمسرح‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يغدو‭ ‬مُجرّد‭ ‬لعبٍ‭ ‬ومشاهدة،‭ ‬بل‭ ‬سبيلاً‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬مختلفة‭ ‬حيث‭ ‬ينقل‭ ‬آيفز‭ ‬عمل‭ ‬‮«‬مازوخ‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬آخر،‭ ‬ويُختتم‭ ‬العرض‭ ‬بصرخة‭ ‬المرأة‭ ‬على‭ ‬الخشبة‭ ‬‮«‬لتحيا‭ ‬أفروديت‮»‬‭!‬

يارا‭ ‬بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية