جغرافيا الحداثة في الستينيات

مع أن الجغرافيا السورية حملت في الستينيات لواء الحداثة بكل معنى الكلمة، هذا لا يعني أن تضع الجميع في سلة واحدة، فقد تعددت المواقف ووجهات النظر، وساعد على هذا التشتت أمران.
سقوط دولة الوحدة عام 1961، ودخول مرحلة الحرب الباردة مع مصر، ثم انقلاب عام 1963 وعودة الوحدويين لكن بعقلية تنافسية، وأدى ذلك إلى زيادة انقسام الحداثة على نفسها، وتوزيعها على ثلاثة محاور.
الأول حداثة ملتزمة، شاركت في بناء أيديولوجيا وطنية ذات رأس عسكري، وعرفت لاحقا باسم الواقعية الجديدة، وإن كنت أعتقد أنه تعريب أو ترجمة لظاهرة تروتسكي. وما يحسب على التروتسكيين العرب التردد وأخلاق النميمة وأجواء التعتيم. ومع أنها ظاهرة مرضية، لكن أتت من تجاربهم المريرة في المعتقلات وظروف النشاط السري، التي رأى وائل السواح في كتابه التسجيلي «انقسام الروح» أنها تجربة عاطفية وتعليمية اختلطت بهمة وأحلام الشباب.
الثاني ويشمل رموز الجيل الضائع أو ما يعرف بالكلاسيكية الجديدة. ومن أهم رموزه العجيلي الذي نصب نفسه محاميا عن قضية فلسطين. وأرى أن فلسطين كانت طريقة للهروب، وليس الانتماء، ولذلك غلبت على كتاباته صورة سندباد سوري بري، حتى أنه راوح بين القصص السياحية وأدب المذكرات (عن رحلاته بالسيارة في أرجاء أوروبا الغربية) ولا أفهم كيف يرمي مناصر لفلسطين نفسه في أحضان الغرب، وإن تسبب له هذا التناقض بفجوة معرفية، فقد تستر عليها بمواقف سحرية وتصرفات غامضة.
بقي آخر محور، وهو تعويم لفلسفة الجيل الضائع مع ترقية لحساسيته الوطنية. حتى أنه وضع النتيجة مكان المقدمة، وأعطى الأولوية لصراع المجتمع مع نفسه، وأجل المشكل الوجودي (وهذا هو التعبير الشائع عن نقطتين خلافيتين: أسلوب اندماج الكيانات السياسية، ومن الواضح أنه مبدأ مستبعد في الوقت الراهن بسبب الاستقطابات، ثم قضية فلسطين. وحتى الآن لا يوجد اتفاق على حدود واضحة لها. وهل هي فلسطين واحدة أم اثنتان. وهل ستكون العلاقة بين أجزاء الأرض المتباعدة فيدرالية أم مركزية؟) وبالنتيجة لم يجتمع أنصار الحداثة المنتمية على أي هدف، لكن التقوا في عدة محطات.
أولا : راديكالية التفكير لدرجة أن احترام النوع يلغي الفروق في الوظائف البيولوجية، أو العواطف التي تحددها الولادة وليس التربية، ولا يمكن أن تقرأ في هذا السياق إشارات تدل على الخطيئة أو العار، حتى إن الحب يبدو وكأنه سجن رمزي لشيء غامض ومبهم. أما العلاقة العاطفية فتبدو كما لو أنها تتحرك من فوق الغرائز، وتحرص على تبرير السلوك الميكيافيلي لمجتمع الهزيمة.
ثانيا: النشاط الليلي للشخصيات.. ولا أعتقد أنه قرينة على نوع فني بقدر ما هو دليل على روح المقاومة للنظام وأدب البروباغندا.
ثالثا: سياسة هدم الجسور مع الذاكرة والاستعاضة عنها بأرشيف منتقى من عدة ذواكر، ويصعب أن لا تقول إنها بشرت بإنسان كوزموبوليتاني حتى قبل تفشي ظاهرة العولمة وما تبعها من خراب وإعادة ترتيب داخل المعسكر السلوفيني الشرقي. وأستطيع تعميم هذه النتيجة على أهم نماذج المقاومة الفلسطينية، فهي تدين لجنوب أمريكا وواقعيتها السحرية، أكثر مما تدين به لقراءة واقعنا الكابوسي. ولا أستثني أدب المقاومة في العراق – فقد عبر الأكراد وأدباء الجنوب عن تململهم من سياسة صدام بإعادة إنتاج ماركيز وكاربنتييه وبقية أدباء العالم الثالث.
رابعا ظاهرة الخوف من المخابرات والدخول في عباءة الجيش. وأعتقد أنه مبدأ بنى عليه الربيع العربي كل سياسته. مع فارق أساسي واحد، أن ثورات الألفية استهدفت النظام علنا، لكن اكتفى رموز الستينيات بالدعوة لمزيد من الحريات مع إصلاح راديكالي لعلاقة الأفراد بالمجتمع، ولا أعرف كيف أفسر هذه الكلمة، فقد كان العقل الاجتماعي غامضا، ويدل في معظم الأحوال على العلاقة مع السلطة، وهي ليست محددة أيضا، ويوجد تداخل في المفاهيم بين نظام وأعراف ومؤسسات دولة. بمعنى أن المجتمع رؤية ميتافيزيقية لمجموعة من النشاطات التي يحدوها هم واحد وهو ضرورة الحياة والبقاء (باعتبار أنهما مصدر للقيمة). وفي رأيي هذا هو السبب للنظر إلى القرية بصورة مدينة صغيرة (انظر رواية «في المنفى» لجورج سالم. كل مشاهدها الريفية تبدو أشبه بلوحة لفان غوخ. وحتى غوخ كان أقرب للاقتصاد الريفي من سالم، فقد صور في عدة لوحات مجموعة فلاحين في موسم الحصاد، ومناجلهم تلمع فوق رؤوسهم، في حين خلت أعمال سالم من المشقة والعذاب وأوجاع الأرض، وأسهبت بالكلام عن الشك وغربة الروح).
خامسا، كل شيء دار حول نتائج الهزيمة، بغض النظر عن الأسباب، وهو خطأ منهجي آخر يلغي دور النبوءة الاستباقية، ويرهن نفسه للنقد والتجريح، ولا يشترك معنا أحد في هذا العيب غير الأدباء البيض الذين حاربوا السياسة الاستعمارية والعنصرية في افريقيا. ومن هؤلاء هيلاري مانتل في «تبدل المناخ» وج. م كويتزي في «العار». وقد نظر كلاهما للغبن الاجتماعي وكأنه انحراف في السلوك، وليس خطأ في البنية. وهذه هي الحفرة التي وقعنا فيها، فقد انتظرنا الهزيمة لنكتشف انحرافات الأنظمة، ولم نفكر بمشكلتنا المزمنة مع الحضارة.
سادسا، طرأ تحول نوعي على شكل الرحلة العلمية، وعوضا عن أن تكون الدراسة في الغرب ويتخللها غرام ينتهي بمأساة أصبحت الدراسة في المدينة – أو ربيبتها المدينة الجامعية. وتطابقت لأول مرة رمزية المرأة والمدينة والغرب والمعرفة، لكن يجدر التنويه أن هذا النوع تبنى تصنيفا ثلاثيا للأجناس، مذكر ومؤنث وطلبة. وكان ينظر للعلاقة المحرمة بين الطلاب على أنها خطيئة ويمكن تبييضها بشراء صكوك الغفران من المؤسسة، لكن أخذت شكل اغتصاب وسلوك انتقامي مع نساء المدينة. ولهذا السبب لا يمكن تسجيل وعي درامي لا بالمجتمع الريفي ولا أخلاق المدينة. وهو خطأ يدل على قصور في جهاز التنبؤ. وينطبق ذلك على الجميع بمن فيهم العجيلي، الذي كتب عن البدو وفنادق الخمسة نجوم، دون أن يسجل كلمة واحدة بحق القرية، ولم تنج الحداثة الأوروبية من هذا المشكل، فقد كتب كامو أشهر أعماله عن طبيعة اغترابية تخلو من أي مشهد اجتماعي، حتى إنه حول الحبكة الثلاثية المعروفة في أوروبا الستينيات من قصص عن الخيانة الزوجية والمخادع إلى حكاية عن مشكل غامض وطبيعة صامتة، وهي ظاهرة تؤكد نشاط ذهن نفسي، وليس على قراءة ولا مشاركة للواقع، وانتقل هذا المرض إلى السوفييت في الثمانينيات ووصل إلى آخر رموز الواقعية الاشتراكية مثل، إيتماتوف وفالنتين وراسبوتين، ولذلك أرى أن الواقعية الجديدة كانت في جوهرها حداثة انتقالية مثلما كانت البيروسترويكا مرحلة للعبور إلى اقتصاد السوق، لكن اضطراب وضبابية هذا الجيل لم يؤهله لتقديم قراءة مستدامة، ولم يجد طريقة لدعم إصلاحاته الفنية بمضمون واضح، وبقي يراوح بين الرفض والنفي، دون أن يتفق اثنان على شيء واحد مفيد.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية