روبيك روزنتالهذه الايام تنكشف على الجمهور بروتوكولات مداولات حكومة اسرائيل فور حرب الايام الستة. وسيجري الحديث عن هذه البروتوكولات كثيرا. فمنذ الايام الاولى تنكشف فيها بذور مشاكل المستقبل. ولشدة الاسف، فان المشاركين في المداولات غير جديرين بكثير من الثناء. حيث تكاد كل توقعاتهم تحطمت على صخرة الواقع واسرع مما اعتقدوا. صحيح أنه لا توجد في المداولات أجواء النشوة التي تميزت بها ايام الانتصار العظيم، ولكن يوجد فيها قصر نظر، سلوك حسب احساس البطن، وبالاساس تجاهل متواصل للجانب العربي وقوته. صحيح أنه بعد الايام الستة كان صعبا على المرء أن يشعر بالتقدير للقدرات العربي، ولكن قليلا من رؤية المولود كان مطلوبا مع ذلك من قادة الدولة. يجدر بالذكر أن الحديث لا يدور عن حكومة يمينية بمقاييس اليوم. كل الاعضاء فيها، باستثناء مناحيم بيغن، هم ممن يسمون اليوم ‘يساريين’. ولكن روح النقاش كان يقودها اثنان، لم يكونا منسجمين على نحو ظاهر. يغئال الون وموشيه ديان، أميري البلماخ. وكانت الروح واحدة: كل ما احتل في الحرب هو من الان فصاعدا لنا، سواء لاغراض الاستيطان ام لاغراض الامن. صحراء سيناء، او على الاقل القسم الاكبر منها هي ذخر استراتيجي لا ينبغي التفكير باعادته. قطاع غزة سيكون جزء لا يتجزأ من دولة اسرائيل، وحسب ليفي اشكول فانه ‘لنا منذ عهد شمشون الجبار’. صحيح أننا لا نزال لا نستوطنه، ولكن حسب الون يمكن البدء بجيوب الاستيطان في الخليل وفي غوش عصيون. من يحتاج الى الحاخام لفينغر عندما يكون يغئال الون في المنطقة؟ بيغن عبر عن مواقف حركة حيروت التقليدية بشكل قاطع وواضح، ولكن لا يبدو أن احدا ما تجرأ على الجدال معه علنا. اعضاء الحكومة شعروا بعدم ارتياح من الاثر الدولي لروح المداولات، ولهذا فقد انشغلوا أيضا بصياغة القرارات التي تتلاءم مع مؤسسات الامم المتحدة، والتي تتحدث عن انسحاب وحدود متفق عليها وآمنة للطرفين. وحسب البروتوكولات، كانت هذه قرارات لاغراض التسويق والدبلوماسية. النقاش الجماهيري الوحيد الذي ثارت فيه خلافات كان بالنسبة للضفة الغربية. زلمان اران، موشيه كول وآخرون رأوا على الفور بانه في الاحتفاظ بالضفة وسكانها تكمن بذرة الدولة ثنائية القومية. ولكن امكانية التعاطي مع هذه الاماكن كوديعة الى حين ايجاد حل والامتناع عن كل خطوة ضم لم تطرح تقريبا في النقاش. وبدلا منها تحول النقاش الى انشغال بـ ‘مسألة اللاجئين’، ومن هنا الامكانية في أنه اذا ما اعترف بكل السكان كلاجئين، فسيكون ممكنا ايجاد حل لهم مناسب وبعيد في صيغ مختلفة بل وربما ارسالهم الى الجزائر. الحكومة اياها، أم حزب العمل ‘اليساري’ اليوم، لم تتوقع تقريبا اي خطوة تاريخية نشأت عن تلك الحرب: مصر لم تسكت الى أن استعادت لنفسها سيناء بثمن دموي فظيع؛ قطاع غزة ‘الحيوي’ اصبح لعنة سياسية وديمغرافية لدرجة أنه لم يعد مفر غير تركه في أشد الظروف بالنسبة لنا؛ ‘اللاجئون’ أصبحوا ملايين الفلسطينيين الذين لهم قيادة سياسية وهويتهم الوطنية آخذة فقط في التعزز، ‘جيوب الاستيطان’ اصبحت حركة استيطان واسعة المدى وقوة سياسية لا تتيح التوصل الى أي حل سياسي.
ستقولون انه لم تتوفر في شروط الضغط الزمني في حينه امكانية رؤية الامور بوضوح وأننا كلنا نكون حكماء بعد أن يفوت الاوان. يجدر بالذكر أنه كان هناك غير قليل من الاشخاص الذين حذروا من طريقة التفكير هذه، وأحد لم ينصت اليهم. يجب ان نفهم بان المسؤولية الكاملة عن الوضع الذي نعلق فيه اليوم، حيث لا افقا سياسيا ولا مستقبلا واضحا لحركة الاستيطان بمعنى الاسوأ بين كل العوالم تقع على قادة مباي. والتاريخ لن يعطيهم أي تنزيلات.
معاريف 25/6/2012