رام الله ـ «القدس العربي»: يسأل أحد الصحافيين الأسيرة المحررة سماح صوف من مدينة قلقيلية حول كيف هو وضع الأسيرات داخل الأسر، فتقول بعبارة مكثفة: «تحت الصفر».
تكمل وتقول: «القمع والغاز والاعتداءات والتنكيل وسلب الحرية والحقوق» وهي صورة مكثفة أيضا لوضع السجون الذي تضاعف سوءا منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر من الشهر الماضي.
وفي شهادة لحظية خلال دقائق الإفراج الأولى تحدثت الأسيرة حنان البرغوثي، عن واقع السجون الاحتلالية قائلة: «في كل غرفة تتسع لستة أشخاص يكون هناك إحدى عشرة أسيرا، أما طعام 3 أسيرات فأصبح يقدم لحوالي 12 أسيرة».
أما الأسيرة المقدسية أماني حشيم، والتي كانت ضمن الأسيرات الست اللواتي أفرج عنهن من المدينة المحتلة، وبعد 7 سنوات من الأسر، تشدد على أن هناك أمنية واحدة لها وهو أن تخرج بقية الأسيرات من السجون، فالحرية هي المطلب الجوهري لكل أسير.
وتضيف الأسيرة حشيم وهي أم لطفلين، أن معاناتها كانت مضاعفة لكونها أم، حيث قلقها الدائم على أولادها خارج السجن.
وتشير إلى أن تعليمات السجون تمنع أي طفل عمره أكثر من 8 سنوات من الزيارة المفتوحة وبالتالي لا يمكن لها أن تحتضه، وهي تشير إلى أن سجنها حرمها من احتضان أطفالها، حيث لم تفعل ذلك منذ أن كان عمر أطفالها عامين.
أما في حكاية عائلة الأسيرة مرح باكير، فتتضمن تفصيلا صغيرا يعكس جانبا من معاناة العائلة، حيث تقول والدة مرح أن العائلة قامت قبل أيام بفتح نوافذ المنزل والفرندات ليلا رغم البرد الشديد، وذلك لكونها علمت أن ابنتها كانت تقبع في زنزانة للحبس الانفرادي من دون أن يكون معها ملابس شتوية في ظل البرد الشديد داخل الزنزانة.
وتضيف: «وصلنا أن مرح كانت في العزل الانفرادي من دون أن يكون لديها ملابس شتوية، وهذا كان يعني أنها كانت تمر بمعاناة مضاعفة».
وتابعت سوسن: «فتحنا النوافذ ليلا، ودخل البرد المنزل، لم يكن ممكنا أن تشعر العائلة بالدفء فيما مرح تعاني البرد القارس لوحدها في العزل إسرائيلي».
شهادات حية
ما سبق هو شهادات حية ولحظية لأسيرات أفرج عنهن أو لعائلات أسيرات، وهي على قلتها إلا أنها تلخص جانبا بسيطا جدا من حجم المعاناة التي يفرضها السجان الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، وهو ما تضاعف مع انطلاق عملية «طوفان الأقصى».
وأمام كل ما يتعرض له الأسرى على اختلاف تصنيفاتهم وفئاتهم فإنه كان من المتوقع أن تثير مشاهد الإفراج عن 39 أسيرة وأسير طفل فلسطيني الكثير من مشاعر البهجة في النفوس.
فالصورة التي لخصها مشهد إطلاق سراح الدفعة الأولى من الأسرى تظهر ما يحلم به الفلسطيني في سياق صراعه مع الاحتلال وهو الحرية، وهي قيمة لا يمكن التنازل عنها أو عدم الفرح جزئيا بتحقيقها في ظل ما يعيشه قطاع غزة من جرائم وقتل دموي يمارسه الاحتلال على مدى خمسين يوما.
هنا لا يجب أن يفوتنا التأكيد أن مسألة الأسرى كانت حاضرة بقوة عند المقاومة الفلسطينية التي خططت لعملية «طوفان الأقصى». ففي كلمة القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر كان موضوع الأسرى حاضرا، إلى جانب قضايا الأقصى وحصار غزة والاستيطان في الضفة الغربية، فالعين الفلسطينية لا يجب أن تنام على هذه القضية المركزية.
وأمام توقع الاحتلال لإمكانية استثمار حدث إطلاق سراح الدفعة الأولى من الأسرى ضمن صفقة معه حاول جاهدا أن يفعل كل ما يمكن فعله من أجل منع مظاهر الفرح أو التعبير السياسي، وتحديدا في مدينة القدس، لكن ما حدث كان على النقيض من ذلك، حيث تحولت مسيرات الاستقبال، وبشكل تلقائي وعفوي، إلى حدث جماهيري يعكس الاستفتاء على المقاومة الفلسطينية ودعمها وتأييدها أيضا.
وحسب نادي الأسير الفلسطيني فقد وضعت حكومة الاحتلال شروطا على الأسرى والأسيرات الذين سيفرج عنهم مثل: منع ظهورهم في الصحافة، ومنعهم من تقديم أي تصريحات صحافية، ومنع التجمع عند أهل الأسير، ومنع توزيع الحلويات والاحتفالات بجميع مظاهرها، والتوقيع على كفالة في حالة كسر الشروط بدفع مبلغ 70 ألف شيكل إسرائيلي (يقرب من 18 ألف دولار أمريكي).
وأمام الزخم الشعبي لخطوة إطلاق سراح الأسرى حدث العكس تماما، وبدل أن يعكس خوفا من الإعلان أو إظهار الدعم لفصائل المقاومة حدث العكس تماما، فكل تصريحات الأسيرات والأسرى الأطفال تضمنت الاعتراف بفضل المقاومة وشكرها وتحديدا حركة حماس وأهالي قطاع غزة.
وقالت الأسيرة المقدسية المحررة ملك سلمان إنها تقدم عزاءها الخاص لكل الشهداء في قطاع غزة، وفي أول كلمة للأسيرة المحررة المقدسية مرح باكير شددت على أن «هناك صعوبة كبيرة جداً في أن تحصل على شعور الحرية بالإفراج عنك من السجن وذلك في مقابل دماء الشهداء في قطاع غزة، وفي ظل التضحيات الكبيرة التي قدمها الأهل في قطاع غزة».
رقم قياسي للشهداء
ورفع الشبان رايات حركة حماس على حافلات الأسرى والأسيرات المحررين ضمن صفقة التبادل الأولى بين المقاومة والاحتلال فيما لم يكن جنود الاحتلال يبعدون عن المكان سوى مئات الأمتار. وحسب، أوهاد حمو، مراسل القناة 12 العبرية للشؤون الفلسطينية، رداً على سؤال حول شعبية حماس بعد الحرب على غزة وبعد خروج الدفعة الأولى من الأسرى في الصفقة قال: «لن تروا في غزة ميدان تحرير ضد حماس، وفي الضفة الغربية من بين كل عشرة أولاد تسعة منهم مثلهم الأعلى أبو عبيدة أو محمد الضيف».
وأمام تصريحات الأسيرات المفرج عنهن وزخم القضية التي أجبر الاحتلال على إطلاق سرح الأسرى، أعلن رئيس هيئة شؤون الأسرى قدورة فارس عن أن ما واجهه الأسرى خلال الأيام الماضية هو «جريمة وعملية انتقامية من إدارة السجون الإسرائيلية» وزاد على ذلك بإنه يخشى من «استشهاد مزيد من الأسرى بسبب انتهاكات الاحتلال الانتقامية بحقهم» حيث سقط حتى اللحظة 6 أسرى داخل السجون في فترة لا تزيد عن الشهر والنصف وهو رقم قياسي ومقلق أيضا.
رغم أن بعض الفلسطينيين علقوا على بعض مظاهر الفرح المنقوصة في الضفة الغربية، واعتبروا أنها مظاهر لا تصح بشكل عام، إلا أن صحافيا فلسطينيا رد قائلا: «لقد رأينا في مسيرات استقبال الأسرى ذات المشاهد التي كنا نراها يوميا في جميع المسيرات التضامنية مع قطاع غزة، رأينا هتافات للمقاومة، هتافات لمحمد لضيف، هتافات لحماس، وتكبيرا، وتصفيرا وتصفيقا».
غير أن الجوهري في كل ما يجري هو أن حالة الاحتفاء المنقوصة بالأسرى تعيد الاعتبار للقضية المركزية التي أصبحت اليوم لا تخص 5000 أسير، فخلال شهر ونصف الشهر أضيف إلى هؤلاء أكثر من 3145 وهذه الحصيلة تشمل من جرى اعتقالهم من المنازل، وعبر الحواجز العسكرية، ومن اضطروا لتسليم أنفسهم تحت الضغط، ومن احتجزوا كرهائن أيضا بفعل سياسات الاحتلال في الضفة الغربية بعد عملية «طوفان الأقصى».
وترى هيئة الأسرى ونادي الأسير أنّ الاحتلال يواصل حملات الاعتقال الممنهجة، كإحدى أبرز السياسات الثابتة، والتي تصاعدت بشكل غير مسبوق بعد السابع من أكتوبر، ليس فقط من حيث مستوى أعداد المعتقلين، وإنما من حيث مستوى الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق المعتقلين وعائلاتهم، وذلك إلى جانب جريمة الإعدامات الميدانية المتواصلة.
ورغم ذلك ما جرى في مشاهد استقبال الأسرى المحررين غصبا حالة مهمة لكل الأسرى ولقضيتهم، فأمام توحش الاحتلال الإسرائيلي، بدت الصفقة انتصارا للمقاومة، فالحرب صراع إرادات، والمنتصر فيها من يفرض إرادته كما فعلت المقاومة حين فرضت تحرير الأسرى بالتبادل بعد 49 يوماً فشل فيها المحتل من تحرير أي من أسراه بالقوة.
وحسب الأسير المحرر عصمت منصور يحق للفلسطيني أن يفرح بتحرير الأسرى، فـ»كل التضحيات التي يقدمها الفلسطيني من أجل قيمة الحرية التي يمكن أن تتجسد بشخص/ أسير، أو فكرة، أو كلمة يعترف من خلالها العالم بحقوقنا فيها، وبالتالي يمكن أن نقدم تضحيات كثيرة ونخوض حروبا من أجل أن يعترف العالم بموقف أو فكرة أو يقف معنا أو يصدر قرارا لصالحنا».
وشدد أن «المسألة لا يجب أن تقاس ضمن ثنائية الفرح في الضفة الغربية على حساب الألم في قطاع غزة، لا تقرأ الصورة على هذا النحو إطلاقا، كل الناس لديها شعور بالامتنان للمقاومة، ولكل من ضحى من أجل القضية الفلسطينية، كل هؤلاء سيعيشون بقية حياتهم وهم ينظرون بعزة واحترام وإكبار لكل من ضحى في غزة أو الضفة أو القدس».
وأضاف: «التضحية هي ثمن ندفعه جراء جرائم الاحتلال المجرم، وهذا الأخير عندما تكسر عنجهيته بعملية مقاومة أو بإطلاق سراح أسرى يكون جزءا من المردود والثمن الذي نحصل عليه بفعل هذه التضحية، فالتضحية هنا تصنع لحظات نصر وفرح وعزة». وختم: «كل الناس تشعر أن ما قامت به غزة هو دين عليها، وفي رقبة كل إنسان حر وشريف ليس في فلسطين بل في كل العالم، إن ما جرى ثمرة وصدى لمعاناة غزة، وتحرير جانب من الأسرى هو ثمرة صغيرة من ثمار هذه المعاناة».