لندن – “القدس العربي”:
نشرت مجلة “ذي نيشين” مقالا لآدم جونسون قال فيه إن سردية “قنص حماس” في الولايات المتحدة تخفي وراءها الخطط الحقيقية لإسرائيل في غزة.
وقال إن الإعلام الأمريكي والنخبة السياسية تحلل وتناقش وتشكل السردية في غزة بطريقة تختلف عن تلك التي يناقشها الإعلام الإسرائيلي وبين قادة إسرائيل أنفسهم. ويرى الكاتب أن الفجوة نابعة من العنصرية الثقافية والسذاجة المتعمدة والاصطفاف الذي يعكس موقف الحكومة الأمريكية، بشكل يخلق فشلا إعلاميا بطريقة لم نر مثلها منذ التحضيرات التي سبقت حرب العراق.
ويقول جونسون إن إسرائيل تعمل على عملية ترانسفير ضخمة وعملية إخلاء غزة من سكانها، وكل شيء تفعله يجب فهمه من خلال هذه العدسات. وقد كانت الحكومة الإسرائيلية واضحة منذ البداية بدءا من أمر الجلاء عن شمال غزة في 13 تشرين الأول/أكتوبر. وكل شيء فعلته إسرائيل منذ ذلك الوقت هو متابعة لنظام الجلاء وطرد مليون شخص من شمال غزة إلى مخيمات اللاجئين في جنوبها، وهذا ما قالوا إنهم سيفعلونه. إلا أن الإعلام الأمريكي وطوال شهر تشرين الثاني/نوفمبر ظل يؤطر كل فعل يقوم به الجيش الإسرائيلي في شمال غزة وكأن كل هدف يحاول تنظيفه هو جزء من عملية مدروسة “لتصيد حماس”.
والمثال الأوضح هو عملية التحضير التي امتدت على أسابيع لمداهمة مستشفى الشفاء في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر. وفي الأيام التي قادت للسيطرة على المجمع الطبي، قدم الإعلام الأمريكي لمستهلكي الأخبار انطباعا بأن القوات الإسرائيلية ستداهم عرين بن لادن في أبوت أباد في باكستان. ونشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شريط فيديو عن عرين مدروس تحت مجمع المستشفى وصدق الإعلام الأمريكي الزعم. وبحسب “واشنطن بوست”، “تصيد إسرائيل لحماس يضع مستشفى الشفاء في غزة تحت الحصار”.
وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن “مستشفيات غزة أصبحت عالقة وسط النار، وفي قتال حماس، تقترب القوات الإسرائيلية من المستشفيات التي علق فيها الآلاف من الناس”. ومنح الإعلام القراء والمشاهدين الأمريكيين انطباعا أن على الجيش الإسرائيلي السيطرة على المستشفى وإن كان فيه أطفال في غرفة العناية المركزة وعدد من المرضى الموتى، نظرا لوجود مجمع أرضي “قلب حماس النابض”.
وبعد ذلك سيطرت إسرائيل على المستشفى وزعمت أنها عثرت على بعض الأسلحة ونفق وحيد وعدد قليل من الغرف الأرضية وسريرين من الحديد وحمام، ولا شيء يشبه “مركز قيادة وتحكم”، كما زعم. ونشر الجيش لقطة فيديو لعدد من “الرهائن” الذين تم إحضارهم لمستشفى الشفاء في 7 تشرين الأول/أكتوبر وربما كان من أجل العلاج الطبي (الرهائن الموتى لا نفع منهم). ولم تقدم السلطات الإسرائيلية أدلة أخرى أن المجمع الأرضي هو غير ذلك.
وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” عندما فجر الجيش الإسرائيلي فتحة نفق و نشر لقطات الفيديو عنه: “لم تقدم دليلا قاطعا عن شبكة أنفاق واسعة”.
وتم تغذية الرأي العام الأمريكي برؤية غامضة من مزاعم البيت الأبيض لبايدن والتي بدت وكأنها من فيلم الإثارة “زيرو دارك ثيرتي” وأعطت انطباعا وأحيانا بشكل واضح أن إسرائيل تداهم مقرات رئيسية لحماس تحت وداخل مستشفى الشفاء. وعندما وصلت إسرائيل ولم يكن هناك مقاتلون لحماس، قامت وحدات الكوماندوز بالسيطرة على المنشأة الطبية. فهل كانت المداهمة تصيدا لحماس كما أخبرت واشنطن بوست قراءها؟ وهل علقت المستشفيات وسط النيران، بحسب نيويورك تايمز؟ صحيح أن مقاتلي حماس أطلقوا النار على القوافل العسكرية وهي في طريقها نحو المستشفى، لكن كل التقارير الأمريكية التي ألمحت إلى أن النيران جاءت من داخله، لم تكن صحيحة.
وبالنظر إلى هجمات الإسرائيليين من منظور “مكافحة الإرهاب” فهو يجعل قرار الجيش الإسرائيلي محيرا، فلماذا يقوم بمداهمة مستشفى لو لم يكن يعتقد أنه مركز قيادة لحماس؟ وقصف الجيش الإسرائيلي وهاجم عددا من المستشفيات والتي لم يكلف نفسه بالحديث عن قواعد حماس فيها، وهذا لأن إطار “تصيد حماس” ظل ديدن الإعلام الأمريكي وهو إطار غير صحيح. ولو فهمت أن هدف إسرائيل هو إجبار السكان على مغادرة غزة، فهذه الأفعال تعطي حسا ومعنى. وكان على إسرائيل استخدام القوة ضد المستشفيات لأنها المكان الوحيد الذي سيتركه الذين لجأوا إليها. وأصدرت إسرائيل أمر جلاء في 13 تشرين الأول/أكتوبر لكل واحد في شمال غزة بمن فيهم المرضى الضعاف والرحيل إلى الجنوب. وقيل إن المسؤولين الإسرائيليين اتصلوا بالشفاء عدة مرات وطلبوا إخلاء من فيه.
وبالنسبة للعاملين فيه، فهذا يعني وفاة أعداد من المرضى الذين يحتاجون لعناية طبية مستمرة. ولا يمكنهم القيام برحلة مسافتها 30 ميلا إلى الجنوب بدون ماء أو وسائل نقل. ولكن إسرائيل لم تكن مهتمة، فالحكومة تقوم بترانسفير قسري وهذا يشمل الجميع. وكان هذا أبسط شيء لتفسير تحركات إسرائيل، إلا أن الإعلام الأمريكي ظل ملتزما بفكرة “مكافحة الإرهاب” ولم تكن قادرة أو راغبة على تغيير رأيها والالتفات لحقيقة أن إسرائيل تريد إفراغ القطاع من سكانه وعلى مراحل.
ومن الغريب مشاهدة هذه الدينامية، عندما تصدر إسرائيل أوامر جلاء وتنفذها حرفيا وتواصل المؤسسات الإعلامية تأطير هذا ضمن “تصيد حماس”. وبالنسبة للمنظور الإسرائيلي فلا يوجد تمييز، فنحن نعرف أن المسؤولين الإسرائيليين قالوا هذا مرارا. فإلى جانب العديد من الأمثلة عن الخطاب الإبادي والذي وثقت معظمه صحيفة “نيويورك تايمز”، فحقيقة إخلاء غزة من سكانها على مراحل، هي الأكثر شعبية بين القادة الإسرائيليين.
وبحسب تقرير في “المونيتور” في 17 تشرين الثاني/نوفمبر فالخيار الذي “يحظى بدعم كبير بين صناع القرار الإسرائيلي هو سيطرة مصر على القطاع مقابل الإعفاء الكامل من الدين الخارجي الضخم، وتضم المقترحات إعادة إعمار الجنوب في وضعه الحالي، بدلا من إعادة إعمار الدمار الذي أحدثه القصف الإسرائيلي ونقل بعض السكان للدول العربية ودول أخرى وترك البقية لإعادة إعمار غزة”. ونفس الفكرة ظهرت في مقال رأي لوزيرة الاستخبارات الإسرائيلية غيلا كامليلي بصحيفة “جيروزاليم بوست” في 19 تشرين الثاني/نوفمبر وكانت واضحة أن الحكومة تفضل نتيجة تطهير عرقي. والحل الوحيد الذي اقترحته هو “الترويج لإعادة التوطين الطوعي لفلسطينيي غزة ولأسباب إنسانية خارج القطاع”.
كما أن وزير الزراعة في الحكومة الإسرائيلية أفي ديختر قال على التلفزيون الإسرائيلي في 12 تشرين الثاني/نوفمبر “نحن نتقدم الآن نحو نكبة غزة”. كما كتب جيث هير في مقاله يوم الإثنين بمجلة “ذي نيشين”: “يبحث نتنياهو الآن عن مقترحات لتخفيض عدد سكان غزة وطرد الناجين إلى الدول المجاورة، وهو مقترح يقدمه لقادة الأحزاب في الكونغرس”. و”لكن مصر وبقية الدول العربية لن تسمح بهذا” وهو ما يُسمع عن الخطط التي قدمت. وسواء كانت هذه الخطط قابلة للتطبيق أم لا فهذه ليست مهمة. ولكن المهم هو النية وما تعمل عليه إسرائيل لإعادة توطين من تبقى من سكان غزة، وهو سؤال مفتوح.
وبحسب مجلة “إيكونوميست” فسيكون شمال غزة غير قابل للعيش فيه ولسنوات عدة. وهو ما يعني أن معظم غزة غير قابلة للسكن فيها. وقدمت “وول ستريت جورنال” تفاصيل عن خطط مشابهة من أجل دفع أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين إلى الحدود المصرية، “واعترف بعض المسؤولين الإسرائيليين أنه من الصعب استيعاب 2 مليون مواطن في غزة بالمواصي التي لا تزيد مساحتها عن مطار لاكس في لوس أنجلس”، حسب تقرير للصحيفة في 19 تشرين الثاني/نوفمبر، ولكن هذا حديث عن عقبة لوجيستية وليس مشكلة أخلاقية.
كما أن الاستهداف المقصود للبنى التحتية هو جزء من استراتيجية الحرب وليس واضحا ما يعنيه لـ “تصيد حماس” أو “الحرب على حماس”. وبحسب تقرير بمجلة +972 وهي مجلة يعمل فيها صحافيون إسرائيليون وفلسطينيون، فإن إسرائيل تقوم بقصف البنى التحتية كجزء مما يطلق عليها “أهداف القوة” وتعرف بأنها أفعال ضد “البنايات العامة والأبراج” وتهدف لتدمير المجتمع المدني الفلسطيني و”خلق صدمة”، فقد استهدفت إسرائيل المحاكم والجامعات والمقرات التشريعية وعددا لا يحصى من المؤسسات الحكومية. وسوت إسرائيل بساتين ومزارع ودفيئات بالأرض ومزقت تمثالا لياسر عرفات في الضفة الغربية، حيث لا تسيطر حماس على السلطة هناك.
وتساءل الكاتب إن كان هذا يبدو “تصيدا لحماس”؟ وهل الصور التي نشرتها “واشنطن بوست” وتفصل الأطفال الموتى في الشهر الأول عملية “تصيد حماس”؟ والمشكلة أن حملة التهجير لم تعد قابلة للتناسب مع إطار تصيد الإرهابيين الذي ظلت الصحافة الأمريكية تردده وتنشر تقارير عنه. خذ مثلا الحوار يوم الإثنين على شبكة سي أن أن بين جيك تابر ومارك ريغيف، المستشار البارز لنتنياهو، وبدا تابر الناقد لإسرائيل مشوشا بشأن العمل العسكري وبعدما فقد منتج للشبكة تسعة من أفراد عائلته.
وقال المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية: “عمل الجيش الإسرائيلي كل ما بوسعه لحماية المدنيين الأبرياء”.
ورد جيك تابر “من الصعب تصديق هذا بعدما فقد واحد من منتجينا تسعة أفراد من عائلته”. وأين يذهب سكان غزة؟ الجواب أي مكان ولكن ليس القطاع، ومن المفيد للإعلام الأمريكي أن يستخدم هذا الإطار وأن إسرائيل تجبر 2.2 مليون نسمة على ترك بيوتهم، إما جزء منهم أو كلهم، إما لمدينة خيام صغيرة أو الدول المجاورة أو كلاهما. ولا توجد أدلة عن محاولة ملاحقة المسؤولين عن 7 تشرين الأول/أكتوبر، بل وترى صحيفة “واشنطن بوست” أن حماس لا تزال سليمة بعد مقتل 15.000 فلسطيني. ولدينا كم من الأدلة المتزايدة عن سياسة العقاب الجماعي وعقدة الذنب الجماعية. ومن لديهم القرار عليهم أن يحدثوا الأطر للنزاع، مع أن المسؤولين الإسرائيليين لم يتظاهروا أبدا بغير هذا.