البحث عن الغرب!

لقد كشفت الأحداث الأخيرة في غزة عن تبلور أزمة لدى البعض من حيث التعامل مع العقل الغربي، وقيم وجوده، إذ لا يقتصر البحث على ما يتصل بالوعي السياسي أو المؤسساتي، إنما على ما يتصل بالبنى العميقة والتاريخية من ناحية الافتتان أو الرفض المطلق للغرب، وفي كلا الحالين فإن هذا يشي بمعضلة قد أتى إدوارد سعيد على معالجة بعض جوانبها، ولاسيما من حيث توفر نماذج تاريخية تكشف لنا عن عوار معرفي عميق يتعلق باكتناه الغرب، فكما هو معلوم، فإن الغرب كان على الدوام المصدر الأكثر تصديراً للفكر المنحرف والعنيف، كما أنه ارتبط بالضرر الأكبر الذي طال البشرية بدءاً من مرحلة الاستعمار الاستيطاني الذي تسبب بإبادة السكان الأصليين مروراً بالتجربة الاستعمارية الحديثة التي بدأت في القرن السادس عشر- كما أتى عليها كتاب «الاستعمار ـ الكتاب الأسود» تحرير مارك فرو – وليس انتهاء بإطلاق الحربين العالميتين، وما صحب ذلك من انتشار أفكار فاشية ونازية، علاوة على استخدام السلاح النووي، غير أنّ هذا لا ينفي أثره العلمي والثقافي الذي يعدّ أيضا جزءاً من احتياج الآخر له؛ ما يعني أننا إزاء كيان يحتمل وجهين متناقضين: الأول ينطوي على بعدين: علمي وحضاري، لكن في المقابل ثمة وجه أكثر قتامة، سبق ذكره، ومن هنا تبرز معضلة كيفية التعامل مع هذا النموذج الجدلي.
يطرح المفكر الفلسطيني هشام شرابي، رأيه حول قدرة اليابان على هزيمة روسيا سنة 1905 نتيجة اعتمادها على معالجة قوامها توظيف العلوم الغربية بالتوازي مع الأخلاق الشرقية، لكن هشام شرابي سرعان ما يتساءل عن عجز العرب عن تحقيق هذه المعادلة، كما في كتابه «المثقفون العرب والغرب» وتحديداً في الفصل الثامن المخصص لهذه المعضلة.
لا شك في أن انحياز الغرب، ومعاييره المزدوجة يبدو مزعجاً، أو مربكاً، من منطلق مطالبتنا إياه بأن يكون أكثر توازناً، ومن هنا فنحن نرفضه حيناً، ونهرول إليه حينا آخر، هكذا تبدو مواقفنا مبنية على الحدث الآني، وليست مبنية على فلسفة واضحة تعتمد التوازن، ومع ذلك، فلا يمكن هنا أن نجعل كيانه الكلي قيمة متجانسة، فثمة تمايز بين المواقف على مستوى الدول، كما ثمة تمايز بين الرأي العام في جزء منه، والحكومات المرتهنة لمصالحها الخاصة، غير أنّ معضلة ذلك الارتهان الكلي للغرب على مختلف المستويات يتصل بنموذج نفسي اختبر جانباً محدوداً منه جورج طرابيشي، غير أن العقل العربي لم يتمكن إلى الآن من تطوير علاقة تنتمي إلى نوع من تجاوز مركزيته التي تعني إرثاً كبيراً من الخضوع للمركزية الأوروبية والغربية عامة، وهنا أتحدث عن علاقة تاريخية عميقة الجذور تبدأ من إرث الدولة الرومانية، وما أعقب ذلك من نزاع في سياق الحروب الصليبية، كما فعل التجاور المتوتر إبان الوجود العربي في الأندلس، وصولاً إلى العصر الحديث.
وتبقى الحقبة الاستعمارية الأكثر تكريساً لهذا الوعي الذي بدا نوعاً من الانبهار بالغرب من قبل المستويين المؤسساتي والفردي، مع تأكيد تطور نموذج جدلي رافض لهذا الانبهار، غير أنّ الإشكالية التي برزت بأننا دائماً ما نجعل من أزماتنا رهينة هذا الموقف، بل في بعض الأحيان ننتظر الحلول من الغرب، ونكرس وجودنا في مراقبة أثره الفاعل، في حين أن إرادتنا مشلولة أو كسيحة… إما بداعي نقص في آليات الفعل على المستوى العلمي أو الحضاري أو الفكري، وإما بداعي رغبتنا في التماهي مع الغرب والاستسلام له بالكلية، أو حتى الارتماء في أحضانه، والتنكر للقيم الذاتية أو المشتركة على مستوى المنطقة العربية.
في معظم الخطابات المتصلة بالأحداث الأخيرة نرى أن الخطاب العربي من لدن الساسة العرب يتوجه إلى المجتمع الدولي، لكن في الحقيقة فإن الخطاب يكون موجهاً للغرب، الذي يحدد مصائر وجودنا، بل هم يتوجهون لدولة بعينها في المقام الأول، ونعني أمريكا، ومن ثم أوروبا، وغالبا ما تتملكهم لغة أو عبارات منها: نطالب، وندعو، وندين، ونشجب… وهي مفردات تنم عن ذات كسيحة مشلولة، وهكذا يبقى السؤال الأكثر أهمية… ألسنا جزءاً من هذا الذي يدعى «المجتمع الدولي»؟
تبدو الإجابة واضحة، لكن المشكلة تكمن في غياب الأثر، كما الأدوات القادرة على التغيير نتيجة تجزؤ العقل العربي، ورفضه لقيم التعاون القائم على المصالح على عكس الغرب الذي يعدّ ذلك التعاون سر وجوده؛ ولهذا فإن الفاعلية تبقى منوطة دائما بالآخر، في حين نتجاهل الأدوات التي يمكن التعامل معها، وهي كثيرة، لكنْ ثمة عجز كامن في الوعي، ودائما ما نبحث عن حلول من الخارج على مستوى الأزمات الداخلية والخارجية.
حين يأخذ الغرب موقفاً ما تجاه قضايانا، فإننا نسارع إلى مهاجمته، وتقصي مواقفه، لكن ينبغي أن ندرك أن الغرب في النهاية لديه مصالحه الخاصة، بل يعمل دائما لصالحه، وليس معنياً بأن يكون عادلاً أو قيمياً أو أخلاقياً، بل إنه دائما ما يفكر بوعي جمعي لقضاياه في سياق تكاملي، أو توافق شبه كلي، وما ترويج مقولات القانون والعدالة والإنسان، سوى أدوات يوظفها لمصالحه الخاصة كي يجد مبررات لأفعاله تجاه الشعوب الأخرى، غير أن الفعل الحقيقي يجب أن يتصل بالذات العربية التي عليها أن تتوقف عن هذه الاتصال المحموم بكل وقائع الغرب، وأن تشرع بالتفكير بمدى أقرب إلى الذات على مستوى التحرر من هذا الانبهار أو الرفض، ما يعني أننا نحتاج إلى تطوير وعي ينهض على التخلص من الوصاية الداخلية التي تصوغ الذات كي لا تكون خاضعة لأهواء لا عقلانية، فالعقلية العربية مسكونة بالنبذ بالكلية للغرب أو بالإعجاب المطلق، فهي لا تبحث عن حقيقة الذات عينها، ومن هنا ينبغي أن نتحرر من كل تبعات ما خلقه الغرب من تمثيلات تجاه وعينا.
ولعل العقل العربي أو الإسلامي في أوج ازدهاره لم يكن معنياً بهذا التكوين التناظري مع الغرب في مراحل من تكوينه، وإن حصل هذا التناظر فإنه سرعان ما يُصهر في تكوين الثقافة العربية الإسلامية، ومن هنا ينبغي تطوير آليات للتخلص من تبعية الغرب عبر إجراءات حقيقية على مستوى التعاون المادي.. لا أن يقتصر الفعل على المستوى اللغوي والعاطفي والشعاراتي، كما أشار كثير من المفكرين العرب، ومنهم محمد عابد الجابري.
ختاماً، يجب أن يتخفف العقل العربي من تلك الارتهانات لمواجهة عوائق وجودية، بل إن وعي القرار العربي وقوته غالباً ما يُناط في الاستقواء على بعضهم بعضا، والشواهد على ذلك كثيرة، ما يعني أن العجز يبدو من ناحية واحدة، ونعني ما يتصل بالغرب فقط، ولا شيء سواه، ولا يمكن أن نتجاوز هذه الأزمة إلا إذا آمنا بالذات. ولعل ابن خلدون لم يكن يجانب الصواب حين رأى أن العرب من الصعوبة بمكان أن ينقادوا إلى بعضهم بعضا لوجود العصبية، لكنهم من السهولة بمكان أن ينقادوا للآخر الخارجي، فهذا بالنسبة لهم أفضل من أن يروا أبناء جلدتهم يقودون البعض الآخر، كما أنهم عاجزون عن ابتكار نموذج تعاوني يعتمد التداولية، وتحقيق المصالح المشتركة.

كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية