صَادفني كتابٌ

حجم الخط
0

في الصيف الفائت صادفني كتابٌ نادرٌ وأنا أتجول في المدينة العتيقة في تطوان، إحدى المدن المغربية العريقة، جمالا وهدوءا. وسط كورال من الباعة يهتفون ويمدحون… كان الممرُ ضيقا، فعنَّ لي الكتابُ من بين أدخنة كثيفة تلفح البصر، وتُعْشي العيون إنه، «من حديث الشعر والنثر» لعميد الأدب طه حسين. في شكل غلافه الخارجي حسبته كتابَه القديم -المتجدد، «في الأدب الجاهلي» ذي السطو العرفاني، الذي قلب موازين الأدب العربي. وبعد إمعان حذر خالجتني فرحة معفرة بدهشة لم أدرك مصدرها، لأنني سأشتريه، لا مناص من ذلك، بدريهمات معدودات، وهو ملقى على رصيف، تتقاذفه أرجل بعض السيّارة.
فاقتناء كتاب كهذا لطه حسين، يتملكني، دائما، غرور ممزوج بحبور، أستطيع أن أقول: إنه هرم لغوي فاتن بعربية ممشوقة في عباءتها الأصيلة. تتنفس أوكسجين الاشتقاق، في التضاد، وفي التقابل، وفي المقابلة أيضا، فيسبح الكاتبُ في ملكوت الكتاب، دون قيد أو شرط، مرسلا في ميادين الحرية، ثم الحرية، ثم الحرية.
في حديث طه حسين عن مكانة الأدب العربي بين الآداب الأخرى، تخللته حماسة منقطعة النظير، وهو يلقي المحاضرة تلو المحاضرة، بنفَس الواثق من مفراداته، التي يتصيدها بشبكات عيونها دقيقة جدا، وذلك من خلال مقارنته بالآداب اليونانية والفارسية والهندية، وما القرآن الكريم، في نظر طه حسين، إلا تلك اللحظة التي فجّرت ينابيع المعرفة والفكر. وشُقَّ، في ما بعد، الطريقُ أمام الحضارة العربية. في الظاهر أن الكتابَ عبارةٌ عن محاضرات ألقاها طه حسين في الجامعة الأمريكية سنة 1932، دفاعا منه عن أصالة الأدب العربي، فضلا عن دحضه لمجموعة من المزاعم المنتشرة، كالذباب، حول تلقي الأدب العربي.
ففي مقدمة هذه الإشاعات، التي أبطل جاهزيتها طه حسين، نجد تبعية الأدب العربي للأدب الفارسي، فطه حسين لم يتنصل من المسؤولية الملقاة على عاتقه، كمفكر وأديب، وإنما أقر بالتأثر الذي لحق الأدب العربي، إلا أنه لم يصل إلى درجة التبعية، ليقول: «أنا لست أنكر أن الفرس أثروا في الحياة العربية تأثيرا شديدا». فمن المعروف جدا أن الحياة العربية اغترفت من حوض الفرس في القرنين الثاني والثالث، خصوصا ما تعلق بمظاهر الحياة والطرف في الأكل والشرب واللهو والعبث، غير أنه في مجال الثقافة والأدب، نجد علو كعب الشعر العربي من حيث إنه بسط ظلاله الكثيفة على الشعر الفارسي، وما «الشهنامة» التي تعتبر مفخرة من مفاخر الفرس، سوى رجع الصدى للشعر العربي، التي ـ أي الشهنامة ـ نظمت على البحر المتقارب، بما هو بحر من بحور اللغة العربية. وبما يتماشى والإيقاع الخاص، لا يخفي طه حسين في كتابه «من حديث الشعر والنثر» التأثير الممنهج، الذي مارسه الأدب العربي على الضفة الأخرى، الأدب الأوروبي. فمن خلال الأعلام البارزين في الشعر والنثر على السواء، الجاحظ وأبو العلاء المعري، على سبيل المثال، ما كان للفرنسيين أن يعرفوا رينان وكازانوفا، بل إن الأدب الإنكليزي نفسه، لا يستطيع أن يتذوق شعر جون كيتس إلا بمقارنته بشاعرية أبي العلاء المعري، صاحب الدالية المشهورة، من الخفيف:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شاد

فالأدب المقارن مستساغ إلى حد ما من خلال هذا الأصل، الذي يعود إليه الباحث والأديب، بالموازاة مع ذلك، كان طه حسين يعرج في محاضراته على استبانة الفرق، في الأدب العربي، بين الشعر والنثر، من خلال التعابير التي يوظفها الكتاب أمثال: عبد الحميد وابن المقفع، بخلاف الشعراء الذين ينظرون إلى البيان بنظرة تذهب في اتجاه غموض الصورة الشعرية، وإبهام روابطها الفنية.
إن العصر الذي حاول أن يعمم فيه طه حسين النقاش، غطى حقبة زمنية تمتد لثلاثة قرون، برهن من خلالها المحاضر، كيف استطاع الفكر العربي أن يزيح الخيال من على سلطان عرش التأليف، ليفسح المجال للعقل العربي أن يستأنف مسيرة الإبداع، ويشق الطريق نحو الفلسفة والمنطق، باعتبارهما من مجالي الزيغ عن كل ما هو اعتيادي وبديهي ومألوف. فضلا عن ذلك، تعد هذه الطفرة النوعية، في نمط التفكير الإبداعي العربي، إبان القرنين الثاني والثالث، امتدادا شرعيا للفكر القلسفي عند اليونان، من خلال محاورات فيدون وطاليس وأرسطو، ليسبحوا في ملكوت المنطق والتفكير المبني على أسس عقلية. غير أن المقاربة ذات البعد الأدبي المحض من خلال ترصيع الكلام، وتجويد محطاته بالخيال والرؤى البعيدة، صار ميْسم الأدب الفارسي.
وبالموازاة مع ذلك، لم يتوان عميد الأدب في الدفاع عن النثر من زاوية أن قدرته بليغة في إيصال المعاني، وأقدر على وصف المعاني، يقول طه حسين في هذا المضمار: «وهذا طبيعي مفهوم، لأن النثر أيسر وأبسط، وهو أقدر وأوسع للمعاني». تأتي نتيجة هذا السباق، بين الشعر والنثر، لتلقي ظلالها الوارفة على ما سيأتي به الشعراء من قرائحَ. فعند أبي تمام والبحتري اجتمع، من خلال كتاب «الحماسة» الشعر بالنثر، فتغدو قصيدة «فتح العمورية» أو «قصيدة وصف إيوان كسرى» من بين ثوابت الشعر العربي على مرّ الزمن، حيث اجتمعت في هذه القصائد ذخائر اللغة العربية، بموسيقى نابعة من أجراس هذه الحروف، التي تغزو الأذن العربية.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية