تعودت أن يكون أول ما أحرص على اصطحابه معي في السفر في الطائرة، كتابا ممتعا يساعدني على الاسترخاء ونسيان أنني في صندوق حديدي مغلق على ارتفاع آلاف الأمتار عن هذه الأرض التي نعيش عليها. ولم أخالف عادتي في رحلة عودتي قبل أيام من الرياض إلى دبي، فقد رافقني كتاب «من مكة إلى كان.. سينما عبدالله المحيسن» تأليف الناقد السينمائي والصحافي المخضرم إبراهيم العريس. والكتاب رحلة جميلة مع تجربة المحيسن السينمائية منذ البدايات في مكة بحضورها الروحي الطاغي وصولا إلى المشاركة في واحد من أهم المهرجانات السينمائية في العالم في مدينة «كان» جنوب فرنسا. وهي تجربة تعرفت فيها على أحد رواد السينما التسجيلية في العالم العربي، ترك بصمته من خلال أفلام قصيرة كـ»مصرع مدينة» و»الإسلام جسر المستقبل» و»الصدمة» ومن خلال فيلمه الطويل أيضا «ظلال الصمت» وسيعيد الجيل الجديد اكتشافه بفضل كتاب إبراهيم العريس عنه.
أهداني عبد الله المحيسن الكتاب، في أمسية جميلة في دارته الأندلسية الطراز، اجتمعت فيها بثلّة من صناع الثقافة في السعودية أعدّ منهم ولا أعدّدهم الشاعر والدبلوماسي سفير المملكة في دبلن أحمد كتوعة، والمخرج الطموح فيصل الحربي الذي ورث عشق السينما والتلفزيون عن والده الممثل خالد الحربي، وطعّم ذلك بدراسة أكاديمية متينة والناقد السينمائي الصديق خالد ربيع والكاتبة من الجيل الجديد في المملكة التي تخطو بخطوات واثقة في النقد السينمائي عهود حجازي، والشاعر ومؤسس مهرجان أفلام السعودية أحمد الملا، وليكتمل التنوع الثقافي كان معنا الروائي المبدع عبده خال بثقافته العريضة وأبوته الأدبية، وقد عرفته قبل لقائي به من رواياته كاتبا، وتوطدت معرفتي به بعد اللقاء به إنسانا حقيقيا. كانت جلسة أعطتني مفاتيح ما يحدث في السعودية من تحولات وانفتاح، تأقلمتْ معه الأجيال الجديدة بسرعة فائقة. وما مؤتمر النقد السينمائي الذي كان سبب زيارتي للسعودية ضيفة شرف عليه إلا ثمرة هذا الانفتاح.
انعقد مؤتمر النقد السينمائي الدولي، الأول من نوعه على مستوى العالم من 7 إلى 14 نوفمبر/تشرين الثاني في الرياض بعنوان: «ما وراء الإطار» والعنوان مستلهم من فقرة كتبها المخرج الروسي الكبير أندريه تاركوفسكي في كتابه «النحت في الزمن» جاء فيها: «ما يشاهد داخل الإطار لا تحده الصورة المرئية، إنما هو إشارة إلى شيء آخر، يمتد خارج الإطار إلى اللانهاية، إشارة إلى الحياة» فاللامرئي لا يقل أهمية عما يعرض على الشاشة في الصناعة السينمائية، وهو عنوان جامع ينصف المخرج والمصور وكاتب السيناريو ومسؤولي الإضاءة والصوت والغرافيكس وعشرات مما لا نتعرف عليهم إلا من خلال شريط الأسماء، الذي يتسلسل آخر الفيلم ولا نتكلف عادة عناء قراءته.
كان المؤتمر ناجحا بالمقاييس جميعها، فهو وصَلَ ما انقطع من علاقة السعوديين بالسينما، وكان استمرارا لهذا التوجه الذي بدأ منذ إعادة افتتاح دور العرض السينمائية في السعودية سنة 2018 وأثمر إنتاج 72 فيلما سعوديا في سنة 2022 وحدها. وأبرز تجليات النجاح أنه كان مؤتمرا علميا عن النقد السينمائي بمشاركة عالمية، وإذا كانت المهرجانات السينمائية تلفت الأنظار إليها بمن يمشي على الـ«ريد كاربت» وإطلالات النجمات بفساتين مشاهير المصممين وتسريحات الشعر المبهرة، فهذا المؤتمر لفت النظر إليه بتخصصه في النقد السينمائي، الذي جرى تجاهله كثيرا في العقدين الأخيرين، خاصة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت لمن هبّ ودبّ منبرا ينظّر منه دون أي معرفة علمية. والنقد نفسه بمفهومه العام صار ينظر إليه نظرة غير صحية، فأصبحنا نسمع من يقول بموت النقد أو جملا من قبيل «الناقد كاتب فاشل». وغدا الناقد ذلك الكائن المعقد المتقعر الذي يكلّفُ نفسه بمهامّ لم يطلبها منه أحد، وإذا احتاج إليه الكتّاب أو صناع السينما أو الفنانون فلترويج منتجهم، وكأنه جزء من حملتهم الإعلانية، والويل له إن خالف ما يتوقعون منه. وقد كتبت قبل سنتين في هذه الجريدة مقالا بعنوان «سفينة النقاد» ذكرت فيه قصة الناقد السينمائي دينيس هارفي، الذي أبدى رأيا سلبيا في أداء الممثلة الهوليوودية كاري موليغان، وكان رأيا فنيا دون تجريح ولا إهانة، لكن ناشطي حركة «مي تو» أعطوا للموضوع أبعادا أخرى، فاتهموا الناقد بالذكورية حتى اضطروا مجلة «فاراييتي» العريقة التي نشرت الموضوع إلى الاعتذار.
لا يمكن لمقال أن يختصر مؤتمرا امتد على مساحة أسبوع كامل، قُدمت فيه أوراق بحثية وأقيمت ندوات وعُرضت فيه أفلام ومعارض فنية، لعل أهمها معرض صاحب جميع الفعاليات وحمل عنوان «تركيبات الأفلام» حيث عُرضت فيه مقتطفات وصور من الأفلام العربية والعالمية، ليتمكن عاشقو السينما التعرف على كواليس الفيلم، أو كما جاء في شعار المؤتمر كل ما كان وراء الإطار، قبل أن يصبح فيلما معروضا على الشاشات. وجمع المؤتمر نخبة من النقاد السينمائيين والمخرجين والكتاب، ممن لهم علاقة بصناعة السينما، لكن أهم ما استفدته تعرفي على جيل جديد مثقف من النقاد السينمائيين في المملكة يدرك جيدا ما يريده وتلتقي رغباته مع إرادة من المسؤولين لبعث الروح في هذا القطاع المهم.
من جملة الندوات التي لفتت انتباهي ندوة للأستاذ الجامعي التونسي الهادي خليل، عن كتاب «المستحيل الأزرق» وهو مجموعة منتقاة من أعمال المصور الفوتوغرافي السعودي صالح العزاز، بمشاركة شعرية من نصوص الشاعر البحريني قاسم حداد، وكنت قد تعرفت على الكتاب وقت صدوره قبل عشرين سنة، بل التقيت الفنان المصور صالح العزاز، رحمه الله، لكن قراءة الباحث له أضاءت جوانب جديدة في فن الصورة عند صالح العزاز، الذي يكاد يكون مجهولا لدى أبناء الجيل الجديد، كما يكاد فن التصوير لا يُلقى له بال مع أنه العمود الفقري للمشهدية السينمائية، والندوة لمسة وفاء من الهادي خليل لصالح العزاز في زمن شاع فيه الجحود.
ولاقت ورقة الناقد والمترجم السعودي سعد البازعي المعنونة بـ«تجاوز الوهم بين الرواية والسينما: قراءة الاختلاف الثقافي» هوى في نفسي فقد كنت دائمة المقارنة بين الروايات التي قرأتها عربية كانت أم أجنبية، وصورتها البصرية، وكيف اعتبر بعض الروائيين رؤية المخرج لنصوصهم خيانة وصلت ببعضهم إلى المحاكم، وما مثال ميلان كونديرا عنا ببعيد، حين قرّر بحزم أنّ كتبه هي الناطق الرسمي عنه فقط، فبعد تحويل رواية «كائن لا تحتمل خفّته» من قبل فيليب كوفمان إلى السينما، أنكر كونديرا الفيلم ورفض بعد ذلك تحويل أيٍّ من رواياته إلى الشاشة. وأعتقد أن المثالين اللذين اقتصر عليهما البازعي في مداخلته وهما رواية طالب الرفاعي «سمر كلمات» ورواية إبراهيم بادي «حُبّ في السعودية» لم يكونا كافيين لتبيان هذه العلاقة الجدلية بين الرواية والسينما.
هذان نموذجان من ندوات حفل بها مؤتمر النقد السينمائي الذي نظمته بنجاح هيئة الأفلام السعودية، بإدارة رئيسها التنفيذي عبد الله آل عياف. واصطاد المؤتمر عصفورين بحجر واحد، فمن جهة سلط الأضواء على ركن أساسي من أركان النهضة السينمائية وهو النقد بعد أن غابت أدواته أو تكاد من مجلات متخصصة مثل «الفن السابع» و»سينما» وحتى العالمية منها وعلى رأسها المجلتان اللتان صنعتا النهضة السنمائية في فرنسا وأوربا مجلة «بوزيتيف» و»دفاتر السينما» وكذلك غابت البرامج التلفزيونية المتخصصة في عرض الأفلام ونقدها وانحسرت كثيرا نوادي السينما، فالشاشة الكبيرة تقزمت عند الأجيال الجديدة إلى ان أصبحت بحجم كف اليد في تلفون ذكي.
واجتماع هذا الكم من المهتمين بالسينما في حيز مكاني وزماني واحد لا بد أن يترك أثرا على الحركة السينمائية في المملكة السعودية، وهذا هو الغاية الثانية من انعقاد هذا المؤتمر، ليكون شاهدا على التحولات التي يشهدها البلد، وكانت لنا جولات إضافية زرنا فيها مناطق مثل، الدرعية واطّلعنا على تجارب ثقافية رائدة مثل فضاء سدرة بجهود الفنانين خالد المرزوقي وضياء يوسف بنشاطاته الفنية والسينمائية، وكانت فرصة لي على الصعيد الشخصي لتطوير أدواتي في مجال الأفلام بعد تجربتي في الفيلم القصير «الوهم الأخضر» الذي كتبته ومثلت فيه، إضافة إلى الالتقاء بوجوه عرفتها من خلال أعمالها كالإعلامية والناقدة الكويتية ليلى أحمد، والناقد السينمائي العراقي عرفان رشيد، وزميلي الإعلامي زياد الخزاعي، الذي جاورته لعقد كامل على صفحات «القدس العربي» ولم ألتق به إلا في هذا المؤتمر، ولو لم أغنم إلا هذا من حضوري لكفى بها غنيمة. آملةً أن يعود للنقد السينمائي دوره في توجيه دفة السينما وتحليل مضامينها ورصد اتجاهاتها والإضاءة على تياراتها الجديدة، حتى لا يترك الساحة ليحتلها انطباعيو التيكتوك وخنفشاريو وسائل التواصل.
شاعرة وإعلامية من البحرين