هآرتس: إسرائيل في حرب غزة.. إنجازات محدودة وثمن باهظ

حجم الخط
2

جرت الحرب هذا الأسبوع في قطاع غزة في ظل حادثة صعبة – الكمين الذي قتل فيه 9 ضباط وجنود من لواء غولاني ووحدة الإنقاذ 669 في الشجاعية الثلاثاء الماضي. قبل نهاية الأسبوع العاشر على القتال، يتضح بالتدريج أيضاً ثمن العملية البرية. حماس لا تنجح في وقف تقدم القوات في شمال القطاع، لكنها تلحق إصابات في الأماكن التي تعمل فيها بشكل من منظم، وتستطيع القيام بمبادرات هجومية معينة.
السيطرة العملية للجيش الإسرائيلي على مناطق لا تعني تطهيرها من المقاومة؛ ففي شمال القطاع حيث يجري قتال منذ نهاية تشرين الأول، لم يتم استكمال السيطرة، وبالتأكيد لا يوجد تطهير كامل.
في شمال القطاع وفي العملية المركزة في خانيونس على مستوى الفرقة، استمرت الجهود لتمشيط الأحياء بحثاً عن مزيد من فتحات الأنفاق، والسلاح ومنصات الإطلاق. لا يملك الجيش الإسرائيلي أي اختراع كي يدمر شبكة الأنفاق على رؤوس المخربين التي يختبئون فيها أو أن يستسلموا بسرعة، بمن فيهم كبار قادة حماس. في الشجاعية وجباليا، بؤرتا المقاومة في الشمال، يأمل الجي تعزيز سيطرته هناك في الأيام القريبة القادمة، حتى بعد ذلك ستبقى تشكل خطراً.
نجاح حماس العملياتي في الشجاعية سيؤدي إلى تصميم إسرائيل على هزيمة كتيبة حماس هناك. النتيجة المرافقة ستكون تدميراً كبيراً للبيوت بعد أن تسبب أحد المباني الذي لم يتم تفجيره قبل التمشيط إلى سقوط قوة فرعية في غولاني في كمين. على الأغلب، يقوم الجيش الإسرائيلي بعملية قصف من الجو وبالمدفعية بشكل خاص لكل هدف جديد للعملية البرية، تسمى معامل الانكسار. هذا يحتاج إلى غلاف قوي من سلاح الجو الذي يرافق القوات عن قرب ويقصف أي خطر محتمل حولها.
الحرب الحالية تجبي من “غولاني” ثمناً باهظاً، حتى أمس تم إحصاء 83 قتيلاً من اللواء، 70 منهم في الهجوم الإرهابي في 7 تشرين الأول، الذي فيه تمت مفاجأة قوات كتيبتين من “غولاني” على خط المواجهة. هذا العدد من الجنود يساوي فصيلاً كاملاً. وللمقارنة، يشكل هذا ثلثي خسائر “غولاني” في حرب يوم الغفران، التي حارب فيه اللواء في جبل الشيخ وهضبة الجولان. خسائر الجيش الإسرائيلي في القطاع، بالطبع، أقل بكثير نسبياً من خسائره في يوم الغفران.
من بين قتلى الحادثة في الشجاعية العقيد إسحق بن بيشد، وهو من مركز قيادة قائد اللواء، والمقدم تومر غرينبرغ قائد الكتيبة 13. أمس، أصيب قائد الكتيبة 12 في اللواء إصابة طفيفة في حادثة أخرى. هذه ليست المرة الأولى في القتال في الشجاعية التي يصاب فيها ضباط كبار من “غولاني”. في عملية “الجرف الصامد” أصيب في المعارك ثلاثة من قادة الكتائب في اللواء، قائد كتيبة الدورية روعي ليفي، وقائد اغوز يونتان روم، وقائد كتيبة 12 شاي سيمان طوف، الذي بقي على كرسي متحرك حتى الآن. بن بيشد تم استدعاؤه في حينه لاستبدال ليفي المصاب كقائد للكتيبة. في الحرب الحالية سقط الاثنان. العقيد ليفي، قائد الوحدة متعددة الأبعاد، قتل في اليوم الأول من القتال في المعركة في “كيبوتس ريعيم”.
المنطقة المأهولة تتسبب بثلاثة أمور ثابتة للقوات المهاجمة. أي عملية برية في منطقة مكتظة تحتاج إلى قوة بشرية أكثر مما يتم الاعتقاد في البداية وإلى فترة أطول وتستهلك سلاحاً أكثر. حتى بعد احتلال المنطقة، يبقى هناك خطر المهاجمة من الخلف من قبل قوات العصابات التي تكون مختبئة أثناء الهجوم. هذا ينطبق بشكل خاص على القطاع حيث تحتفظ حماس بسيطرة نسبية في المدينة تحت الأرض، في الوقت الذي تعمل فيه قوات الجيش الإسرائيلي فوق الأرض.
من يتحدث بمفاهيم التطهير الشامل لمنطقة، فإنه ببساطة يضلل الجمهور، ومثله أيضاً بعض المحللين في الأستوديوهات الذين يعلنون من أسبوع عن انهيار مؤكد لحماس. بشكل عام، من الأفضل أن تعرض وسائل الإعلام على الجمهور تحليلات متزنة عما يحدث، بدلاً من العمل كضباط من أجل رفع معنويات الشعب والجنود. حتى الآن، لا يمكن استبعاد السيناريو الذي سيستمر فيه الجيش الإسرائيلي في ضرب حماس، في الوقت الذي تركز فيه حماس على بقائها – وتحقق ذلك. تعول حماس على سحب إسرائيل لقواتها بشكل وشيك بناء على ضغط من أمريكا، الذي ستحاول حماس بعده عرض صورة انتصار رغم الدمار الكبير في القطاع وقتل آلاف من رجالها.
المعركة الرئيسية القادمة للحرب ستتركز على خان يونس، حيث تعمل الفرقة 98 منذ أسبوع. ويفترض الجيش الإسرائيلي أن كبار قادة حماس وعدد من المخطوفين موجودون هناك، إلى جانب كتائب حماس الخمس. الفرقة عملت بسرعة نسبية وسيطرت على شمال المدينة ومحيطها، معظم رجال حماس انسحبوا مع السكان إلى جنوب المدينة، وهرب بعضهم نحو الجنوب، إلى منطقة رفح. لحماس أماكن تقل بالتدريج من أجل الانسحاب إليها، لذلك، يتوقع أن يكون هناك قتال أكثر شدة مع استغلال شبكة متشعبة وعميقة للأنفاق.
يزداد الخوف على حياة المخطوفين. فحماس تحتجز 135 مدنياً وجندياً، والجيش الإسرائيلي أعلن عن موت 20 منهم سابقاً، استناداً إلى معلومات استخبارية وأحياناً إلى دلائل للطب الشرعي. يمكن الافتراض، بحزن، أن المزيد من المخطوفين لم يعودوا أحياء أو يمكن أن يموتوا في الأسر قريباً.
تولد انطباع بأن القيادة في إسرائيل تأخذ الزمن الذي ليس لها فيما يتعلق بالدفع قدماً بصفقة أخرى لتبادل المخطوفين. في الأيام الأخيرة، جاء أن الكابينت لم يصادق على سفر رئيس الموساد دادي برنياع، إلى قطر لاستئناف المحادثات، فيما ظهرت مبادرة وساطة جديدة من قبل مصر. يبدو أن رئيس الحكومة نتنياهو يخشى من الدفع قدماً بعملية، ستوضع على الطاولة في نهايتها احتمالية لإطلاق سراح الجميع مقابل الجميع، أي إطلاق سراح حوالي 6 آلاف سجين فلسطيني من السجون الإسرائيلية. والجيش يخشى من إيقافه ثانية في منتصف العملية البرية.
التركيز على خان يونس يطرح تقديرات حول مصير رئيس حماس يحيى السنوار، الذي ولد في مخيم اللاجئين في هذه المدينة. إسرائيل لا تخفي أن جزءاً من أهداف العملية هو إيجاد السنوار وقادة كبار آخرين، وقتلهم. في مقال مطول نشر هذا الأسبوع في “وول ستريت جورنال” عن شخصية، تم وصف السنوار الذي تحرر من السجن الإسرائيلي في صفقة شاليط في 2011 بأنه شخص يستحوذ عليه أمران: الأول، اكتشاف وقتل المشبوهين بالتعاون مع إسرائيل، والثاني إطلاق سراح أصدقائه من السجن. وقد استمر في العمل عليهما بشكل حثيث في السنوات التي أعقبت إطلاق سراحه.
إضافة إلى انشغال إسرائيل بالخطوات العملياتية، من احتلال الشجاعية وحتى تصفية الحساب مع السنوار، يستمر رفض نتنياهو لمناقشة سيناريو النهاية السياسية المرغوبة في القطاع، ناهيك عن إشراك السلطة الفلسطينية في الحل، كما تطلب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. طاقم “اليوم التالي” الذي عينه نتنياهو لا يستهدف تقديم الحلول، بل كسب الوقت. عملياً، حتى لو نجحت العملية العسكرية فإن سلوك نتنياهو السياسي قد يفشل استخدام إنجازاته لخلق واقع استراتيجي أفضل.
في المكان الذي يخلو منه سياسيون، على رئيس الأركان هرتسي هليفي أن يكون سياسياً. الآن لا يملك الكثير مما يخسره. الفشل العسكري سجل على اسمه في 7 تشرين الأول. منذ ذلك الحين، قاد الجيش بصورة مثيرة للانطباع إلى الاستيقاظ والهجوم، لكن لا يجب أن تكون لديه أوهام حول مستقبله. وبخصوص نية نتنياهو إلقاء كل المسؤولية عن الكارثة على الجيش و”الشباك” بعد انتهاء هذه المرحلة من الحرب.
هرتسي هليفي يخلع القفازات بالتدريج. فقد نشر أنه انتقد الوزيرة ميري ريغف: “أعرف أنك أنهيت التحقيقات التي لم نبدأ بها بعد”، قال لها بعد أن حاولت مهاجمته في إحدى الجلسات. لكن يبدو أن الوقت حان لأن يطلب رئيس الأركان، علناً، بلورة استراتيجية للقطاع والتوضيح للجمهور بأن المستوى السياسي هو الذي يعيق أي نقاش حول هذا الشأن. وبذلك، هو يصعب على تحقيق أهداف الحرب. قال مصدر رفيع في جهاز الأمن للصحيفة: “في إسرائيل يريدون قول لا لأي طلب خارجي، ويعتقدون أن كل العالم يعمل لدينا ويؤمنون بأنه يمكننا الحفاظ على الشرعية الدولية لاستمرار القتال في غزة. هذه الأمور لا تعمل معاً”.
نظرياً، من المفاجأة الفظيعة في بداية الحرب يمكن أن تتطور (شريطة أن ينجح الجيش الإسرائيلي في العمليات على الأرض) فرصة سياسية نادرة؛ ربما نكون أمام وضع جديد يتم فيه تحقيق التزام إقليمي جديد وأكبر لمعالجة مشكلة غزة والتعامل مع النزاع مع الفلسطينيين وربط ذلك بالتطبيع مع السعودية وتحسين العلاقات مع دول عربية معتدلة أخرى التي تخاف من إيران ومن الإخوان المسلمين، ومعنية بتقوية التحالف مع الولايات المتحدة. وفي هذا الشأن، يريد نتنياهو التسهيلات (السلام السعودي) بدون دفع الثمن (التقدم نحو الدولة الفلسطينية). ولكن ربما التهم 7 تشرين الأول كل أوراقه السياسية.
معامل العدوى
وكالة الأنباء “رويترز” نشرت أمس عن الارتفاع في الأمراض المعدية جنوبي القطاع، بالأساس في أوساط السكان الذين اضطروا للهرب من الشمال حسب الطلب الإسرائيلي. هناك تخوف من تفشي مرض التهاب الكبد الفيروسي (التهاب الكبد أ). ليز هايستنغز، المنسقة الأمريكية في المنطقة قالت إنه “يتطور هنا نموذج لكارثة صحية إنسانية”. في مكتب منسق أعمال الحكومة في “المناطق” [الضفة الغربية] يتشاورون دائماً مع الخبراء في وزارة الصحة لمتابعة الوضع. في هذه الأثناء، يتحدثون عن أمراض معوية وأخرى تنتشر من خلال لمس الحيوانات، ويخشون من انتقالها إلى قوات الجيش الإسرائيلي في المنطقة.
سلطة حماس المدنية في شمال القطاع انهارت إزاء الضغط العسكري الإسرائيلي هناك. أما جنوب القطاع فبقي لها أداء جزئي. لا يبدو أن هناك جهوداً إسرائيلية منظمة لتحقيق ضربة دراماتيكية لقدرة حماس المدنية على السيطرة رغم أن تدمير كل قدراتها جزء من الأهداف المعلنة للحرب.
إلى جانب العملية العسكرية في خانيونس، سيطرح سؤال: هل يجب علينا توسيع العملية في الجنوب إلى مخيمات اللاجئين في وسط القطاع أو الذهاب نحو الجنوب إلى منطقة رفح؟ في رفح مشكلتان: اكتظاظ شديد للاجئين من غزة، ومؤخراً من خان يونس، إضافة إلى القرب الكبير من مصر. من جهة أخرى، معبر رفح ومحور فيلادلفيا والأنفاق التي استخدمت في الـ 15 سنة الأخيرة من قبل حماس كممر للتهريب، التي حدث جزء منها من خلال غض نظر مصر. على إسرائيل السير بحذر إزاء الرغبة في الحفاظ على العلاقات مع مصر. في القاهرة يخشون من أمرين: المعارك في رفح التي قد تنزلق إلى الأراضي المصرية، ومحاولة إسرائيل زج مئات آلاف اللاجئين من القطاع إلى سيناء.
إسرائيل ومصر تناقشان الآن ترتيبات اليوم التالي في القطاع. يدور الحديث عن طبيعة الترتيبات الجديدة في محور فيلادلفيا وفي معبر رفح، ويتم فحص إقامة عائق ضد الأنفاق عميقاً تحت الأرض مثلما على الحدود بين إسرائيل والقطاع (هذا مفهوم آخر انهار في 7 تشرين الأول عندما اقتحمت حماس الجدار ببساطة الموجود فوق الأرض وتجاهلت العائق الموجود تحته).

تجري التحسسات الإسرائيلية باتجاه القطاع من خلال البحث عن حلول مؤقتة لا تصطدم مع الشرط الذي وضعه نتنياهو، بدون السلطة الفلسطينية. الآن هناك خطوات تنسيق أولية على الأرض لحل مشكلات محلية تواجه رجال أعمال وعشائر محلية ومؤسسات دولية وأحياناً أعضاء لجان مدنية مرتبطة بشكل غير مباشر بالسلطة.
على المدى البعيد، يخاف جهاز الأمن من السير نحو شركين – انهيار المنظومات المدنية الذي سيؤدي إلى إعادة إقامة حكم عسكري إسرائيلي (الفكرة الكارثية التي ورطتنا في السابق) أو الفوضى على صيغة الصومال التي لن يكون فيها أبداً أي عنوان للتنسيق معه في القطاع. وللمفارقة، خلافاً للأهداف المعلنة للعملية فإن إبقاء قدرة مدنية معينة لحماس ستسهل على أداء القطاع في المستقبل.
عاموس هرئيل
هآرتس 15/12/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية