رام الله ـ «القدس العربي»: بعد أكثر من شهرين على الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة ما زالت خطط وأحاديث التهجير حاضرة بالنسبة لقادة الاحتلال الإسرائيليين، وكان آخر الممارسات التي تدلل وتحمل إشارات على ذلك ما قام بتعميمه الجيش الإسرائيلي من خريطة تقسم قطاع غزة لمناطق ويطالب السكان بالنزوح عن مناطق الحرب.
وانتشرت الخريطة الزرقاء ذات المربعات غير المحدودة والتي تقسّم القطاع إلى مناطق، بعد استئناف الحرب بعد هدنة قصيرة امتدت على مدى 7 أيام، حيث تم الطلب من السكان بالنزوح عن مناطق القتال، وفق ما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية.
وكان الجيش الإسرائيلي قد وزع منشورات في خانيونس ومناطق مجاوره تطلب من السكان ترك منازلهم باتجاه معبر رفح، وهو ما رآه خبراء ومراقبون بإنها محاولة جديدة «من تجديد فكرة تهجير سكان قطاع غزة باتجاه سيناء».
وكان المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية «مسارات» قد نظم محاضرة بعنوان «الحرب على غزة وخطط التهجير في الفكر الصهيوني» قدمها أنطوان شلحت، الباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» وذلك بمشاركة أكثر من 60 مشاركًا.
وخلال المحاضرة كثف شلحت، الحديث عن مخططات التهجير التي يرى أنها ما زالت حتى اللحظة حاضرة مع عودة القتال في القطاع.
ورأى شلحت أن فكرة التهجير موجودة في منبت عقل القيادة الإسرائيلية منذ بداية المشروع الصهيوني، مشيرا إلى أن الحديث انتقل من خطط تهجير جماعات كبيرة إلى تخفيف الكثافة السكانية وهو حديث يجمل كل موضوع التهجير.
وتابع: «ماذا سيجري في القطاع؟ لا نملك إشارات كثيرة للإجابة على هذا السؤال. لكن الاحتلال جاد في الاستمرار بالحرب لتحقيق أهدافه الثلاثة، لكن يبقى السؤال حول أن تحقيق الأهداف ليس مرهونا فقط بما تقوم به إسرائيل بل بما يترتب على نتائج هذه الحرب التي ما زالت في مراحلها الأولى، فالتقارير الإسرائيلية تشير إلى أن المقاومة استخدمت نسبة ضئيلة من قدراتها، وهناك شبه اجماع إسرائيلي أن المعركة في جنوب غزة ستكون أشد وأكثر ضراوة».
ورأى أن «التهجير سيظل مطروحا على بساط هذه الحرب لكنه غير مرهون بالقرار الإسرائيلي فقط».
واعتبر شلحت أن الحرب على غزة الحدث الذي عمل على إعادة مسألة التهجير إلى الواجهة من جديد؛ إذ أشار إلى أن وزارة شؤون الاستخبارات الإسرائيلية أصدرت وثيقة رسمية بعد الحرب بأيام بشأن السكان في قطاع غزة، وكان من ضمن الخيارات تهجير السكان إلى شبه جزيرة سيناء، إلى جانب خيارين: بقاء السكان والسيطرة عليهم. ومن وقف خلف هذه الوثيقة «منتدى كوهين».
وتحدث عن آخر مظاهر الترانسفير في الشهر الماضي حيث كتب عضوا الكنيست الإسرائيلي رام بن باراك (مسؤول سابق في الموساد) وداني دانون (سفير إسرائيل السابق في الأمم المتحدة) مقالًا في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، اقترحا فيه التهجير الطوعي لسكان قطاع غزة إلى دول العالم، وخاصة دول أوروبا.
وتحدث عن أن هناك سجالا وجدلا رافق نشر المقال، حيث كتب أحد المعلقين وهو دانييل بايب الذي أيد المبادرة لكنه تحفظ على نقطة فيها، معتبرا أن الغرب ليس مكب نفايات للفلسطينيين كي يتم ترحيلهم إليه، وطالب بأن يتم الترحيل إلى الدول العربية.
وشدد على ان ما يلاحظ أن الاعتراف بالنكبة ليس من أجل التعبير عن الإحساس بالذنب إنما من أجل التعاطي معها باعتبارها حدثا جيدا أسهم في تأسيس الدولة اليهودية، وهو أمر يترافق مع حضور متزايد لمصطلح النكبة الجديدة على لسان القادة الإسرائيليين.
كما تحدث عن تصريح لقيادي في حزب الصهيونية الدينية اراييل داد، الذي وصف غزة بـ«الدمل» الذي يجب استئصاله.
واعتبر شلحت أن أكثر لازمة تتكرر على لسان المسؤولين في دولة الاحتلال مفادها فكرة أن إسرائيل لا تحارب منظمة توصف إنها إرهابية بل دولة كل سكانها هم إرهابيون. وبالتالي الخطاب الإسرائيلي امتد من القضاء على حماس إلى القضاء على حاضنتها الشعبية.
وقال شلحت أن بتسلئيل سومتريتش، صاحب «خطة الحسم» التي يقول فيها إن «الإرهاب الفلسطيني ينبع من الأمل على إضعافنا، فيما المطلوب عمله هو بتر هذا الأمل». وهو يتحدث في كل ما يكتبه ويقوله إلى إن خيارات الفلسطيني ثلاثة: إما التسليم أو الرحيل أو الحرب.
وشدد ان سومتريتش رحب بفكرة بن باراك ودانون، وأوضح أن هناك الكثير من اللازمات التي تتكرر في خطابات سومتريتش وكتاباته، منها: «لا يوجد شيء اسمه دولتين لشعبين» و«أرض إسرائيل لنا ولا يمكن أن تسرق» و«هنا توجد دولة يهودية واحدة ولن تقوم أبدًا دولة فلسطينية» و«غزة جزء من أرض إسرائيل» فضلًا عن أن خطة الحسم التي اقترحها سموتريتش تضمنت الضم.
وحسب شلحت فإن لدى سموتيريتش مقاربات كثيرة أحدثها الترانسفير الطوعي أو الهجرة الطوعية، وهو أكثر مصطلح يستخدم بكثرة عندما يجري الحديث عن التهجير. حيث يقول في أحد مقالاته «من لا يستطيع طرح طموحاته الفلسطينية جانبا سينال منا مساعدة للهجرة للدول العربية أو أي وجهة في العالم».
العودة للماضي
وأمام الحديث عن التهجير في حاضر دولة الاحتلال قام المحاضر أنطوان شلحت بنظرة للماضي للحديث حول كيف يمكن ربط الحاضر بالماضي، حيث تناول المؤرخ توم سيجف الذي قال إنه منذ أول يوم في مشروع الحركة الصهيونية كان يدرك القادة في وعيهم التام أنهم سيواجهون مقاومة عربية، حيث سميت بـ«المشكلة العربية».
وقال إن الحركة الصهيونية شهدت نقاشات ودراسات بين ترحيل العرب إلى مناطق بعيدة، وإنشاء دولة ثنائية القومية (نقاش هامشي) وكذلك اختبروا كل احتمالات التقسيم. لكنهم اجمعوا على مبدأ أساسي وهو أرض أكثر وعرب أقل. وهو مبدأ كان يتضمن فكرة التهجير.
ورأى أن الحركة الصهيونية درست العلاقة بين الجغرافيا والديموغرافيا، وعملت على حوصلة الجغرافيا حسب تعبير المفكر عبد الوهاب المسيري، أي تحويلها لوسيلة من أجل تثبيت الأكثرية الديموغرافية.
وتطرق شلحت إلى خطط الضم في الفكر الصهيوني منذ النكبة؛ إذ كان هناك الكثير من الأفكار التي طرحت حول التهجير، وأطلق عليها الكثير من التسميات، ومنها «تبادل المناطق» وأوضح أنه في أيار/مايو 1980 قال أهارون ياريف (جنرال ورئيس شعبة الاستخبارات) «هناك آراء تدعو إلى استغلال حالة الحرب من أجل ترحيل ما بين 700 و800 ألف عربي، ولم تتردّد هذه الآراء على ألسنة المسؤولين فحسب، وإنما أيضًا أعدت الوسائل اللازمة لتنفيذها» وهذا يشير إلى أن المؤسسة الصهيونية ما زالت تفكر بالترحيل كي تحافظ على الدولة اليهودية. وتناول شلحت مقال كتبه رحبعام زئيفي، وزير إسرائيلي وهو من المنادين بفكر التهجير وقد أسس حزب «موليديت» أو «الوطن» بعنوان «الترحيل من أجل السلام» وجاء فيه: «صحيح أنني أؤيد الترانسفير بحق عرب الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الدول العربية، لكنني لا أملك حق ابتكار هذه الفكرة، لأنني أخذتها من أساتذة الحركة الصهيونية وقادتها».
كما تناول بيني مورس في كتابه «تصحيح خطأ» الذي صحح فيه خطأ اعترف به في كل أبحاثه معتبرا أن كل قادة الحركة الصهيونية تصرفوا من خلال الاستلاب لفكرة التهجير التي كانت متغلغلة في عقولهم.
وتوالى الأمر لما بعد الانتفاضة الثانية، حيث نوه شلحت إلى أن مؤتمر هرتسيليا ركز في مؤتمراته بعد الانتفاضة الثانية وحتى العام 2011 على التهديد الديموغرافي للدولة اليهودية، وطرح حلولًا لهذا التهديد، من ضمنها التهجير وتشجيع الهجرة.
وأشار شلحت إلى عدد من الوثائق الأرشيفية التي جرى الكشف عنها أخيرًا، والتي تلقي الضوء على هذه السياسة التي تم التكتم عليها لعشرات الأعوام بوصفها «سِرّ دولة». وآخر ما كتب حول هذه الوثائق مقال عُمري شيفر رفيف، وهو مؤرّخ للصراع الإسرائيلي الفلسطيني و«إسرائيل الحديثة» وهذا المقال هو فصل من كتاب بعنوان «غزة: موقعها وصورتها في الحيّز الإسرائيلي» (2023) وفيه يتحدث عن المخططات التي هجس بها القادة الإسرائيليون بخصوص غزة. وهناك يتحدث عن كل الأفكار ويستعرض وثائق أرشيفية تلقي الضوء على السياسة التي تم التعامل معها على أنها سر دولة.
وأشار إلى عدد من المخططات التي كشفت عنها أرشيفات إسرائيل، وما جاء فيها ما قاله العميد المتقاعد إسحاق بونداك، الذي كان في 1967 ممثلًا لوزارة العمل الإسرائيلية في قطاع غزة، وأصبح لاحقًا الحاكم العسكري للقطاع وشمال سيناء: «هناك من قرّر أنه يجب تفريغ قطاع غزة من سكانه» إضافة إلى ما قاله ليفي أشكول وفق ما اقتبس ذلك المؤرخ توم سيغف في كتابه «1967»؛ إذ قال: «أنا أؤيد مغادرة الجميع، حتى ولو ذهبوا إلى المريخ».
وتطرق شلحت إلى موقف أيلت شاكيد، وزيرة العدل السابقة، التي قالت، في العام 2019 إنها تدعم سياسة تشجيع الهجرة من قطاع غزة. فهي «مصلحة إسرائيل وقسمٍ من سكان القطاع. يجب التخفيف عّمن يرغب بالهجرة من هنا (أي غزة)». وكان ذلك يعني أن التهجير كان مطروحا على أجندة الحكومة التي كانت شاكيد عضوة فيها في ذلك الوقت.
وختم شلحت حديثه بما قاله زئيفي، وهو يلخص مسألة التهجير؛ إذ قال زئيفي: «لقد زعموا أنّ هذه الفكرة (الترانسفير) غير أخلاقية، وبرأيي أنه ليست هناك فكرة أكثر أخلاقية منها، لأنها تحول دون وقوع الحروب وتمنح شعب إسرائيل الحياة. وإذا كانت هذه الفكرة غير أخلاقية فإنّ الصهيونية كلها وتجسيدها خلال أكثر من مئة عام هما غير أخلاقيين. إنّ مشروع الاستيطان في أرض إسرائيل وحرب الاستقلال حافلان بعمليات ترحيل العرب من قراهم. فهل كان هذا أخلاقيًا ولم يعد كذلك الآن؟».
وطرح المشاركون العديد من الأسئلة حول التهجير في قطاع غزة، حيث اعتبروا أن ما منع الاحتلال من تهجير سكان شمال قطاع غزة هو المقاومة وصمودها الأسطوري، فلو انكسرت المقاومة أو الناس في بداية الحرب لحدث تهجير كامل في ظل أن الخطط كانت جاهزة في فترة اندلاع الحرب.
ورأى أحد المشاركين أنه من «العار» أن يظل الفلسطينيون يستخدمون توصيف الواقع على أنه «نظام ابارتهايد» وطالب بضرورة رؤية التهجير على أنه الهدف الإسرائيلي ونتعامل معه على أنه استراتيجية الاحتلال، ويجب ان تترتب على ذلك استراتيجية فلسطينية في المقابل، فما يجري في غزة هو تدمير المجتمع من أجل ان يتم التخلص منه.
يذكر أن صحيفة «إسرائيل اليوم» كشفت عن خطة جديدة يعدها الكونغرس الأمريكي تربط بين تقديم مساعدات مالية كبيرة لعدد من الدول العربية على رأسها مصر، مقابل قبول لاجئين من غزة.
وتقترح الخطة أن يتم تخصيص مليار دولار من المساعدات الخارجية لمصلحة اللاجئين من غزة الذين سيسمح لهم بدخول مصر. ووفق الخطة، فإن على مصر ألا تكون الدولة الوحيدة التي يجب عليها استقبال اللاجئين، بل يكون العراق واليمن ضمن الخطة مقابل نحو مليار دولار من المساعدات الخارجية الأمريكية، وتتلقى تركيا أكثر من 150 مليون دولار.