سلاح الإعلام الرقمي والحروب

يلعب الإعلام على مرّ العصور دورا مهما في حياة البشر؛ فهو وسيلة الإعلام عن القدرات والإنجازات. وتاريخ الإعلام ضارب في أعماق جذور البشرية، بداية من الأزمنة الغابرة، عندما كان يعيش الإنسان القديم على صيد الحيوانات البرية؛ وكان حينها الإعلام وسيلة تستخدم لبيان مدى قوَّة أحد الأفراد؛ فكلما استطاع أحدهم صيد حيوان مفترس، كان يعلِّق نابه في طوق حول رقبته، فيدرك أقرانه مدى قوته بزيادة عدد الأنياب. وبتطوُّر الأزمنة، أصبحت تلك الوسيلة إلى جانب حلقات الصراع العلني وسيلة لاختيار الأصلح لقيادة القبيلة وحماية أفرادها.
والإعلام لا يقتصر فقط على الصحافة، بل هو ضارب في جميع مفاصل الحياة، سواء أكان في شكل إعلام صحافي أو دعائي. وعلى غرار هذا، عمل نابليون بونابرت على ترويج أن حملته على مصر (1798-1801) كانت ناجحة، بناء على ما تمت إزالة النقاب عنه من اكتشافات أثرية؛ مثل اكتشاف حجر رشيد، الذي مكَّن العلماء من فك رموز الكتابة الهيروغليفية، ومن ثمَّ، أضحت الاكتشافات العلمية بمثابة غطاء إعلامي للحملة يروِّج لنجاحها، على الرغم من أن الحملة على مصر كانت فاشلة بكل المقاييس، وتم جلاء الاستعمار الفرنسي بعد ثلاث سنوات فقط.

وأصبح الإعلام شريكا فاعلا أثناء الحرب العالمية الثانية، وتفنن كل من هتلر وتشرشل في استخدام الوسائل الإعلامية من صحف ومنشورات ومواد إذاعية لتضليل العدو، أو للحط من روحه المعنوية، لكن على رأس كل هذا، لبث الحماسة في صفوف المقاتلين لإحراز نصر مبين على الخصم. والجدير بالذكر، أنه بفضل تلك الوسائل الدعائية استطاع هتلر النهوض بأمته ألمانيا التي كانت مفلسة ومفروضا عليها عقوبات من العالم الغربي، أفقرتها وجعلت الجهل يستشري فيها. ومن خلال تطويره للوسائل الدعائية، استطاعت ألمانيا حتى بعد هزيمتها على يد الغرب، وإن حدث ذلك بصعوبة بالغة، أن تصبح إرثا استراتيجيا كان سببا مباشرا في النهضة العلمية والرقمية التي يتمتع بها العالم في الوقت الحالي. وفي العصر الحالي، اندمجت وسائل الإعلام الرقمي مع الطبقات الاجتماعية والثقافات العلمية بصورة شديدة التعقيد وواسعة النطاق، لدرجة جعلت لها تأثيرا مذهلا ولحظيا على مختلف أنواع الفئات؛ بمن فيهم طبقة الساسة وصنَّاع القرار، فقد أصبحت الوسائط الرقمية، ويساعدها في هذا الإنترنت، سببا مباشرا في تغيير شكل الصحافة العالمية، ووسائل النشر والتوزيع والإعلان، أضف إلى هذا، الابتكارات غير المسبوقة في مجالات العلاقات العامة والترفيه والتعليم والتجارة، ولم تنج منها أيضا السياسة؛ حيث أصبح الإعلام الرقمي بمثابة وسيلة ضغط فاعلة، ومجازا يمكن أن نطلق عليه اسم «اللوبي الرقمي» الذي تحدى قوانين حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية، وبهذا، عزز فكرة وجود «المحتوى المفتوح» الذي يتخلَّى فيه طوعا أصحاب الأخبار أو المعلومات ـ أي المحتوى بوجه عام ـ عن كل أو بعض حقوق الملكية الفكرية والحقوق القانونية من أجل سرعة انتشار مادة إعلامية ما واستخدامها كأداة فاعلة تسيطر على الرأي العام.

لطالما كانت الآلة الإعلامية على مرّ العصور أداة فاعلة، لكنها في العصر الحديث هي سلاح أثيري ضارٍ، والفائز هو من يعلم كيفية استخدامه، حتى لو خسر على أرض المعركة.

ولعل خير دليل، ما يشهده العالم منذ العام الماضي من حروب سياسية، فعند بدء الحرب الأوكرانية الروسية، يلاحظ أن الإعلام استطاع إنشاء لوبي دولي يساند أوكرانيا في الدفاع عن أرضها، ويشجب المحتل الروسي. لكن يجب أيضا ملاحظة أن الحرب المسلَّحة على الأراضي الأوكرانية شملت أيضا حربا إعلامية ضارية بين المعسكر الروسي والمعسكر الغربي؛ حيث كان كلا الجانبين يعملان على استمالة الرأي العام العالمي. ولقوَّة كلا المعسكرين، لوحظ وجود انشقاق في الرأي بين مؤيِّد ومُعارض، وكعادة متابعي الإعلام الرقمي الذي يسعى إلى «الترند»، سرعان ما خبت أضواء هذا الصراع عند اندلاع الحرب في السودان.
ويلاحظ أن الحرب في السودان بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، على الرغم من اهتمام وسائل الإعلام العالمية بها في أوَّل الأمر، إلَّا أنها لم تستطيع تسويق نفسها دعائيا، مما جعل ما يحدث بها شأنا داخليا لا يلتفت إليه العالم، وقلَّما يتم ذكره. علما بأن ما يحدث في السودان حاليا هو مجزرة بكل المقاييس؛ فلقد أجهزت قوات الدعم السريع على المدارس والمستشفيات، وقضت على المصالح الحكومية والقطاع الخاص، وتم نهب البنوك والودائع العينية داخلها، أضف إلى هذا اغتصاب النساء والأطفال، وعلى الرغم من كل هذا، لا يعي الرأي العام العالمي خبرا عمَّا يحدث هناك.

وعلى النقيض، ظهرت حرب «طوفان الأقصى» تساندها في مسارها الآلة الإعلامية لهذه الحرب. فسالفا، كان المنوال المعتاد في جميع الصراعات الضارية السَّابقة هو ما يتسرَّب للعالم من بعض المشاهد المكرورة لمعاناة الشعب الفلسطيني، بعد الاعتداءات الإسرائيلية، التي غالبا لا يلتفت لها العالم الغربي لأنها تخاطب بشكل أساسي المجتمع العربي وتشابه في كثير من الأحيان شكل معاناة شعوب افريقيا السوداء والصراعات الدائرة فيها، التي وسمت بكونها مألوفة على شعوب لم تتغيَّر طبائعها منذ أن تم استعمارها على يد الغرب منذ أكثر من قرنين من الزمان ولم تخرج من هذا الإطار حتى بعد تحررها. المختلف في عملية «طوفان الأقصى» هو توظيف حركة حماس وحدة إعلامية؛ فبعد أن كان الغرب في بداية الأمر يجعل أخباره يتصدَّرها عنوان «إسرائيل في حالة حرب» تغيَّر الأمر حاليا، وأصبحت العناوين الرئيسية وشريط الأخبار، حتى في المحطات التلفزيونية الأكثر محاباة لإسرائيل، «حرب إسرائيل وغزَّة» أو «حرب إسرائيل وحماس»؛ فقد تغيَّرت اللهجة ووسيلة الإعلام عن الأمر؛ بفضل الزخم الشعبي العالمي، الذي يندد بمحاباة إسرائيل وإغفال شعب مقهور منذ نحو 75 عاما.
ولم يكن الأمر خافيا على الصهاينة، الذين يستهدفون الصحافيين ويمنعون صحافيي الغرب من متابعة الصراع؛ فالمقرر كان الاكتفاء بالمعلومات التي تقدمها لهم قوَّات الاحتلال، كما عهدوا على الدوام، لكن الجديد كان استخدام سلاح الإعلام الرقمي، ونشر المحتوى عالميا؛ فأصبح ولأوَّل مرَّة لا يتحدث العالم العربي إلى نفسه، بل ناشد الرأي العام العالمي؛ ما سبب زخما دوليا ودعوة من الشعوب لوقف هذا الصراع الدامي الذين يصفونه بأنه وصمة عار على العالم المتقدِّم. والأكثر من ذلك هو البحث في ثنايا التاريخ عن دولة فلسطين وجذورها الثقافية، وفي إحدى حلقات النقاش مع صحافيين دوليين في قناة «فرنسا 24» قال صحافي سويسري إن من أهم مكاسب حماس حذف صفة «جماعة إرهابية» عند ذكرها في الصحف. وشكك صحافيون غربيون آخرون في مصداقية صحافة جيش الاحتلال، ونددوا بعدم السماح لهم بمتابعة الأمر على الأرض.
لطالما كانت الآلة الإعلامية على مرّ العصور أداة فاعلة، لكنها في العصر الحديث هي سلاح أثيري ضارٍ، والفائز هو من يعلم كيفية استخدامه، حتى لو خسر على أرض المعركة.

 كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية