أحلام القاهرة… نجيب محفوظ بين الباشا وخان الخليلي

حجم الخط
0

تحل هذه الأيام ذكرى ميلاد الأديب نجيب محفوظ، الذي يُعد قيمة وقامة بحق في الأدب المعاصر، فقد ترك بصمة بارزة لا تُمحى في التاريخ الأدبي الحديث، حيث يُعتبر إنتاجه، كما قال رجاء النقاش، من المصادر الأساسية لفهم ودراسة مصر الحديثة، بكل مشاكلها الاجتماعية والنفسية والروحية، فقد كانت رواياته أشبه بجديلة، قامت على تفاعل الإنسان والمكان، واشتبك فيها الفلسفي بالاجتماعي، بالسياسي، بالتاريخي، بالإنساني. يُعتبر محفوظ مثالاً في الصبر والمثابرة، فقد كان يُلزم نفسه ببرنامج عمل يومي في القراءة والكتابة، حيث كان يبدأ بالجلوس للكتابة أولاً، لأنها لو كانت قبل النوم مباشرة قد تنال من عُمق نومه، حسب تعبيره، وقد كان قبل بلوغه سن المعاش يجلس للكتابة من الرابعة حتى الثامنة، ثم يأتي وقت القراءة حتى موعد نومه، أما بعد المعاش فقد كان يجلس للكتابة من العاشرة صباحاً حتى الثانية ظهراً.

قال محفوظ في حواره المهم مع فؤاد دوارة، في كتاب «عشرة أدباء يتحدثون» إنه بدأ التأليف قبل تخرجه من الجامعة، وبعد تخرجه تجمع لديه ثلاث روايات، طاف بها على جميع الناشرين، ولم تخرج إلى النور، وفي عام 1939 نشر سلامة موسى أول رواية له وكانت «عبث الأقدار» وفي عام 1943 نشر عبد الحميد جودة السحار الرواية الثانية «رادوبيس».

أوضح محفوظ أن سيد قطب وأنور المعداوي، كانا أول ناقديْن كتبا عن رواياته في مجلة «الرسالة» في الأربعينيات، وكان لهما الفضل في انتزاعه من الظلام إلى النور، وكانت «القاهرة الجديدة» أول رواية تحقق صدى في العالم العربي، وحققت «خان الخليلي» نجاحاً أكبر، ثم جاءت «زقاق المدق» وغيرت الموقف تماماً.

مثلت الفضاءات الأدبية في مصر، ساحة مثالية، للمهارشات والمكايدات، وتصفية الحسابات الأيديولوجية، خلال القرن العشرين، فكان تقييم أعمال هذا الأديب أو ذلك الكاتب يتم وفق معايير حزبية، وربما «شللية» وهي آفة قديمة – جديدة عرفتها الأوساط الثقافية المصرية. ألقت المعارك السياسية/ الأيديولوجية، ذات الطبيعة الاستقطابية، بظلالٍ ثقيلةٍ على تقييم البعض لمسيرة هذا الأديب العظيم، حيث جنح البعض إلى محاكمة كتابات محفوظ وفق موازين أيديولوجية، بعيدة كل البُعد عن المعايير الأدبية، واعتبر كثيرون نجيب محفوظ بمثابة الابن البار لثورة 1919، التي عاصرها في طفولته، وشكلت جزءاً من تكوينه الفكري والوجداني، واحتلت مساحة كبيرة في رواياته، التي حملت انحيازاً واضحاً للوفد وزعيميْه سعد زغلول باشا، ومصطفى النحاس باشا، وقد بدا هذا بصورة جلية في «الثلاثية» كما أبدع محفوظ كثيراً في وصف جنازة زغلول في «قشتمر» وفي وصف جنازة النحاس في «الباقي من الزمن ساعة» وهو الأمر الذي ألقى ظلالا كثيفة، على إنتاجه الأدبي طوال مشواره الطويل، وقد ظل على موقفه هذا حتى كتاباته الأخيرة «أحلام فترة النقاهة» فقد كان للوفد وزعيميْه حضور لافت فيها، كما اعتبر البعض أن محفوظ هو أفضل من عبر عن الطبقة الوسطى المدينية، في نسختها الكلاسيكية في النصف الأول من القرن العشرين.

حملت كتابات محفوظ نقداً لاذعاً للحقبة الناصرية، فكتب «عنبر لولو» في صيف 1967 عقب الهزيمة، وهي قصة قصيرة حافلة برمزيات وإسقاطات سياسية، ثم جاءت «الحب تحت المَطر» التي روى محفوظ أن لها ثلاث نُسَخ منشورة غير متطابقة مع أصل الرواية، بسبب تدخل الرقابة التي أجبرته على تغيير تلك العبارة، التي أوردها في سياق حديثه عن هزيمة يونيو 1967: «لو أنهم انتصروا في حرب يونيو، لهرستنا الأقدام الغليظة إلى الأبد، فالهزيمة رغم شرها لا تخلو من بركة للمغلوبين على أمرهم» وبعدها خرجت «الكرنك» التي تناولت التعذيب في السجون الناصرية، بالإضافة إلى ما رواه لرجاء النقاش، عن ذكرياته عن انقلاب 23 يوليو/تموز 1952، وما تلاه من حقبة الديكتاتورية العسكريتارية الفاجرة التي قادت إلى 5 يونيو/حزيران 1967، وقد أحدث نشر تلك الذكريات دوياً كبيراً في الأوساط الثقافية.

تكوين محفوظ الفكري، وموقفه السياسي المنحاز إلى الليبرالية الوطنية، استعدى عليه الناصريين من جهة، كما جلب عليه عداء اليسار الماركسي من جهة أخرى، في حين تكفلت الجرعة الفلسفية الثقيلة العميقة في رواياته، التي لا يستطيع فك شيفرتها إلا الخاصة، في جلب عداء المُتنطعين المُتسلفين من أرباب الشكليات الدينية، وفقه اللحية والنقاب، من جهة ثالثة، حتى ظهر أحدهم منذ سنوات، واصفاً بكل تنطع وجهل، روايات محفوظ بأنها «أدب حشيش ودعارة» هكذا ضربة لازب. رماه الناصريون بـ»الرجعية» وبمعاداة المشروع «الثوري» الناصري، أما الماركسيون فقد وصفوه بـ»الموظف» واتهموه بعدم الاكتراث بقضايا «البروليتاريا» فقد رأوا أن رواياته خلت من أي توثيق أدبي لكفاح الطبقة العاملة في مواجهة الأرستقراطية في العهد المَلكي، ما دفع القطبان اليساريان عبد العظيم أنيس، ومحمود أمين العالم، إلى حد وصف نجيب محفوظ في كتابهما «في الثقافة المصرية» الصادر في منتصف الخمسينيات، بأنه «كاتب البورجوازية الصغيرة» وهو وصف يحمل قدراً من التهوين، والتبخيس من شأن محفوظ. فقد كان تقييمهما لمحفوظ أقرب ما يكون إلى محاكمة مجحِفة ومتربصة، حيث اتهماه بمعاداة الاشتراكية في روايتيْه «خان الخليلي» و»القاهرة الجديدة» بعدما أظهر شخصية «علي طه» في الثانية، بمظهر الثائر الذي يعاني اختلاطاً واضطراباً في تفكيره، وانتهى الأمر بإدانتهما لتوجهات محفوظ، وهو أمر يندرج تحت الجنوح الأيديولوجي، ويخرج تماماً عن أدوات النقد الأدبي. والحقيقة أن محفوظ كان مُتسقاً مع ذاته، في ابتعاده عن تصوير معاناة العمال والفلاحين في رواياته، فالرجل كان يكتب عن واقع عايشه، وهو ابن الطبقة الوسطى المصرية، ولم يعرف الريف المصري، كما لم يعرف بالدرجة الكافية معاناة العمال في تلك الفترة.

أثارت رواية «أولاد حارتنا» أزمة كبيرة اندلعت في عام1959، بعدما نشرت صحيفة «الجمهورية» مقالاً لكاتب يساري موتور، ذكر فيه أن شخصيات الرواية، التي كانت تُنشَر مُسلسلة في «الأهرام» شخصيات دينية، وأنها تحمل مضموناً يُسيء إلى الأنبياء، وقد أثار المقال ضجة كبرى، ما دفع السلطة إلى تشكيل لجنة من أساتذة في الأزهر، ضمت الشيخ محمد الغزالي، والشيخ أحمد الشرباصي، والشيخ محمد السعدي فرهود، وقد كتبوا تقريراً طالبوا فيه بوقف نشر الرواية، حفاظاً على قدسية الذات الإلهية، واحتراماً لمقام الأنبياء. كان للجدل الذي ثار حول «أولاد حارتنا» أسوأ الأثر، حيث تلقفها لاحقاً بعضهم من الخطباء المُتنطعين إياهم، من ذوي الثقافة «السمعية» واندفعوا بحماقة بالغة فضخموا منها وأوسعوا محفوظ تجريحاً، وصل إلى رميه بالإلحاد، والأسوأ أن بعضهم من المُنتسبين للحقل الدعوي، وضعوا نجيب محفوظ في قالبٍ مُصمَتٍ، وأصدروا عليه أحكاماً قطعية لا تقبل الجدال.

اللافت هنا أن محفوظ امتنع عن نشر «أولاد حارتنا» في مصر، احتراماً لرأي الأزهر، فلم تخرج روايته مطبوعة عن دار نشر مصرية، إلا في عام 2006، بعد سنوات من حادث طعنه، الذي ارتكبه شخص أحمق لم يقرأ حرفاً لنجيب محفوظ، ولم يعرف قدره، وقد فعل فعلته متأثراً بما سمعه من بعض المُتنطعين أنصاف المُتعلمين، الذين صاروا دعاة يرتقون المنابر، ويتبعهم الآلاف في الزمن الرديء. لكن يظل القدر المُتيقَن منه، أن تلك المعارك الأيديولوجية، خرجت عن النظرة الموضوعية، بعدما سقطت في وهدة الاختزالية، بالتوقف عند رواية بعينها ضمن مسيرة أدبية طويلة، فالاختزال آفة قديمة في حياتنا الفكرية والثقافية.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية