عرف فلاديمير بوتين كيف يدخل؛ أربع طائرات حربية روسية من نوع سوخوي، التي رافقت طائرته الرئاسية الأربعاء الماضي طوال الطريق من موسكو إلى الرياض ومن هناك إلى أبو ظبي، والـ 21 صلية تحية التي أطلقتها المدفعية في الإمارات، وحرس الشرف الزاهي الذي وقف على مدخل القصر، والمصافحة الحارة مع محمد بن سلمان ولي عهد السعودية، ومحمد بن زايد حاكم الإمارات – كل ذلك ملأ وسائل الإعلام في دول الخليج، وتنافس بنجاح مع التقارير عن الحرب في قطاع غزة.
في الواقع، تحتل غزة معظم العناوين والتحليلات والأفلام، ولكنها ليست كل شيء؛ فالفلسطينيون أيضاً، وهذه ليست المرة الأولى، توقفوا عن سؤال: “أين زعماء الدول العربية، أين العالم أمام الكارثة التي نزلت علينا”. الإسهام الرئيسي لعدد من الدول العربية والإسلامية هو إرسال قوافل الغذاء والأدوية والمستشفيات الميدانية إلى القطاع. وقامت بعد مؤتمرات قمة خاصة لمناقشة ما يحدث فيها. الأردن وتركيا أعادتا السفراء من إسرائيل، لكن لم تقطع أي دولة عربية لها اتفاقات سلام مع إسرائيل العلاقات معها. الدول العربية تكتشف مرة أخرى بأنه في الصراعات الإقليمية، فإنه حتى التي تتعلق بالأمن القومي والاستقرار فيها، تظل قدرتها محدودة على التأثير في سير الأمور.
تعامل دول المنطقة مع الحرب في القطاع ينقسم إلى قسمين: حسب الرؤية الأولى، تعد الحرب تهديداً استراتيجياً يعرض أمنها للخطر المباشر. وحسب الرؤية الثانية، تعد غزة “حدثاً إنسانياً”، وطبقاً لذلك، هي تشكل سياستها. مصر مثلاً تعتبر نفسها الدولة العربية المهددة أكثر بسبب خطر غزو مئات آلاف الغزيين لأراضيها. في موقفها القاطع الذي يقول إنها لن تسمح لأي لاجئ فلسطيني باجتياز الحدود، باستثناء الحالات الإنسانية التي قد تصل إلى المستشفيات بتصريح خاص، فقد حددت حدود التزامها الذي لا يسمح بأي مجال للشك.
وصلت إلى مصر هذا الأسبوع بعثة خاصة برئاسة غسان عليان، منسق أعمال الحكومة في “المناطق” [الضفة الغربية] وممثل الموساد، في محاولة لتهدئة القاهرة بأنه لا نية لإسرائيل بدفع الفلسطينيين نحو حدودها، وأنه لا أساس لما نشر عن خطط إسرائيلية للقيام بترانسفير فلسطيني إلى مصر. ربما صدقت مصر هذا التفسير الإسرائيلي، لكنها غير مقتنعة بأن إسرائيل يمكنها أو تريد منع تدفق عفوي للغزيين نحو سيناء. وللتأكيد، هي كثفت منظومة الدفاع عن حدودها على طول القطاع.
مصر تسيطر على معبر رفح، وهو البوابة الوحيدة بعد إغلاق المعابر الأخرى مع إسرائيل، الذي تمر قوافل المساعدات إلى القطاع عبره. عملياً، يمكنها فتح هذا المعبر على مصراعيه للسماح بعبور عدد غير محدود من الشاحنات ووضع إسرائيل أمام معضلة صعبة. ولكنها خطوة قد تجر مصر إلى مواجهة ليس فقط مع إسرائيل بل أيضاً مع الولايات المتحدة. وبذلك ستضر بمصالح استراتيجية حيوية أخرى، التي تعد مهمة لها بدرجة لا تقل عن الوضع الفظيع لسكان غزة.
الأحد سيتم فتح صناديق الاقتراع للرئاسة في مصر والتي ستستمر ثلاثة أيام. لا حاجة لفحص استطلاعات الرأي العام أو تحليل السيناريوهات المحتملة؛ فالسيسي هو الرئيس القادم، على الأقل حتى العام 2030. المرشحون الثلاثة المتنافسون ضده ربما يقضمون بضع نسب مئوية من الأصوات، وعلى الأكثر سيستخدمهم السيسي كعباءة لإظهار الانتخابات بأنها ديمقراطية.
لكن مشكلة الرئيس الأساسية ليست انتخابه، بل كيف سيسدد الدين الذي يبلغ 29 مليار دولار. صندوق النقد الدولي أعلن بأنه مستعد لزيادة القرض الذي طلبته مصر، من 3 مليارات إلى 5 مليارات دولار. ولكن سيكون عليها في المقابل تلبية شروط قاسية، مثل تعويم سعر الجنيه المصري وخصخصة شركات حكومية.
وسيضطر المواطنون المصريون يضطرون للوقوف في طوابير طويلة لشراء كيلو أو اثنين من السكر عقب نقص كبير في الإنتاج المحلي وإدارة فاشلة لاستيراد هذه السلعة. وزير التموين المصري طلب من المواطنين الصبر وعدم شراء السكر إلى حين حل الأزمة، “بعد أسبوعين” حسب قوله. مصر التي كان لها إسهام كبير في المفاوضات حول إطلاق سراح المخطوفين وحصلت على ثناء دولي من الرئيس الأمريكي جو بايدن، لا يمكنها الاكتفاء بشهادة الشكر هذه. هي بحاجة إلى الدعم الأمريكي عندما تريد الحصول على قروض أخرى من مؤسسات تمويل دولية، وهذا الدعم لا يعطى بدون مقابل سياسي، الذي يعني ضمن أمور أخرى، التنسيق الكامل مع النشاطات الحربية التي تقوم بها إسرائيل في غزة، والحرص على حجم قوافل المساعدات المتفق عليه. مصر لا يمكنها السماح لـ “مشكلة إنسانية” بأن تمس بمصالحها الاستراتيجية.
مقياس الضغط الأردني يرتفع
الأردن هو الدولة الثانية التي تتعرض للتهديد وتخشى من ترانسفير إسرائيلي يدفع سكان الضفة الغربية داخل حدودها. الحرب الثانوية التي تجري في الضفة، بالأساس التنكيل المتزايد من قبل المستوطنين للفلسطينيين وتجاهل حكومة نتنياهو أيضاً لتحذيرات واشنطن، كل ذلك يرفع مقياس الضغط الأردني. ولكن لا تستطيع عمان فعل الكثير، سواء في الضفة أو قطاع غزة. والأردن أيضاً تم دفعه إلى هامش المشاورات الأمريكية حول قضية “اليوم التالي” في غزة أو في موضوع الحل السياسي الذي يحاول جو بايدن دفعه قدماً.
حول استيعاب سكان غزيين في أراضيه، في الوقت الذي يعيش في الأردن اليوم أكثر من مليون لاجئ سوري وبقايا اللاجئين من حرب العراق، ليس هناك ما يمكن قوله، بالأحرى إن أي إضافة للاجئ فلسطيني ستهز الميزان الديمغرافي الهش وستعزز حلم إسرائيل بإقامة وطن بديل للفلسطينيين في الأردن. الأردن رفع في الواقع نسبة تصريحاته ضد إسرائيل، والمظاهرات ضد إسرائيل تلاقي غض نظر من قبل الشرطة، لكن المملكة تحذر في هذه الأثناء من اتخاذ أي خطوات تكون غير قابلة للتراجع عنها، وبهذا فقدان الحزام الأمريكي.
دولتا الأردن ومصر تقفان في جبهة المعارضة لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ولكنهما ليستا وحيدتين. لا توجد دولة عربية، حتى التي وافقت على استيعاب اللاجئين السوريين، اقترحت حتى الآن استيعاب اللاجئين من غزة. الحجة المطروحة أيديولوجية. استيعاب اللاجئين الفلسطينيين “سينهي القضية الفلسطينية”، حسب أقوال زعماء عرب ومراسلين. ولكن السبب الحقيقي هو الخوف من أن يخلق التركيز العالي للاجئين من غزة بؤرة جديدة من العداء والتهديد الأمني في الدول العربية. لأنه خلافاً للاجئين السوريين والعراقيين، لا توجد للاجئين الفلسطينيين دولة ليعودوا إليها بعد انتهاء الحرب.
هذا الذعر كان يمكن سماعه في لبنان في هذا الأسبوع بعد أن أعلنت حماس عن إقامة منظمة محلية جديدة باسم “طلائعيو طوفان الأقصى”، هدفها محاربة إسرائيل من أراضي لبنان. نشأ في الدولة احتجاج شاركت فيه عدة أحزاب، وطلب زعماء من كل الطيف السياسي منع وحظر أي نشاطات عسكرية لحماس من لبنان.
دول الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات، لا حدود مشتركة لها مع القطاع، وتتعامل مع غزة كمنطقة كارثة إنسانية. السعودية تقود مجموعة من وزراء الخارجية الذين التقوا مع زعماء الصين وروسيا وفرنسا ودول أخرى في محاولة للدفع قدماً بوقف لإطلاق النار لأغراض إنسانية، لا من أجل مناقشة خطوات سياسية مستقبلية.
قيود التعاون العربي
تطور في هذه الأثناء تهديد جديد على دول الخليج، على شكل هجمات الحوثيين على حركة الملاحة في البحر الأحمر. وكالة “رويترز” نشرت هذا الأسبوع أن السعودية توجهت للولايات المتحدة وطلبت “التعامل بضبط للنفس” في ردها على الهجمات من اليمن، حيث تخشى الرياض إذا كان الرد الأمريكي شديداً من إلحاق ضرر بفرص المفاوضات الجارية بين السعودية والحوثيين لإنهاء الحرب، أو حتى إعادة السعودية إلى مرمى أهداف الحوثيين.
للسعودية والإمارات عدة أمور ملحة للانشغال بها، مثلاً تنسيق سعر النفط العالمي، وهو الموضوع الذي استحوذ على الاهتمام أثناء زيارة الرئيس الروسي هذا الأسبوع. بوتين الذي لا يخرج من بلاده منذ بداية غزو أوكرانيا، يمكنه الشعور بالأمان في السعودية والإمارات، لا بسبب سرب الطائرات الحربية التي رافقته فحسب؛ بل لأن هاتين الدولتين لم توقعا على ميثاق محكمة الجنايات الدولية في لاهاي التي أصدرت أمر اعتقال ضد الرئيس الروسي.
السعودية والإمارات لا تتبنيا العقوبات المفروضة على روسيا، بل إن التجارة بينهما وبين موسكو آخذة في الازدهار، حتى إن بوتين أعلن هذا الأسبوع بأن “الإمارات هي الشريكة التجارية الأهم لروسيا في الشرق الأوسط”. هذا التصريح صحيح، رغم الحرب في غزة، لوصف علاقات إسرائيل مع أبو ظبي.
الفجوة في مواقف الدول العربية ورؤيتها لتهديد الحرب في غزة عليها، لا يجب أن تفاجئ أحداً؛ ففي 2011 اتخذت الجامعة العربية قراراً يشكل سابقة، حيث جمدت عضوية سوريا في الجامعة العربية. مقاطعة سوريا استمرت 12 سنة إلى حين عودتها إلى الحضن العربي، بدون أن تغير سوريا معاملتها لمواطنيها. في 2017 فرضت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصاراً اقتصادياً على قطر بسبب ما اعتبر تأييداً للمنظمات الإرهابية وبسبب علاقاتها الوثيقة مع إيران ونشاط قناة “الجزيرة” كوسيلة تحريض ضد الأنظمة العربية.
استمر الحصار أربع سنوات إلى حين المصالحة. وفي هذه الحالة، لم يحقق التحالف العربي أي نتائج حقيقية. تستمر قطر في تحسين علاقتها مع إيران، ولم تغلق قناة “الجزيرة”، وتستمر الدوحة في تمويل المنظمات الإرهابية، إضافة إلى حماس. يبدو أن الحرب في غزة تُحفظ في ملف الاستنتاجات العربية، التي بحسبها هناك حدود لقدرتها على تنظيم عمل مشترك ضد عمليات عسكرية أو سياسية في المنطقة.
القناة الوحيدة المحتملة ربما، من أجل نجاحها، هي القناة التي تربط بينها وبين واشنطن. ولكن حتى الآن يبدو أن هذه القناة لم تتأثر بالضغط العربي. وقرارات الرئيس الأمريكي، من بينها القيود التي يضعها على إسرائيل، تنبع من الضغط السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، بسبب الثمن الإنساني الفظيع الذي يدفعه الغزيون أكثر من خوفه من القطيعة مع الدول العربية.
تسفي برئيل
هآرتس 8/12/2023