عوفر غروزبرد
منذ آب 2022 وحتى كانون الأول 2022 عملت كطبيب نفسي في قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية “أمان”. مهنتي هي طبيب نفسي، وباحث في مجال علم النفس بين الثقافات. تم استدعائي للعمل في “أمان” بسبب الشعور بأنني أعرض وجهة نظر مختلفة عما لديهم. كنت الطبيب النفسي الوحيد في الجهاز. وحسب معرفتي، فإن الأطباء النفسيين لم يصمدوا في هذا الجهاز مدة طويلة. الهدف من هذا المقال هو انتقاد متعاطف وبناء، وليس البحث عن مذنبين. لا أعتقد أن هناك شخصاً مذنباً بشكل خاص في المذبحة الفظيعة التي وقعت في 7 تشرين الأول. حسب معرفتي، فإن بنية الجهاز لسنوات كثيرة هي بنية إشكالية. وإخفاقات الجهاز في التنبؤ كثيرة وثابتة (حرب يوم الغفران، اتفاقات أوسلو، الانتفاضة الأولى والثانية، والمذبحة الأخيرة).
هذا جهاز بني على مجموعة نوعية من الشباب الصغار نسبياً، الذين اختيروا بعناية ويعملون معاً منذ سنوات. عمل جماعي مغلق لسنوات أمر مطلوب من أجل التأهيل والسرية، لكنه لا يسمح بتنفس الفكر، ويخلق جموداً في التفكير؛ لأن أعضاء المجموعة يدعم بعضهم بعضاً.
هذه مجموعة متجانسة جداً بدون أفراد كبار في السن، مع القليل من النساء في الوظائف العليا، وتقريباً بدون أي تنوع ثقافي. كنت أكبر بحوالي عشرين سنة من الكبار بينهم (الذين كانوا في الأربعينيات). كبار السن هم على الأغلب أقل غطرسة من الشباب وأقل رؤية للعالم بالأسود والأبيض. النساء أقل ميلاً لصراعات “الأنا”، وحاجتهن إلى أن يكنّ هن المحقات، أقل قوة. التنوع الثقافي أداة مهمة جداً. المجموعة المؤهلة في قسم الأبحاث هي في معظمها من الشباب الذين لديهم خلفية عصرية وغربية، فيها أولوية للتفكير التحليلي، لكن لديهم مؤهلات اجتماعية متدنية. لم يتربوا في عائلة واسعة فيها أب موثوق، وهم بحاجة دائماً إلى التعرف على الآخر والانسجام معه.
بنية الاستخبارات العسكرية، مثل كل الجيش، هرمية بشكل يقيد التفكير المنفتح والنقدي والإبداعي. القادة يريدون التقدم نحو قمة الهرم الآخذة في الضيق. بالتالي، لا يسمحون لأنفسهم بالتعبير عن مواقفهم بحرية. هذه أمور مهمة بشكل خاص في الاستخبارات، التي قد تكون العقل المفكر للجيش وللدولة.
شاركت في لقاءات لم يسمع فيها أي إنجاز لأي مشروع جديد. تقدم نحوي ذات مرة شخص كبير واعترف بأنه “يريد ضرب نفسه” لأنه لا يقول موقفه في هذه اللقاءات. من الواضح أنه لم يكن الوحيد. وقال: “رئيس الأركان يثني عليهم لأنهم وصلوا إلى درجة ليس لهم أن يتحسنوا بعدها أكثر”. قيل لي مرات كثيرة بشكل شخصي ما الذي يجب أن أقوله وكيف. مثلاً، يجب ألا تقول في منتدى واسع بأن قسم الأبحاث هو مجموعة مغلقة تعزز نفسها؛ لأن هذا أمر مهين (مع كل ذلك قلت، ببساطة لأنني لم أخش على مكاني)، عدم طرح اقتراحات مختلفة لأنهم “سيرمونني على الأرض”. عندما التقيت مع شخص رفيع رفض أي دور لعلم النفس بين الثقافات، وقال: “لا يمكن التعميم على الثقافات”. قيل لي إنه الأكثر تأثيراً على رئيس “أمان”، وإنني أتسبب بالمشكلات. وعندما اقترحت اقتراحات ظهرت لي أنها ابتكارية، قيل لي إنهم لم يدفعوا بها قدماً؛ لأن المستوى السياسي لن يوافق عليها. وقيل لي إنه ليس الوقت المناسب، وعليّ أن أصبر. طلبت ببساطة إسماع رأيي، وأن من حق هذه الأفكار أن تُقبل أو تُرفض. ولكنهم رفضوا.
موضوع كتابة المقالات في قسم الأبحاث، التي تصل إلى كل الأجهزة الأمنية بشكل سري، حتى هذا الأمر يعدّ إشكالياً. المقال غير حر ومفتوح كما هو سائد في الأكاديميا. فالكاتب هناك يكتب على مسؤوليته، والمؤسسة الأكاديمية لا تكون مسؤولة عما يكتبه. كل مقال يجب أن يصادق عليه شخصان رفيعان يمكنهما التدخل في النص المكتوب (لا يوجد موضوع سري هنا؛ لأن النشر في الأصل محدود). إضافة إلى المس بحرية التفكير، يطرح الفاحصون إنجازات بخصوص مواد لا يعرفون أي فكرة عنها (في حالتي علم النفس).
اختيار مشاريع جديدة في مجال أبحاث متنوعة، التي قد تصل تكلفتها إلى ملايين الشواكل، يتم من قبل شخص مسؤول – عسكري متقاعد رفيع لا يملك أدنى عن المجال مدار الحديث. مثلاً، مشاريع عن بيانات الداتا الضخمة. قادة المشاريع أنفسهم شعروا أن هذا الأمر وهم. تحدثت مع المسؤول عن ذلك وأشركته في الانطباع الذي تولد لدي، وهو أنه ينقص رأي أشخاص مهنيين في المجالات المختلفة للمشاريع. اتفق معي، ولكني لا أعرف إذا حدث تغيير في هذا الشأن.
عملي في قسم الأبحاث وصل إلى النهاية عندما كتبت رسالة لرئيس الجهاز، أطلعته فيها على الصعوبة التي أجدها في إدخال علم النفس بشكل عام، وعلم النفس بين الثقافات بشكل خاص، في عمل “أمان”. وطلبت مساعدته في الموضوع الذي من أجله تم استدعائي. طلب مني المسؤول عني عدم إرسال الرسالة. لم أوافق، وأرسلتها. عندها تمت إقالتي. ولم أسمع أي شيء حتى الآن من رئيس “أمان”.
عندما أنهيت عملي، أرسلت ملاحظاتي المفصلة لبني غانتس عندما شغل منصب وزير الدفاع، وإلى مراقب الدولة نتنياهو انغلمان، ومدير عام رفائيل، الجنرال احتياط يوآف هار ايفن، الذي جزء من قسم الأبحاث كان تحت مسؤوليته. ولكني لم أحصل على أي رد منهم.
هآرتس 26/11/2023