الخرطوم- «القدس العربي»: تباينت مواقف الأطراف السودانية حول مخرجات قمة «إيغاد» الخاصة بالحرب المندلعة في البلاد منذ منتصف أبريل/ نيسان الماضي. بينما رحبت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي بجهود دفع الأطراف السودانية نحو وقف فوري لإطلاق النار.
وأبدت الحكومة السودانية تحفظها على بيان القمة مستنكرة ما اعتبرته صياغة معيبة وإقحاماً لفقرات دون مسوغ.
وقالت إن ما صدر من سكرتارية «إيغاد» باسم رؤساء الدول والحكومات في القمة الطارئة للمنظمة التي انعقدت السبت في جيبوتي، لا يعكس حقيقة ما تم الاتفاق عليه.
وشددت على أن السودان لا يعتبر هذا البيان يمثل ما خرجت به القمة، وأنه غير معني به حتى تقوم رئاسة «إيغاد» وسكرتاريتها بتصحيح ذلك.
وكانت «إيغاد» قد أعلنت في البيان الختامي للقمة، حصولها على التزام من رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان وزعيم قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بعقد اجتماع مباشر خلال مدة أقصاها 15 يوماً دون شروط.
بالمقابل، قالت وزارة الخارجية السودانية إن ذلك ليس ما تم الاتفاق عليه.
وأشارت إلى أن القمة التي كانت ليوم واحد، تضمنت جلسة مفتوحة، أعقبتها جلسة مشاورات مغلقة لرؤساء دول «إيغاد»، وأنه نسبة لضيق الوقت لم تتمكن سكرتارية «إيغاد» من إعداد مسودة البيان الختامي حتى وقت متأخر من مساء أمس.
وحسب وزارة الخارجية السودانية، أعلنت رئاسة «إيغاد» أن المسودة سترسل في نفس الليلة للدول الأعضاء للموافقة عليها، ليصدر البيان الختامي الأحد، ولكنها تأخرت في ذلك حتى اليوم التالي.
وذكرت أنه فور تسلّم مسودة البيان أبلغ السودان سكرتارية «إيغاد» أن لديه ملاحظات وتحفظات جوهرية على المسودة، مشيراً إلى ما اعتبره إقحام فقرات في المسودة دون مسوغ والصياغة المعيبة لما اتفق عليه في بعض المسائل المهمة بحيث إنها لم تعكس حقيقة ما تم التوصل إليه، وأنه زود السكرتارية بتلك الملاحظات.
واتهم سكرتارية «إيغاد» بالمخالفة الصريحة لما يحتمه النظام الأساسي من صدور القرارات بالتوافق بين الأعضاء، لافتاً إلى أنها سارعت بإصدار البيان الختامي دون تضمين الملاحظات والتحفظات التي قدمها وفد السودان.
وشملت الملاحظات التي قدمها وفد السودان حذف الإشارة إلى مشاركة وزير الدولة بوزارة خارجية دولة الإمارات العربية في القمة، مؤكدة أن ذلك لم يحدث.
البرهان وحميدتي أعلنا اشتراطات لعقد لقاء مباشر
وعلى خلفية اتهامات وجهتها الحكومة السودانية للإمارات بدعم قوات الدعم السريع وإمدادها بالأسلحة عبر مطارات أفريقية، تصاعد التوتر بين البلدين وصولاً إلى طرد دبلوماسيين.
وأكملت وزارة الخارجية السودانية في سردها لما اعتبرته تجاوزاً لملاحظاتها، أنها طالبت بحذف الإشارة إلى عقد رؤساء «إيغاد» مشاورات مع وفد «الدعم السريع»، منبهة إلى أنها «مليشيا محلولة». وشددت على أن ذلك يجافي الحقيقة، مشيرة إلى أن رئيس مجلس السيادة السوداني وهو أحد رؤساء «إيغاد»، لم يشارك أو يسمع بالمشاورات مع ممثلي الدعم.
ونبهت إلى أن وفد الدعم وصل في طائرة وزير الدولة بوزارة خارجية دولة الإمارات. وطالبت بتصحيح ما ورد بشأن موافقة البرهان على لقاء حميدتي الذي وصفه بـ»قائد التمرد»، موضحة أنه اشترط لعقد مثل هذا اللقاء إقرار وقف دائم لإطلاق النار، وخروج قوات الدعم السريع من العاصمة وتجميعها في مناطق خارجها.
طالبت الخارجية السودانية كذلك بحذف الفقرة التي تشير إلى مكالمة هاتفية بين رؤساء «إيغاد» مع (حميدتي)، مشيرة إلى أن هذه المكالمة تمت بين الرئيس الكيني وليم روتو وزعيم قوات الدعم السريع بعد انتهاء القمة، وأنها لا تعد من أعمال القمة، حتى يشار إليها في البيان الختامي.
وتضمنت الملاحظات التي سلمها السودان لسكرتارية «إيغاد» كذلك تعديل الفقرة التي تدين التدخلات الخارجية بحيث لا تتضمن المساواة بين القوات المسلحة و»الدعم السريع» باعتبارها قوة متمردة.
وطالبت بالإشارة إلى تقديم جمهورية مصر العربية «مبادرة دول جوار السودان» في الفقرة التي تتحدث عن المبادرات لحل الأزمة في السودان. واعتبرت بيان قمة «إيغاد» فاقداً للتوافق ولا يعتبر وثيقة قانونية لجهة عدم الأخذ بأي من ملاحظات الحكومة السودانية.
و قالت قوات الدعم السريع إنها تلقت دعوة رسمية لحضور قمة «إيغاد» في جيبوتي لمناقشة الأوضاع في السودان، وأنها قبلتها بشرط أن يحضر البرهان كممثل للقوات المسلحة وليس كرئيس للمجلس السيادي. وقالت إنها لا تعترف بوجود أي سلطة شرعية في السودان.
وأشارت إلى أن وفدها تحفظ على حضور الجلسة الرسمية بعدما علم أن البرهان حضر بصفته رئيساً لمجلس السيادة.
وأشار إلى انخراطه في اجتماع رسمي منفصل مع رؤساء جيبوتي ورئيس وكينيا، والصومال والسكرتير التنفيذية لـ «إيغاد» ووزيري الدفاع الكيني والأوغندي ووزير الخارجية الصومالي ووزير الدولة بالخارجية الإماراتي والمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة وسفير الولايات المتحدة لدى السودان والفاعلين الإقليميين والدوليين، قدم خلالها رؤية لإنهاء الحرب والطريق إلى الحل السياسي الشامل الذي يعبر عن الموقف الرسمي لقوات الدعم السريع. وقالت إن (حميدتي) شارك في محادثة مطولة مع الجهات الإقليمية والدولية، أكد من خلالها عن رغبته في وقف إطلاق النار والمضي قدماً في العملية السياسية بشرط أن تقود إلى معالجة ما قال إنها جذور الأزمة في السودان وتفضي إلى تأسيس دولة سودانية جديدة، بما في ذلك تأسيس جيش وطني ينأى عن السياسة
وأشارت إلى أنه وافق على الاجتماع المقترح، مشترطاً أن يأتي البرهان بصفته قائداً للجيش وليس رئيساً لمجلس السيادة. وفيما يبدو أن اشتراطات قادة الجيش والدعم السريع قد تجعل انعقاد اجتماع البرهان- حميدتي خلال أسبوعين، أمراً في غاية الصعوبة، تباينت مواقف الأطراف المدنية كذلك بالخصوص.
وأبدت كل من تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) وقوى الحرية والتغيير ترحيبها بمخرجات قمة «إيغاد»، خاصة ما ورد حول إعلان القائد العام للقوات المسلحة وقائد قوات الدعم السريع التزامهما بوقف إطلاق النار غير المشروط واعتماد خيار الحل السلمي السياسي.
ورأت أنه في حال الالتزام بما ورد في البيان، ستمضي الأوضاع نحو تطور إيجابي يمكن البناء عليه.
وبخصوص موقفها من تحفظات وزارة الخارجية السودانية حول البيان الختامي لاجتماع قادة دول منظمة «إيغاد»، قالت «الحرية والتغيير» إن الوزارة موالية للنظام السابق وإن بيانها أكد بشكل دامغ أن حزب المؤتمر الوطني- الحزب الحاكم في نظام الرئيس السابق عمر البشير- هو الطرف الأساسي المشعل والحريص على استمرار هذه الحرب.
وقال القيادي في «الحرية والتغيير» خالد عمر، إن بيان القمة يحمل مؤشرات إيجابية، أهمها موافقة الجيش و»الدعم السريع» على وقف فوري غير مشروط لإطلاق النار، وأن ذلك يمثل بارقة أملٍ مهمة لملايين السودانيين الذين دمرت الحرب حياتهم.
وأشار إلى أنه على النقيض؛ جاء بيان وزارة الخارجية التي رأى أنها مختطفة بواسطة عناصر النظام السابق، مضيفاً: «إنه كلما لاحت فرصة للسلام تكالب عليها حزب المؤتمر الوطني وأذرعه المختلفة ليفسدها ويقطع الطريق أمامها».
أما رئيس حزب الأمة «الإصلاح والتجديد» مبارك الفاضل، القريب من الجيش، فرأى أن مخرجات القمة كرست لاحتلال قوات الدعم السريع منازل المواطنين وسرقة ممتلكاتهم بتجاهلها عمداً إعلان مبادئ جدة الموقع في مايو/أيار الماضي، الذي نص على خروج الدعامة من منازل المواطنين والمرافق العامة، كما تجاهلت إدانة ما ارتكبته قوات حميدتي من جرائم قتل واغتصاب وإبادة جماعية.
وقال إن القمة اختزلت إنهاء الحرب في لقاء البرهان- حميدتي، مشدداً على أن الشعب طرف أساسي في عملية السلام، وأنه إذا لم تتم إعادة المنازل للمواطنين فلن تنجح محاولات تحقيق سلام. ولفت إلى أن محاولة الدعم كشريك في البناء السياسي والعسكري للدولة لن تنجح.
وقال القيادي في الكتلة الديمقراطية مبارك أردول، وهو موال للجيش، إنه «لا مجال لكي تصبح آلية «إيغاد» الحالية هي نفس الآلية التي أدارت الاتفاق الإطاري سابقاً وبنفس التكتيكات والمكاسب الصغيرة الضيقة»، مشدداً على أن ما اعتبرها «منهجية قديمة» لن تجدي نفعاً، مضيفاً أنهم «لن يستطيعوا أن يملوا على الشعب السوداني، خاصة بعد الدمار والتشريد والانتهاكات التي حدثت، خيارات غير متوافق حولها».
أما بشأن المواقف الدولية حول مخرجات القمة، فقد قالت الولايات المتحدة الأمريكية إنها ترحب بجهود قيادة «إيغاد» بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي والشركاء الدوليين والإقليميين الآخرين، نحو ضمان الوقف الفوري للقتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، والتزامها بمعالجة المشكلة.
وأشارت إلى أنها تشارك (إيغاد) قلقها العميق إزاء الخسائر الخاصة التي خلفها الصراع على النساء والأطفال، بما في ذلك العنف الجنسي المرتبط بالصراع، مؤكدة التزامها بالتنسيق الوثيق مع «إيغاد» والاتحاد الإفريقي والشركاء الآخرين في تسهيل حوار مدني شامل يملكه ويقوده السودانيون لمعالجة القضايا الانتقالية وقضايا الحكم واستئناف التحول الديمقراطي في السودان.
وكذلك رحب الاتحاد الأوروبي بنتائج القمة، مشدداً على ضرورة احترام الالتزامات المتبادلة التي تعهدت بها الأطراف المتحاربة في الصراع في السودان بوقف إطلاق النار غير المشروط والحوار السياسي والاجتماع وجهاً لوجه.