الحوار المرح

من حين لآخر وبعد تأملات عميقة يشير إلينا النص المرغوب فيه، وخلسة نكتشف سؤال الأسئلة، هكذا تبدأ الكتابة، وينطلق جدل الروح حول قيمة وجودنا في هذا العالم القلق، لأننا لا نفهم الوجود إلا في صميم كينونتنا، ذلك أن الوجود ليس مقولة منطقية ، وليس جنسا مجردا كما قال بذلك فلاسفتنا، بل إنه بمثابة طريق يقود نحو كينونة الموجود البشري، ولذلك لا يمكن فهم حقيقة العالم إلا بفهم جدل الموجود والوجود، لكن بأي معنى يمكن للعين أن تجد كينونة الإنسان في صميم اللون؟ وكيف تصبح العين إجابة عن سؤال الروح؟ ولماذا تتوجه نحو الأشياء ذاتها بتحريض من اللون؟ بل كيف استطاع اللون أن يبني فلسفة الفن أنطولوجيا؟
إذا كان مستحيلا أن نتصور العين دون ألوان، أو ألوانا دون عين، فإنه من الضروري أن نقتنع بأن الذوق يدخل إلى الروح عن طريق العين، وذلك بدعم من الجميل والحب، وبما أن العين هي مدخل الروح إلى متعة الألوان، فإنها زينة الجسد وأرقى حاسة فيه، كما قال سقراط، ولذلك فإن غايتها تكمن في إدماج الروح في الفن، إنها ليست سوى ذلك الفكر المختبئ الذي يتحرك بين المرئي واللامرئي إلى أن يجد نفسه في العمل الفني بجوار الحقيقة.
وقد يكون الانبهار أمام الجميل في ذاته، على الرغم من أنه ليس غير تمظهرا حسيا للفكرة، هو المحرك نحو جدل الروح والصورة، كما تركه أفلاطون لورثته، وكذلك نجد هيغل يعترف بأن أصل الاستيطيقا يعود إلى فلسفة أفلاطون، لأن جرأته على طرد شعراء المحاكاة هي بمثابة بداية للنقد الفني، ومهما يكن من تحفظ بصدد هذا الكلام، فإن أفلاطون لم يكن مجرد متفرج على ولادة المعنى في مجال الفن، لأنه إذا كان الأمر كذلك، فإن الإنسان سيكون مرغما على العيش داخل المعنى دون أن ينطق به ما دام أنه يجهله. بيد أنه في فينومينولوجيا الروح نتعلم كيف نرقص على إيقاع المعنى واللامعنى، هكذا نسافر إلى المعنى عبر ما يعنيه. فعودة الروح إلى ذاتها معناه أنها بلغت مقام الفن، خاصة فن الرسم الذي يحتل مكانة مهمة في نسق الفنون، لأنه يرتبط بعالم الظواهر التي يعيد إنتاجها، هكذا يلتقي الرسام بالفيلسوف، إنهما مولعان بالجميل ويريدان اصطياده بالمطلق، فالفن لا يتحقق إلا في المطلق مثل الحرية.
شيئا فشيئا تتضح الرؤية أمام هذا الكتاب الذي يريد كل شيء، مما سيحرمه من اللاشيء، لأن الكتب السعيدة هي التي ظلت دون هدف، ومنذ البداية يتحدد مصيرها، انطلاقا من تلك اللعنة الديكارتية فكلما أصبحت الرؤية تعبيرا نابعا عن الروح، كانت معبرة عن سعادة صاحبها فقط، لا يهمه ثناء العامة، لأن العامة لا يقرأون ولا يفهمون. ومن أجل تعميق أسئلة الروح لا بد من الاعتماد على تيه العين، فينومينولوجيا العين حين تستقر في تلك الأعمال العظيمة التي ستجعل الكتاب يعشق الكتابة من خلال شغفه بهذه الأعمال، كما يقع للطفل عندما يستوعب المعنى السعيد للابتسامة قبل أن يمتلك ابتسامته الخاصة. والحال أن لوحات الرسام توجد هناك ماثلة أمامي تريد ان تهب نفسها، لكنها تتردد، ولعل هذا ما يجعل اللامرئي ينصهر في المرئي، بلغة ميرلوبونتي. مما يحكم على الأشياء جميعها بأن تصبح لاجئة في الهدوء والسكينة، إلى درجة أنها تفقد رؤيتها، هكذا تنشأ حميمية بينها وبين الفنان الذي يسعى إلى استغلالها في إبداع المعنى.
الفيلسوف مهما تاه عن الحقيقة، فإنه يظل هو المكتشف لماهية العمل الفني، ومن خلاله يستطيع تفسير العالم أو تغييره، من أجل تعميق اندماج الموجود في الوجود، فبقدر ما يسكن الفيلسوف في أسئلته، بقدر ما يختبئ الرسام في لوحاته، على الرغم من أنها ترغمه على العمق، إذا كان يرغب في اكتشاف جوهر وجوده في العالم، ويتجه نحو نداء كينونته.
وفي الحقيقة أن الرسم هو عالم الرسام، والألوان هي رؤيته، بيد أنه لا يعرف مصدر جمالية لوحاته، بل إن ما يعرفه هو القلق الأبدي الذي يحرضه على الرسم، والعودة إلى لحظة الحنين، يتذوق فيوضات الألوان، متسللا إلى بهائها، واختطافه من أجل إسعاد عشاق لوحاته، لا يهمه نقل الأشياء إلى فضاء اللوحة كما تلمسها العين، بل كما يحددها الروح، فالعين الحسية ليست سوى خادمة لعين الروح التي هي بمثابة بوابة مشرعة على الفكر.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية