هدنة في غزة برعاية قطرية تسهم في تخفيف معاناة سكان غزة والدوحة عينها على اتفاق نهائي لإنهاء الحصار

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»: دخل اتفاق الهدنة في غزة برعاية قطر ومشاركة مصرية أمريكية، بين فصائل المقاومة الفلسطينية وسلطات الاحتلال الإسرائيلي، حيز التنفيذ، والذي يمنح سكان غزة فرصة التقاط الأنفاس بعد تصاعد وتيرة العدوان الإسرائيلي واجتياحه مناطق من القطاع المحاصر.

وتعمل قطر من لحظة التوصل لاتفاق الهدنة، على رسم معالم اتفاق شامل ونهائي ينهي الحصار المفروض على قطاع غزة، وعودة الحياة الطبيعية للقطاع المحاصر.
وبدأ سريان الهدنة المؤقتة في قطاع غزة بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وإسرائيل، صباح الجمعة، وكان من أبرز نتائجه دخول أزيد من 100 شاحنة مساعدات عبر معبر رفح، وهو ما يمثل نحو خُمس احتياجات سكان القطاع في الوضع الطبيعي. وسلمت بداية كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس 24 محتجزاً لديها بينهم العمال التايلنديين، مقابل إفراج قوات الاحتلال عن 24 أسيرة فلسطينية و15 قاصراً.
وكان بارزاً الدور القطري في التوصل لاتفاق الهدنة والذي خفف ولو قليلاً معاناة سكان غزة منذ بدأت إسرائيل بفرض الحصار على قطاع غزة عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في كانون الثانٍي/يناير عام 2006 ثم شددته بعد سيطرة الحركة عسكريًا على القطاع في حزيران/يونيو 2007 إذ أعلنت قطاع غزة «كيانًا معاديًا» وفرضت عقوبات إضافية مسّت على نحو مباشر بالحقوق الأساسية للسكان، وشمل ذلك فرض قيود مشددة على دخول الوقود والبضائع وحركة الأفراد من وإلى القطاع. وعلى مر السنين، عملت السلطات الإسرائيلية على ترسيخ سياسة عزل قطاع غزة، مـن خلال فصله عـن الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، إلى جانب التحكم في كمية ونوعية البضائع والمواد التي تدخل إلى قطاع غزة وحظر المئات منها، ما تسبب بركود اقتصادي شامل في القطاع، وارتفاع حاد في معدلات الفقر والبطالة.

موقع قطر يتعزز
وسيطاً في موضوع الأسرى

وأبرز الاتفاق الأخير الذي ساهمت فيه قطر تعاظم دورها على الساحة الدولية، وأعلن البيت الأبيض، مناقشة الرئيس الأمريكي جو بايدن مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد حول «الجهود المستمرة لحماية المدنيين الأبرياء وزيادة تدفق المساعدة الإنسانية المُلحّة إلى غزّة».
وحرص بايدن على تسجيل شكره لقطر وحاكمها بشكل شخصي على جهوده السابقة لتأمين الإفراج عن المحتجزين من «حماس» بمن فيهم مواطنان أمريكيان، والجهود العاجلة المستمرّة لتحقيق المزيد من الإفراجات، مشيرًا إلى اتفاقهما على ضرورة الإفراج الفوري عن جميع الرهائن. كما ناقش وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن مع رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الجهود المستمرة لإجلاء المصابين وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية.
وحسب ما أعلنه أبو عبيدة الناطق الرسمي باسم كتائب القسام، فإن الحركة أبلغت الوسطاء القطريين أنه بإمكانها إطلاق سراح 50 امرأة وطفلاً في غزة وقد يصل العدد إلى 70 خلال هدنة مدتها 5 أيام، مقابل الإفراج عن 200 طفل فلسطيني و75 امرأة.

كسر التعنت الإسرائيلي

وكان لافتاً أن إسرائيل إلى وقت قريب كانت ترفض أي وقف لإطلاق نار بدون الإفراج عن محتجزين لدى «حماس» وخلال اجتماع سابق لمدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» وليام بيرنز في الدوحة مع مسؤولين قطريين، نوقشت تفاصيل وقف إنساني محتمل للقتال من شأنه أن يؤدي لإطلاق سراح رهائن وإدخال المزيد من المساعدات إلى غزة.
وأصبحت الوساطة القطرية أكثر إلحاحاً ورهان العديد من الدول، بعد ما تأكد فشل سلطات الاحتلال الإسرائيلي في عمليات الإنقاذ العسكرية، وصارت في حكم المستحيل، بعد أن باءت بالفشل العديد من محاولات التوغل البري. وانخرطت قطر مباشرة بعد العملية العسكرية التي نفذتها حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر في مسار محادثات للإفراج عن مواطنين أجانب هم في عهدة حركة المقاومة. وتستند الدوحة على إرث واسع من الوساطات العديدة الناجحة التي قامت بها سابقا وتكللت بالإفراج عن رعايا غربيين في دول مختلفة.
وطلبت الولايات المتحدة من قطر التوسط للإفراج عن «المحتجزين» لدى حركة حماس في غزة بعد ما تأكدت أن الإنقاذ العسكري مستحيل، وتأكد لديها أيضاً وجود أخطار كبيرة على حياة الرعايا العسكريين والمدنيين في حال حدثت محاولة للإفراج عنهم بالقوة.

مسار معقد وهش

أشار مسؤولون في العاصمة القطرية تحدثت معهم «القدس العربي» إلى أن الدوحة كانت تعمل في ظل وضع شديد التعقيد على الأرض من أجل خروج آمن للمحتجزين بالتنسيق مع مختلف الأطراف التي يمكن أن تساهم في هذا الجهد، مع مخاوف من استمرار التصعيد وعدم تحقيق نتائج، وهو ما يساهم في سقوط المزيد من المدنيين، في الحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. وترى الدوحة أن هذا الالتزام هو مسؤولية، حيث أن استمرار التصعيد وعدم تحقيق نتائج للوساطة يساهم في سقوط المزيد من المدنيين، كما أن الأحداث الحالية في غزة مختلفة عن التطورات والتصعيد السابق، وهي «حرب شاملة».
ويشدد المسؤولون القطريون خلال لقاءاتهم مع نظرائهم الأجانب، أن نجاح الوساطة يتطلب تهدئة في غزة، ووقف القصف المكثف، والعمليات الإسرائيلية. وقال الدكتور ماجد الأنصاري، إن الوساطة التي تقوم بها قطر للإفراج عن الأسرى، يجب أن يصاحبها خفض التصعيد في قطاع غزة حتى تنجح.

الوساطة رهان الدوحة

شكّلت الوساطة ركيزة سياسة قطر الخارجيّة، وهي إستراتيجيّة رئيسة تكتسب من خلالها البلاد مكانة كبيرة ضمن النظام الدولي، وتشغل قطر موقعًا استراتيجيًا للوساطة في مشهد من التعددية القطبية المتزايدة تسوده خصومات جيوسياسية.
وامتلكت الدوحة الخبرات المناسبة لاستضافة محادثات السلام على غرار الوساطة بين حكومتي جيبوتي وإريتريا لحل النزاعات الحدودية، والوساطة بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وحركة التحرير الفلسطينية «فتح» بهدف تسريع عملية المصالحة. علاوة على ذلك فإن استضافة ممثلين عن الولايات المتحدة وطالبان، والوساطة بين كينيا والصومال، والوساطة بين الحكومة اليمنية والحوثيين، وعشرات الحالات الأخرى، كلها تظهر سياسات قطر لحل الأزمات الدولية مدفوعة بتحقيق مصالح مشتركة. كما أدَّت قطر أيضاً دوراً فعّالاً في تسهيل المحادثات بين الولايات المتّحدة وطالبان، والتي تُوِّجت بإبرام اتفاق الدوحة في العام 2020 وانسحاب الولايات المتّحدة من أفغانستان في العام 2021. كما أنّ جهود الوساطة المستمرَّة في لبنان وليبيا وتشاد وفنزويلا وفلسطين.
وحفل سجل الوساطات القطرية بنجاحات متعددة في هذا الصدد، سواء على مستوى الصراعات بين دول متنازعة، أو جماعات، ومجموعات سياسية أو جماعات مسلحة أو قوى معارضة.
ويعود سبب النجاحات القطرية في هذا الاتجاه إلى الإمكانيات الدبلوماسية والعلاقات القطرية القوية مع الأطراف المختلفة، بالإضافة إلى الأهمية التي توليها قطر لهذا الجانب.

الوسيط النزيه

وترتكز سياسة دولة قطر الخارجية على مجموعة من المبادئ الرامية إلى ترسيخ التعاون الدولي وتشجيع الحل السلمي للنزاعات، وتؤمن دولة قطر بقوة الدبلوماسية والحوار في حل الصراعات، ولها سجل حافل في الوساطة. كما أن السياسة الخارجية لدولة قطر مبنية على احترام جميع المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وتلك التي تعتبر طرفاً فيها.
ونجحت الوساطة القطرية في وضع نهايات سعيدة لكثير من أزمات ومشاكل المنطقة في السنوات الماضية، ولم تقتصر تلك الوساطات على الشأن العربي، بل امتدت كذلك إلى القارة السمراء وإلى نزاعات وقضايا في القارة الآسيوية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية