الهاجس الفلسطيني: هل توجد «مسائل» في الثقافة السياسية العربية المعاصرة؟

يواجه استخدام اللغة العربية المعاصرة صعوبات كبيرة في ضبط المصطلحات والمفاهيم ودلالاتها، فالنسخة الحالية من العربية الكلاسيكية، بوصفها لغة كتابة وتعليم وإعلام، وحتى إنتاج أكاديمي، تطورّت بالتفاعل مع اللغات الأوروبية، عبر الترجمة أولاً، التي نقلت كثيراً من المفردات، من سياقها اللغوي والثقافي الأساسي، إلى اللسان والكلام العربي، وبالتالي فعندما نحتاج إلى ضبط معنى كثير من المفاهيم المستحدثة، التي نريد مناقشتها أو نقدها، فيجب أن نستخدم لهذا الغرض لغة أوروبية ما، بوصفها «ميتا لغة» أي لغة ورائية، تعمل على تحديد «حقيقة» أو «ماصدقية» العبارة التي نتداولها، وتساعدنا على فهم ما الذي نتحدّث عنه حقاً، فلا يضيع بين أخذ ورد، خاوٍ من أي معيار.
هذه الصعوبة، التي تحكم لغتنا، وبالتالي تفكيرنا، قد تكون لها انعكاسات سياسية مهمة، عندما نريد مناقشة موضوع بأهمية وتأثير «القضية الفلسطينية» التي تنبني عليها منظومات أيديولوجية وسلطوية وإعلامية كاملة في بلداننا. استخدام لفظ «قضية» حالياً مختلف عن استخداماته القديمة في المنطق والفقه الإسلامي مثلاً، وربما الأجدى، لفهم المقصود منه، الاستعانة بترجمته الإنكليزية الأكثر احتمالاً، وهي Cause، التي تعني، في استخدامها الاجتماعي والسياسي، مبدأً أو هدفاً يلتزم به المرء، ويكون مستعداً للدفاع عنه، وبالتالي يشير اللفظ إلى مجموعة مستقرة من الأفكار والرموز والعقائد المحددة بوضوح، والقادرة على التأثير العاطفي والوجداني في حاملها، الذي يلعب دور المحامي والمقاتل، للدفاع عن قضيته.

إلا أن أي «قضية» لا تنشأ وتتحدد بشكل طبيعي أو بديهي، فيجب أن تمرّ أولاً بمراحل تأسيسية، حتى تكتسب شكلها الفكري والوجداني الراسخ، ثم تمرّ بتطورات كثيرة، قد تغيّرها وتغيّر حامليها، وهنا يصبح مطروحاً إعادة النظر بكثير من مقولاتها وتحديداتها، وإعادة تأويلها بما يتناسب مع ما تغيّر في حياة البشر. هذا يعني نزع بديهيتها إن صح التعبير، ووضعها في سياق الظروف والقوى والمنظورات الثقافية التي شكّلتها تاريخياً، لكنّ هذا متعذّر في الثقافة العربية المعاصرة، ليس فقط في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، بل تجاه أي قضية أخرى، مثل الروايات الرسمية عن نشأة الدول؛ ممارساتها وحروبها؛ التحرر الوطني؛ الهوية الجماعية؛ مصادر التشريع؛ قضايا الدين والعرف و«ثقافة المجتمع». تبدو الثقافة السياسية العربية المعاصرة مرهقة بقضاياها، وتتعامل مع كل ظواهرها بوصفها بديهيات، أو نتائج طبيعية لحقائق ثابتة. لماذا لا نملك إلا «القضايا»؟ بل لماذا لا نستطيع حتى تجاوز القضايا القديمة، وإنتاج أخرى جديدة؟

مشكلة الشفوية

قد يمكن تقديم إجابة تقليدية عن التساؤلات السابقة، وهي أن القضايا التأسيسية في المجتمعات العربية مستمرة لأنها لم تُحل بعد، فلا التحرر الوطني وصل لأهدافه، بإقامة «ديمقراطيات شعبية» غير تابعة للدول الاستعمارية؛ ولا النهضة والتنمية تحققتا؛ ولا فلسطين تحررت؛ ولا حتى «الأمة» وجدت مستقرها في الدول الوطنية القائمة، وبالتالي فإن طبقات وفئات متعددة، ستظل تحمل تلك القضايا، بسبب معاناتها من الأوضاع القائمة، وعلى رأسها الديكتاتوريات التابعة والاحتلال والتفاوت الاجتماعي. إلا أن هذه الإجابة ليست مقنعة على الإطلاق، لإن العجز عن الحل دافع أكبر لتجاوز القضايا، التي لم تنتج إلا الفشل. أليس من الممكن أن يكون السؤال المؤسِّس لـ»القضية» خاطئاً، ولا يؤدي لنتيجة؟

البحث عن الخطأ في العقل المنتج للقضايا الفاشلة قد يكون غير مفيد بدوره، إذ تفترض مقولة «العقل» وجود منطق أو بنية أو روح، مولّدة دائماً للأفكار والرؤى نفسها، ومن المستغرب ألا يتغيّر منطق أو بنية خلال عقود طويلة، أما «الروح» فيمكن أن تنصرف وتتلاشى، ولا يمكن مناقشة وجودها جدياً. يبقى إذن البحث في القوى الاجتماعية المتحرّكة، التي تنتج منطقاً معيناً، ضمن بنى، فيها تناقضاتها بالتأكيد. وربما كانت الأنظمة السياسية القائمة، سواء كانت دولاً أو أشباه دول أو حتى ميليشيات، ميداناً أكثر مناسبة للبحث عن إجابات، فـ»القضايا» المذكورة سابقاً هي قضاياها بالنهاية، تبني عليها روايتها الرسمية، وتؤكدها عبر أجهزتها العنيفة والأيديولوجية.

مع ذلك، فإن لوم الأنظمة لا يكفي، إذ يبقى سؤال: لماذا لم تطرح المعارضات، أو أي قوى اجتماعية مستقلة، روايات وقضايا بديلة؟ هنالك جواب نجده في أعمال عدد من المؤرخين الاجتماعيين لمنطقتنا، وهو أن نمط التحديث، ومنذ النصف الثاني من القرن الماضي، ربط دائماً قطاعات واسعة من السكان بأجهزة الدول، ومنع نشوء فئات اجتماعية مستقلة نسبياً عنها، بمصالحها وثقافتها وتنظيماتها؛ كما ساهم في إعادة إنتاج البنى الاجتماعية، الموصوفة بالتقليدية، مثل العشيرة والعائلة الأبوية والجماعة الريفية، في إطار علاقة اعتمادية على الدولة، وعبر عمليات مثل «التطييف» و«التفليح» ضمن شبكة من العلاقات المسمّاة بـ«الزبائنية».

يمكن انتقاد بعض مفاهيم هذا التأريخ الاجتماعي، لكنه ما يزال قادراً على تفسير كثير من ظواهر «اجترار» خطابات السلطة؛ وحقيقة أن ما تطرحه المعارضات ليس أكثر من مزاودة على الدولة، سواء في تحررها الوطني، أو نزعتها الاجتماعية أو إسلامها. لكن يبقى هناك جانب مهم لفهم هذه الحالة أكثر، قد يكون مرتبطاً بظواهر «التطييف» و«التفليح» و«الزبائنية» المذكورة أعلاه، وهو الشفوية، وليس المقصود بها أن كل الخطابات والمفاهيم و«المعارف» تنتقل شفوياً بالضرورة، لكن أن تطوّر اللغة العربية المعاصرة، في هذا الظرف التاريخي، أكسبها ضعفاً مفاهيمياً ودلالياً متأصّلاً إلى حد كبير، فسواء في الثقافة الاختصاصية أو الجماهيرية، نشهد فوضى في استخدام الألفاظ والمصطلحات، وضبط ترجماتها، بما أن أغلبها مترجمة، وبالتالي فكثير من المفاهيم، ذات الحمولة الدلالية والتاريخية الكبيرة، صارت تستخدم كزخارف في سياق بلاغة مُتناقلة، ولا مستند أو نص مرجعي، يمكن العودة إليه، لفهم ما تعنيه بالضبط، وما معايير صحتها وخطأها، فشلها ونجاحها، انتصاراتها وهزائمها؛ بل حتى الدلالات المحتملة لقيمها المتداولة، مثل «حرية» أو «كرامة» أو «عزة». ما يجعلها ذات طابع شفوي، حتى لو كانت مكتوبة، ويجعل معارفها أقرب لروايات متداولة بالتواتر. كيف يمكننا أن نراجع وننتقد قضايانا في ظرف سياسي واجتماعي ولغوي كهذا؟

مسألة فلسطينية؟

مرّت «القضية الفلسطينية» بكثير من التغيّرات، التي تجعل من إعادة النظر بمعظم مقولاتها أكثر من مجرّد ترف نظري، فبعد ممارسات الأنظمة الديكتاتورية، التي تبنّت «القضية»؛ وتعثّر مسارات الحرب والسلام؛ والانقسام الفلسطيني؛ و»الربيع العربي» وحروبه في سوريا واليمن وليبيا؛ والبروز المروّع للنزعتين الجهادية والميليشياوية، لم تعد تلك القضية متناسبة مع الواقع السياسي والاجتماعي لمعظم أهالي منطقتنا، رغم هذا تستمر، وتحتل موقعاً مركزياً في المخيّلة الأيديولوجية العربية، وتحرّك قطاعات واسعة من الناس.
ربما كان الأسلوب الأمثل للتعامل مع «القضية» في هذا الشرط، هو تحويلها إلى «مسألة» والمفردة الأخيرة قد تكون الترجمة الأفضل لـ«Question» بالإنكليزية أو «Frage» بالألمانية، وهي لاحقة أضيفت، في التقليد السياسي الأوروبي، إلى مواضيع شديدة الإشكالية، تفرض نفسها بقوة على كل تفكير عام، وتؤدي إلى نزاعات شديدة، وجدل محتدم؛ في محاولة لإنتاج إجابات وحلول ونظريات حولها، مع عدم تحويلها إلى مذهب متكامل، أو «قضية» مغلقة وراسخة لحامليها. من أهم أمثلة «المسائل» المسألة القومية Die nationale Frage وتفرّعاتها، التي كتب فيها عشرات المفكرين منذ القرن التاسع عشر؛ والمسألة اليهودية Judenfrage .
تحوّل فلسطين إلى «مسألة» يتيح إعادة طرح إشكالياتها، بما يتناسب مع الشرط الفلسطيني والعربي الحالي، ويساهم في تفكيك بنى القمع والتعصّب، التي تمنع إيجاد حلول وآليات فعليّة للتعامل معها، وهي بنى معادية في العمق للفلسطينيين والعرب. وربما من أولى علامات الاستفهام، التي تطرحها «المسألة الفلسطينية» هي لماذا يجد مئات ملايين البشر، ومن المغرب حتى إيران على الأقل، أنفسهم مضطرين للتفكير بفلسطين؟

الهاجس الفلسطيني

ربما كانت شفوية «القضية الفلسطينية» إحدى أهم أسباب تحوّلها إلى هاجس ضاغط على أذهان كثيرين في المنطقة، فهي حاضرة بقوة في التكوين الذهني للناس، بوصفها عبارات مكتسبة من عشرات الأجهزة الأيديولوجية، مثل التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية؛ وفي الوقت نفسه لا تقدّم كثيراً من المفاهيم، العملية والنظرية المنضبطة، التي يمكن نقاشها والتعامل معها. قد يتعرّض المرء لقمع شديد بسبب «القضية» بل قد يعيش تحت ظل أنظمة وقوى سياسية تهدد سلامته الجسدية، في حال حاد عنها، لكنّه لا يعرف عنها فعليا إلا أنها حق كامل، يُشعره دوماً بالذنب، أو يدفعه للتمرّد العدمي. يجعل هذا «القضية» أقرب لتعويذة سحرية، تُتلى فتتغيّر أشياء كثيرة في الواقع والحياة اليومية، دون أي إمكانية للسيطرة الاجتماعية على مفاعيلها وآثارها.
بهذا المعنى فإن «القضية» صارت مرعبة ومتعالية بشدة على حياة البشر، وأحياناً قاتلة، وربما يجب إعادتها إلى الأرض، وجعلها متناً مكتوباً، يمكن التعاطي معه بعقلانية، وقد يساهم هذا بعقلنة الثقافة السياسية العربية بأكملها.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية