جهاد القاعدين… أو «العجز» بوصفه ثقافة عربية

أدت دعوات مقاطعة المنتجات والشركات، التي من المُفترض أنها داعمة لإسرائيل، لكثير من الجدل في عدد من الدول العربية، بين من يحاولون البرهنة على فعالية تلك الدعوات؛ وآخرين، يسخرون من الفكرة بأكملها، في سياق الشرط الحالي للاقتصاد العالمي، وعجز كثير من البلدان العربية عن تأمين احتياجاتها المحلية. هذا الجدل أيديولوجي أولاً وأخيراً، بغض النظر عن مدى دقة حجج الطرفين، فموضوعه الأساسي ليس قدرة السوق العربي على التأثير في سياسات وانحيازات شركات عالمية، وإنما قدرة البشر في المنطقة على الفعل من الأساس، أو تغيير أي شيء. ربما ما يريد أنصار المقاطعة إثباته، أن الأفراد ليسوا عاجزين، وإنما بإمكانهم التضامن ولو «بأضعف الإيمان»؛ فيما يتهكّم ناقدوها على كل ذلك النوع من «الإيمان» ويحرصون على تذكير الناس بعجزهم.
يبدو «العجز» إذن سؤالاً مركزياً، منذ الهجوم الإسرائيلي على غزة. قبله بقليل ناصر كثيرون عملية «طوفان الأقصى» لأنها أشعرتهم بتجاوزه، وبكل الأحوال فهو ليس سؤالاً جديداً في تاريخ القضية الفلسطينية، إذ تربّت أجيال على ربط كل ما يتعلّق بمأساة الفلسطينيين بـ«التخاذل» العربي، لدرجة يمكن القول فيها إن مشاعر الغضب والعار، المرتبطة بالعجز، تأسيسية في الثقافة العربية المعاصرة، وتلعب دوراً شبيهاً بوظيفة شعور الذنب في عدد من الأديان العالمية، لكن هل العرب عاجزون فعلاً؟
إذا كان تعريف العجز هو عدم القدرة على الفعل، فالإجابة ستكون بالنفي بالتأكيد، فقد فعل سكان هذه المنطقة كثيراً من الأشياء عبر تاريخها الحديث: خاضوا حروباً؛ خرجوا بثورات ضد حكامهم؛ انضموا لحركات مقاومة وميليشيات؛ بل أرسلوا جهاديين إلى دول الجوار ومختلف أنحاء العالم. أما إذا كان المقصود هو عدم القدرة على تحقيق أهداف معينة، لظروف ما مُعرقلة، فربما كان الأفضل وصف الحالة بـ«الفشل» وليس العجز. وسواء استعملنا المفردة الأولى، أو الثانية فمن غير الواضح ما المطلوب، الذي يجعل الناس يغرقون بالمشاعر السلبية. هل المطلوب دخول حرب مع إسرائيل؟ إسقاط الأنظمة العربية القائمة «المتخاذلة»؟ إيصال المساعدات والعتاد الحربي إلى قطاع غزة رغماً عن الجيش الإسرائيلي؟ تدمير اقتصاديات الدول الداعمة للعدو؟ هل هذه أهداف، يمكن أن يشعر المرء بالعجز أو الفشل، بسبب عدم قدرته على تحقيقها؟
ربما كان الشعور بـ»العجز» أعقد مما يبدو عليه لأول وهلة، ولذلك قد يمكننا طرح أسئلة أخرى لمحاولة فهمه: لماذا يبدو شعوراً طاغياً، في منطقة تشهد كثيراً من الأفعال السياسية والعسكرية؟ وما الدور الذي يلعبه في ثقافة سكان المنطقة، وفهمهم لذاتهم والعالم؟

الحق كله

يُقال عادة إن الأفراد والجماعات يجب أن لا تطرح على نفسها إلا أهدافاً قابلة للتحقيق، ويدور الجدل حول معنى «الواقعية» و«العقلانية» في تحديد الأهداف، إذ يؤكد كثيرون فقر الطرح التقليدي، المدّعي لتلك الصفتين، الذي تنقلب عقلانيته وواقعيته إلى نقائضهما، بسبب تجاهله عوامل الخيال، والرغبة والمعتقد والإيمان. إلا أن كل هذا النقاش قد لا تكون له علاقة بشعور «العجز» العربي، فنحن هنا لا نتحدث عن حدود منطقيّة الأهداف، بل عن انعدامها من الأساس. يصعب رصد أي تحديد فعلي، على مستوى اللغة السياسية والقانونية، لما يريده فعلا كل أولئك العاجزون، ما لدينا فقط هو تعبيرات بلاغية عن بشاعة العالم، وحشية العدو، خيانة الحكّام، صعوبة الظروف. وهي أشياء قد لا تنتهي إلا في عالم مثالي، أو ربما في الجنة، وبالتالي فربما ما يريده ضحايا شعور العجز هو ما يعتبرونه الحق كله، كاملاً غير منقوص، ودون حتى تحديد معالم المراحل الوسيطة، للوصول إليه.
قد يمكن تفسير هذا النزوع بانعدام السياسة، بمعناها الكلاسيكي، في معظم الدول العربية، خاصة الأقرب لفلسطين، إذ لم يوجد كثير من القوى والتنظيمات النشيطة والراسخة، المعبّرة عن فئات اجتماعية فعليّة، تطرح برامج أو مطالب، وتعيّن لأنفسها أهدافاً، سواء كانت مطالب فئوية أو طموحاً للوصول للسلطة، وإدارة البلاد بأكملها. إلا أنه من الصعب تفسير الحالة بعوامل تتعلق بالسلبية والعطالة، مثل أن البشر لم «يتدرّبوا» على السياسة في بلدانهم، بل أيضاً بعوامل إيجابية و»منتجة» فنمط السلطة في تلك الدول لا يقوم فقط على المنع والقمع، وإنما مُنتِج أيضاً لأيديولوجيا مركزية عن «الحق الكامل» الذي تبني الأنظمة شرعيتها عليه، وتبرر ممارساتها على أساسه. يقوم على ذلك «الحق» جانب كبير من تعريفنا لذواتنا، وفهمنا لموقعنا من العالم، ففي مجتمعات تقوم روايتها السياسية المؤسِّسة على الإنكار المبدئي لتعددية وتضارب المصالح والرؤى والمعتقدات داخلها، لحساب قضية أكبر، يصبح الأفراد جزءاً من «أمة» أحادية الهوية والعقيدة، لديها حكاياتها الثابتة عن المظالم التاريخية، والأعداء والأصدقاء، كما أن المعارضات فيها لن تكون إلا مزاودة على «الحق» الذي عيّنته السلطة نفسها، واتهاماً لها بالعجز عن تحقيقه، فهي لم تحرر الأرض؛ لم تسترجع الأمجاد؛ لم تنظّم المجتمع وفق العقيدة الجوهرية؛ ولم تنتصر على الأعداء التاريخيين. ومن اللافت أن كل الأيديولوجيات التي مرّت على المنطقة، تأقلمت تماماً مع منظور «حق الأمة» هذا، ليس فقط الإسلام السياسي والقومية العربية، بل حتى اليسار الماركسي، واليوم «اليسار» الهوياتي، المتأثر ببعض مخرجات الأكاديميات الغربية، إذ لدينا من يشعرون بالعجز لأنهم لا يستطيعون، بوصفهم ضحايا «ماضٍ كولونيالي» تحرير فلسطين من البحر للنهر، نصرةً لـ»السكان الأصليين» ضد سياسات «الرجل الأبيض».
يشترط ذلك التعيين المتعالي للحق الكامل شعورَ العجز بالضرورة، فلا أحد يمكنه أن يطال المثال غير الموضّح بأهداف «دنيوية» إن صح التعبير، وبالتالي الجميع عاجزون دائماً، لكن المفارقة أن «العجز» هنا محرّك قوي للفعل، وليس منتجاً للسكون والخضوع، وفي كثير من الأحيان يكون الأداء الناتج عنه شديد العنف والقمعية.

استعصاء المساجين

سبق للمفكر الإيطالي أنطونيو نيغري التمييز بين نوعين من الاحتجاج: «التحطيم العمالي للآلات» و»استعصاء المساجين» وهو تمييز مُستلهم من تجربته السياسية في إيطاليا، التي أمضاها بين الحركات العمالية والمعتقلات، لكنه نافع في سياق تحليل سياسات العجز التي نعيشها. في الحالة الأولى يتمرّد عمال مُستَغلون على التنظيم التقني/السياسي المفروض عليهم، ويرفضون الخضوع لنمط العمل الانضباطي في المعامل الكبيرة، فيحطمون آلاته، والتنظيمات المرتبطة بها، عبر احتجاجات اجتماعية، تجبر مشغّليهم ومديريهم على اعتماد تقنيات جديدة، ما يساهم في إعادة استملاك «العمال الاجتماعيين» لموقعهم ضمن عمليات الإنتاج والتنظيم الاجتماعي. التمرّد هنا تعبير عن رغبة في الاستمرار الحيوي للبشر، ضد تنظيمات ساحقة لهم، ومحاولة لتحطيم جدران المؤسسات الانضباطية، غالباً ما يترافق بأحداث احتفالية، تصل إلى درجة «العربدة» و»الإباحية» من منظور السلطة. أما في حالة «استعصاء المساجين» فنحن أمام مجموعة من الأجساد المكدسّة في زنازين، غير منتجة، وغير عضوية في أي عملية اجتماعية، ومنفصلة عن أي تنوّع حياتي، يقوم أصحابها بافتعال الأذى فيها: يجرحون أنفسهم، ويمزّقون جلودهم وملابسهم، ويقومون بأفعال انتحارية، غير عابئين بنتائجها عليهم وعلى غيرهم، وينتهكون زملاءهم غير المشاركين في الاستعصاء. هذا التمرّد اليائس مدفوع بالعجز، وانعدام الأفق، وغياب الأهداف الفعلية، ويكرّس حالة السجن. تصبح الحياة نفسها عبئاً مؤلماً في حالة المستعصين، فلا يبقى أي غاية لهم إلا لفت أنظار سجّانيهم: هنالك أجساد تصرخ هنا! هل نحن «أمة» من المساجين؟

تحطيم الماكينة

يمكن القول إن كثيراً من أعضاء الجماعات الجهادية والميليشيات، بل النخب والناشطين أيضاً في العالم العربي، يبدون أشبه بـ»أبطال» الاستعصاءات، فهم يهددون دائماً بطوفان من الأجساد فاقدة الرشد، الممزقة والنازفة والانتحارية، وهذا التهديد لا يطال العدو فقط، وإنما مجتمعاتهم أيضاً. إلا أن «السجن» الفعلي الذي نعيش به، وينتج دائماً هذا النوع من الاستعصاء العاجز، ليس الظروف السياسية والاجتماعية السيئة بحد ذاتها، فكثير من المجتمعات عاشت ما هو أسوأ، ولم يكن خيارها «الاستعصاء».
قد يكون سجننا هو منظور «الحق» المعادي للسياسة والمجتمع، والمرتبط بتكوين أممنا ودولنا وثقافتنا الجماهيرية، وهو ما يحيطنا بجدران فكرية صلبة، تُشعرنا دائما بالعجز، وتدفعنا للتصرّف على أساسه. إذا أبعدنا مسألة فلسطين عن هذا المنظور، فربما سنكتشف أن الأفضل لها، ولأهلها من بشر فعليين، أي للفلسطينيين الواقعيين، وليس «رموز الأمة» الابتعاد عن الأفعال الانتحارية، المدمرة للمجتمعات، والتفكير بدلاً من ذلك بـ»الماكينات» التي تنتج اضطهادنا واستغلالنا، وربما «أمتنا» نفسها، والعمل على تحطيمها، بأسلوب يتيح متنفّساً أكبر لحيويتنا الحياتية والاجتماعية، بدلاً من تمزيق جلودنا نحن.
ربما فات الأوان، إذ يتعرّض الفلسطينيون لحرب إبادة، قد تنهي وجودهم السياسي في المنطقة، بوصفهم شعباً، لكن استمرار التفكير بمنطق «العجز» إياه لن يساعدهم، وربما سيؤدي لإبادة شعوب أخرى.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية