دروس من العبارة الكورية الغارقة

حجم الخط
1

في صباح السادس عشر من نيسان / أبريل من العام الماضي، استيقظ سكان كوريا الجنوبية على خبر مفجع هزّ كيان الأمة الكورية. غرقت العبارة الكورية (سي وول) وعلى متنها 477 مواطناً أغلبهم من طلاب المرحلة الثانوية أثناء توجهم في رحلة مدرسية نحو جزيرة «جيجو». في ذلك اليوم، لم يعد للمنزل سوى 75 طالباً ممن أنقذتهم نخوة الصيادين في المناطق المحيطة. كنت يومها في مكتبي في جامعة هانسنغ أحضر نفسي لمحاضرتي أمام طلاب السنة الثالثة، حين دخلت زميلتي (د. كيم) وقد غطى وجهها الوجوم، وبدت عليها ملامح الحزن والكآبة جلية. لم يكن هذا غريباً، ولكن ما قالته لي بعد أدهشني حقاً. قالت: «إن كوريا لا تستحق أن تكون أمة متحضرة. هذه غلطتنا نحن أبناء هذا الجيل لأننا خذلنا أولادنا ولم نتمكن من حمايتهم».
إن خبر غرق العبـارة، رغـم فظـاعته، كان بالنسبة لي مجرد خبرٍ آخرٍ عن الموت، وأخشى أني قد قرأت عن الموت حد الإشباع. الأخبار التي تصلني بشكل يومي عن بلدي سوريا هي أشد فظاعة وأقسى على العين. ولكن زميلتي كيم، وهي أستاذة جامعية في أواسط الأربعينيات تجاهد لإثبات نفسها أكاديمياً ولا علاقة لها لا بالبحر ولا بالملاحة، قد أحست بمسؤوليتها تجاه ما حدث وأعلنت عن تلك المسؤولية أمامي.
لم يعن اعتقال القبطان وحل القضية وفهم ملابساتها، لم يعن لها شيئاً، بل ذهبت في فكرها باحثةً عن دورها اللامباشر في الحادثة. وفي تلك اللحظة أحسست كأن صفعة هوت على وجهي لأصحو من ذلك السهو المزمن وأنا أراقب الموت كل يوم حتى أصبح كأنه جرعة سم يومية أكسبت روحي مناعة ضد الشعور الإنساني. إن ميكانيكية التفكير التي أوصلتها إلى نتيجة أنها هي «مسؤولة» عن غرق العبارة بدت لي حقاً مذهلة، ,وأنا ألمس صدق عواطفها بادياً على كل خلية في وجهها المرهق.
دخلت ظهر ذلك اليوم قاعة المحاضرة التي غالباً ما تملؤها حركة وصخب الشباب. المشهد كان مختلفاً اليوم. صمتٌ ووجومٌ يعمّ المكان كغمامة رمادية هائلة. وقفت لبرهة صامتاً لا أدري كيف أباشر درسي، في مشهد بدا لي أقرب للسينما منه من الواقع. هل يمكن أن يكون الحزن صادقاً لهذه الدرجة؟ هل يمكن لحادثة من هذا النوع (في الإعلام الكوري يدعونها كارثة بشكل دائم ) أن تؤثر على المزاج العام بهذا الشكل؟ تعاطفت مع طلابي، وتمنيت أن أعانقهم واحداً واحداً. تمنيت أن أخبرهم عن والديّ الذين يقولون لي بشكل دائم على الهاتف أنهما بخير ، رغم علمي بحجم الدمار المحيط بهم. كيف يقولان لي أن القذيفة كانت بعيدة عنهم، وقد سقطت على بعد بنايتين عن منزلهم. تمنيت أن أثبت لهم أني قادر على الشعور بالألم أيضاً، وأني لست روبوتاً لا يهمه إلا ما يمليه عليهم من معادلات رياضية من عالم آخر.
كانت تلك الحادثة بمثابة زلزال أدخل الشك والأسئلة في قلوب الكوريين عن معنى التطور والحضارة، وعن كيفية بناء أمة متقدمة. بكت رئيسة الجمهورية (الجديدة)، واستقال رئيس الوزراء، وانتحر مدير المدرسة. هكذا انتهت كارثة العبارة الكورية، وهكذا كان حزن الكوريين على تلك الأجساد الغضة التي ابتلعها البحر.
إن التطور الهائل الذي بلغته كوريا في فترة زمنية قصيرة لا بد وأن ترك بعض الثغرات في مسائل تتعلق بالسلامة والمعايير. هذا أمر لا مناص منه. التطور الذي شمل كل المجالات، جاء بعد حرب أهلية قاسية، و نتيجة عمل دؤوب وتضحيات، وليس معجزة كما يصفها إعلامنا العربي عادة.
واليوم، في الذكرى الأولى لغرق العبارة، ماذا تعلم الكوريون؟
كل من يعيش في العاصمة (سيول) على الأقل يستطيع أن يلمس الجهد المبذول في سبيل إصلاح الخلل باستصدار تشريعات ومعايير مشددة تتعلق بالسلامة وأمان المواطنين. ندوات ونقاشات ومظاهرات وقرارات في ذكرى الكارثة. نستطيع أيضاً أن نرى الحزن يعلو الوجوه مرة أخرى، لكن هذه المرة ممزوجاً بالغضب. تقول أمّ فقدت ابنتها: «لا تقولوا أن سنة كاملة مضت. لا تقولوا أن نتجاوز الأمر. نحن ما زلنا نعيش ذلك اليوم».
لكن ما الذي يمكن أن نتعلمه نحن العرب من الحادثة؟ لست هنا بصدد طرح مقارنات شاسعة البون ما بين حادثة العبارة الكورية والعبارات العربية الغارقة في محيطات الهروب. كما لا أود أن أكرر الكلام عن المفارقة البديهية بين الحكومات الديمقراطية والحكومات الأبدية في الدول النامية. لا يهمني ما تفعله القيادات السياسية في حالة كهذه، بما في ذلك السياسيون في كوريا، لأن تصرفات السياسيين تكون غالباً مدفوعة من مصلحة حزبية و وبرامج سياسي.
هنالك دروس لنا نحن كمواطنين عرب من المواطن الكوري العادي، تتعلق بالتربية الإنسانية التي يزرعونها في الأجيال الصاعدة. عن كيفية صناعة أخلاق التعاطف والحفاظ عليها، ونشر ثقافة البحث عن المسؤولية. هذه الثقافة أساسية جداً في عملية إنتاج أمة متحضرة. تدعونا هذه الحادثة لنقيم شعورنا الإنساني ودرجة إحساسنا «الحقيقي» بالمواساة والفهم لألم أخوتنا في الإنسانية في كل مكان بدلاً من محاولة التملص منها نحو تبريرات مبتذلة. إن عواطف الحزن والمواساة ستبقى موضع شكٍّ ما لم يرافقها شعور بالمسؤولية. فهل نشعر حقاً بمسؤوليتنا تجاه دماء إخواننا؟ بل هل مازلنا نمتلك الحد الأدنى من مشاعر الأخوّة القديمة؟
في سوريا عندما كان سكان إحدى المدن يقنصون بشكل يومي ويتعرض أطفالها للذبح بالسكاكين، كان سكان مدينة مجاورة ما يزالون يحيون الحفلات ويخرجون إلى الأسواق والمطاعم دون أن تتغير حياتهم قيد أنملة، وكأن ما يحدث كان على كوكب آخر، وطبعاً الأمر كان مشابهاً في الدول المجاورة. وكان الإعلام يخرج علينا بالأغنيات الوطنية حيناً وأغنيات الغرام حيناً آخر. وها نحن اليوم نشهد دماراً شاملاً في سوريا، ربما لا لشيء سوى لخلل في الشعور الإنساني يلازمنا.

د. رامي زكريا
أستاذ جامعي سوري مقيم في كوريا الجنوبية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية