في 8 أيار 1945 عندما وقعت القوات الالمانية المهزومة على اتفاق الاستسلام للحلفاء كانت الفرحة تطال عنان السماء. أكثر الحروب هولا وصلت إلى نهايتها، تلك التي جلبت معها الدمار بمستويات غير مسبوقة في التاريخ: نحو 60 مليون قتيل، ملايين اللاجئين من أبناء كل الأمم الذين كانوا ينتشرون في كل أرجاء اوروبا، اقتصاد وبنية تحتية مدمرة. في كل أرجاء القارة التي حررت من الحكم النازي أقيمت مسيرات عسكرية واحتفالات شعبية.
شعب واحد لم يشارك في هذا الفرح العام ـ الشعب اليهودي. بالنسبة اليه فقد تأخر الانتصار في المجيء. يوم التحرير الذي تطلع اليه اليهود طوال سنوات الكارثة كان بالنسبة لاغلبيتهم يوم ازمة وفراغ، يوم من الشعور بالعزلة، وقت شحبت فيه أبعاد الدمار الشخصي والعام معا. إن من بقوا على قيد الحياة كانوا مشتتين في كل ارجاء اوروبا، مئات الآلاف من الناجين من المعسكرات ومسيرات الموت، حُرروا على أيدي الحلفاء على ارض المانيا وفي اماكن اخرى وهم في وضع جسدي سيء جدا وفي صدمة. آخرين خرجوا للمرة الاولى من مخابئهم وأزالوا عنهم الهوية المزيفة التي تبنوها، أو أنهم خرجوا من بين مجموعات الانصار التي انضموا اليها التي في اطارها ايضا شاركوا في معارك تحرير اوروبا.
بعد توقيع الاتفاقات السياسية في نهاية الحرب بدأ حوالي 200 ألف يهودي آخرين بالعودة تدريجيا إلى الغرب، الذين هربوا إلى مناطق الاتحاد السوفييتي ونجحوا في البقاء أحياء. اسئلة هامة وقفت أمام الناجين مع التحرير: كيف يمكنهم العودة إلى الحياة الطبيعية، يبنون بيتا وعائلة؟ واذا كانوا قد بقوا أحياء فأي واجب ملقى عليهم تجاه من قتلوا ـ الحفاظ وتخليد تراثهم؟ الثأر، كما طلب الكثيرون قبل موتهم، الاغلبية العظمى توجهت إلى طريق الاعمار، البناء والانتاج، إلى جانب تخليد الذكرى.
مع التحرير، خرج الناجون للبحث عن أبناء عائلاتهم وأقاربهم واصدقائهم الذين ربما نجوا. قرر الكثيرون العودة إلى اماكن سكنهم عشية الحرب، لكن اللقاء مع البيت المفقود كان اصعب من الاحتمال. في جزء من الاماكن التي عادوا اليها وفي الاساس في شرق اوروبا واجه الناجون مظاهر قاسية من اللاسامية، وحوالي ألف منهم قتلوا في السنوات الاولى بعد الحرب على أيدي محليين. هذه الظواهر عبرت في نظر الكثيرين عن انعدام الأمل لتجديد الحياة اليهودية في الاماكن التي خرجوا منها، وتعاظم جدا تيار الخارجين من شرق اوروبا، الذين حاولوا بكل السبل التوجه نحو الغرب والجنوب.
لقد تجند شباب يهود لمساعدة حركة الجمهور هذه التي سميت بـ «الهرب» والتي تركزت في الاساس في تنظيم الانتقال إلى مناطق السيطرة البريطانية والامريكية في المانيا. بوصولهم إلى تلك المناطق انضم الهاربون إلى عشرات آلاف الناجين اليهود الذين حُرروا في وسط اوروبا، ومعا ركزوا في معسكرات تم اخلاؤها في المانيا، النمسا وايطاليا. في الايام والاسابيع الاولى بعد التحرير بدأ الناجون في الانتظام، رغم الحزن والحداد ووضعهم الجسدي السيء والصعوبات الكثيرة.
نحو ثلثي الناجين اختاروا عدم البقاء في اوروبا مع انتهاء الحرب وقرروا الهجرة إلى إسرائيل. الهجرة السرية والعلنية إلى ارض إسرائيل، والهجرة إلى دول اخرى كانت بالنسبة لهم مرحلة هامة في عملية تأهيلهم للحياة الطبيعية وشهادة على اختيارهم مواصلة الحياة. شارك الناجون كل واحد بطريقته في بناء عالم أفضل من اجل أنفسهم، ومن اجل اولادهم ومن اجل الاجيال القادمة الذين لم يعرفوا أهوال الكارثة.
إسرائيل اليوم 16/4/2015
دينا بورات