اقتحامات الضفة طويلة المدى «بروفا» للتطهير العرقي بعد انتهاء الحرب على غزة

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

جنين -«القدس العربي»: يسخر شبان في مخيم جنين من الحالة التي وصل إليها مخيمهم بعد ما يقرب من مئات الاقتحامات الإسرائيلية، حيث يقول أحدهم: “أصبحنا بحاجة إلى مراكب ومجاديف للتجول في شوارع المخيم” وذلك في ظل تدمير الاحتلال لكل مقومات البنية التحتية من صرف صحي وشوارع ومياه وكهرباء.
وفعلت الأمطار الغزيرة فعلها في تحويل حياة المواطنين إلى جحيم، بعد أن توقفت جهود إصلاح الشوارع والشبكات الخدماتية وذلك بعد أن جاءت الهجمات الإسرائيلية عليها جميعا، وتحديدا تلك الشوارع الداخلية تم إعادة إصلاحها قبل فترة قصيرة.
في المقابل وبعد أكثر من عام ونصف على الصبر والصمود قررت أم عبد الله (50 عاما) من سكان أطراف مخيم جنين الشرقية الانتقال إلى منزل مستأجر في منطقة “الجابريات” وذلك مخافة أن يصاب أبنائها بالرصاص وشظايا القنابل.
تقول “أم عبد الله” وهي أم لخمسة فتيات وشابان، أن المنزل أصيب أكثر من مرة، وتتابع: “لقد فجرت شظايا القنابل والصواريخ خزانات الماء، واخترق الرصاص أغلب نوافذ المنزل ليلا ونهارا، وهو أمر جعلني أفكر بترك المخيم”.
وتتابع: “المخيم ساحة معركة، الاقتحامات لا تتوقف، والجنود لا يفرقون بين مقاوم ومدني يسكن في المخيم، وبالتالي ومن واقع حرصي على أطفالي قررت كما حال الكثير من العائلات ترك المخيم ولو مؤقتا”.
ولا يبدو حال أم عبد الله مقتصرا عليها، حيث تشير معلومات مصدرها شبان ونشطاء في المخيم إلى أن الكثير من العائلات لم تستطع تحمل بقاء العيش في المخيم، في ظل أن المسألة طالت أكثر مما توقع الجميع، والاقتحامات أصبحت فعلا أسبوعيا.

اقتحامات دموية

ومنذ معركة “طوفان الأقصى” التي انطلقت في 7 أكتوبر نفذت قوات الجيش الإسرائيلي ما يقرب من 16 عملية اقتحام دموية كان أطولها الاقتحام الأخير الذي استمر على مدى 3 أيام متواصلة وسقط خلاله 12 شهيدا.
وحسب، نضال عبيدي، رئيس بلدية جنين، فإن المدينة ومخيمها منذ 7 أكتوبر، ولغاية الاقتحام الأخير سقط فيها أكثر من 70 شهيدا، وهي أعلى نسبة من الشهداء خلال فترة سبعين يوما تقريبا.
ويشدد عبيدي أن “حقد الجنود غير طبيعي، إنه منقطع النظير، وهو أمر نراه بعد أن تقوم وحدات الجيش بتبديل شفتات/ الوحدات، بين فترة وأخرى، نلحظ أن الجنود يسعون إلى التنافس فيمن يقتل ويدمر أكثر، لقد لاحظنا أن حالات القتل تزيد في اللحظات الأخيرة من العملية”.
ويتابع: “لقد دمروا في الاجتياح الأخير شارع حيفا التاريخي بالكامل، كان يربط مدينة جنين بمدينة حيفا في الداخل المحتل، إنه شارع يعز علينا وله خصوصية عند جميع أهل جنين”.
ويضيف: “صواريخ الطائرات المسيرة دمرت أكثر من 40 منزلا، لقد حرقوا عشرات المحلات والبيوت، ودمروا المركبات، لقد أوقعوا خسائر كبيرة جدا، ضرب سوق المدينة، التي أصبحت مهجورة ومدينة أشباح منكوبة خلال أوقات الاجتياح”.
ويرصد عبيدي قائلا: “القوات الخاصة الإسرائيلية أصبحت تحتل البيوت، تطرد المواطنين أو تحبسهم في غرفة وتحتل باقي المنزل، تحوله إلى ساحة للقنص والقتل، كما أن أول ما يقوم به الجيش هو حصار المستشفيات، حيث أصبح العلاج مسألة خطرة”.
واعتقلت وحدات الاحتياط من الجيش الإسرائيلي في الاقتحام الأخير أكثر من 500 مواطن ونقلوا إلى معسكر سالم غرب المدينة من أجل التحقيق معهم.
وقام جنود الاحتلال بتصوير أنفسهم وهم يذلون المدنيين الفلسطينيين الذين تم احتجازهم كرهائن.
ويرى عبيدي أن الفعل الإسرائيلي نابع من أن “الاحتلال منح الضوء الأخضر من الأمريكان ودول الاستعمار القديمة لقتل الفلسطينيين، وهو أمر ينعكس بكل الحقد الذي نراه، ويتجلى بالصراع الإسرائيلي-الإسرائيلي فيمن يقتل أكثر حتى ينال رضا المجتمع الإسرائيلي”.
يقول مواطن “لـ”القدس العربي” أمور كثيرة أصبحت تحدث في جنين ومخيمها، منها أن “المواطنين أصبحوا يشيعون جثامين أبنائهم ليلا، وهو أمر نادر الحدوث”.
وكان جيش الاحتلال قد انسحب من المدينة في ساعات المساء وهو ما دفع بالمواطنين إلى تشييع جثامين أبنائهم في ساعات متأخرة.
وبمجرد انسحاب الجيش الإسرائيلي من المخيم عاد مئات السكان لتفقد منازلهم وممتلكاتهم.

إفراغ المخيمات

ويقرأ الدكتور أحمد جميل عزم، أستاذ العلاقات الدولية والمهتم بحثا ومتابعة في الحراكات الشبابية الفلسطينية، يقرأ ما يحدث في المخيمات بأنه “عملية تغيير ديموغرافي بالدرجة الأولى وعملية تهجير للناس وصولا إلى إفراغ المخيمات”.
ويرى أن جهود استهداف الحاضنة الشعبية في المخيمات والمدن الفلسطينية ترتبط بمحاولة ما أطلق عليه “كي الوعي” التي كانت موجودة عند القيادي الإسرائيلي يعالون، وبالتالي هي استمرار لها.
ويضيف: “نحن إزاء حكومة يمينية جديدة تتبنى التهجير صراحة، وتتبنى القوة القصوى والقوة المفرطة، حيث ينظر إليها على أنها طريقة حل المشكلة، حتى أن بن غفير قال وطالب سابقا بإن كل صاروخ وكل رصاصة تطلق يجب أن يرد عليها بمئة”.
ويرى عزم التدخل أو الاقتحامات طويلة المدى بإنها أصبحت اليوم واقعا، بعد أن كانت دعوة من المستوطنين المتطرفين.
ويضيف: “في حملة الأول من تموز على مخيم جنين نرى أن الحملة فشلت في ذلك الوقت بسبب إعادة انتشار المقاومين تفاديا للخسائر في صفوفهم، وبالتالي كانت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مترددة جدا في تبني فكرة الاقتحامات الطويلة المدى، أما ما يحدث الآن وبالربط مع ما يحدث في غزة، نرى أن الجناح الذي يدعو للتطهير العرقي واستئصال الظواهر المقاومة، حتى لو كان ذلك على حساب قتل أعداد كبيرة من المواطنين، أكثر قوة وحضورا”.
ويرى عزم أن ما يجري في جنين ومدن الضفة الغربية “بروفا” أي أنه تدريب على ما سيجري في الضفة بعد الانتهاء من الحرب على غزة، في ظل “أن الجانب الإسرائيلي لا يقوم بالقتال على أكثر من جبهة، وبالتالي نقرأ ما يحدث في الضفة على أنه حالة تسخين لها وتحضيرها لما بعد غزة، إلا إذا سقطت حكومة نتنياهو، فإن الأمور ستختلف عندها”.
ويشدد عزم ان عين الاحتلال على الضفة الغربية كان قبل 7 أكتوبر، فحتى عملية “طوفان الأقصى” كانت ردة فعل على ما يحدث في القدس والضفة الغربية.
ويشدد ان المخطط الإسرائيلي كان يهدف إلى تحييد غزة قبل 7 اكتوبر عبر إدامة الانقسام بين الضفة وقطاع غزة، ومنح القطاع ما يبقيه على قيد الحياة من دون أن يقويه، وهي معادلة نتنياهو التي هدف من خلالها ضمان هدوء القطاع، وذلك عبر ضخ أموال من دون أن يكون ذلك مرتبطا بحياة جيدة للمواطنين.
ويضيف أن الجانب الإسرائيلي وتحديدا الحكومة الحالية لا تخفي أن لديها خطة حسم، وهي تقوم على الديموغرافيا، أي عبر تغيير الديموغرافيا بشكل كبير وهو أمر قائم على تعظيم الاستيطان وتخفيف الحضور الفلسطيني، ومنح الفلسطينيين خيارات ثلاثة وهي تلك التي قدمها الوزير الحالي سموتريتش قبل الانتخابات حيث تضمنها برنامجه وهي: إنسان من الدرجة الثانية، أو يغادر فلسطين، أو يقاوم، وهنا كان قد استشهد بنص من التوراة، حيث قال في الكنيست أنه “في حال رفض كنعان ورفعوا رؤوسهم فلن نبقي فيهم روحا”.
ويرى أن المؤكد ان هناك أيديولوجيا قائمة على التخلص من الفلسطينيين، وفي ذلك الوقت كان الحديث عن الضفة الغربية، أما اليوم فاختلف الترتيب حيث أصبحت غزة في المقدمة حيث الحديث عن التطهير العرقي وتخفيف السكان.
فيما يتعلق بالتغيير الديموغرافي في المخيمات الفلسطينية ليس مسألة جديدة، لكن بعد حكومة نتنياهو وكل حكوماته قامت على سياسة تقليص الوجود الفلسطيني في خارج نطاق المدن الفلسطينية (أي في الريف والقرى) على سبيل المثال قرية نعلين قضاء رام الله، وكل القرى التي لها جدران وبوابات مثل عزون عتمة، والنبي صالح، يتم الضغط على السكان وتضييق سبل العيش، وتقييد الحركة ومنع الدخول والخروج إلا بتصريح والهدف من وراء ذلك هو تشجيعهم على الهجرة وتجميع الفلسطينيين بالمحصلة في “قصبات المدن” وداخلها، ونتيجة ذلك فراغ الريف، أما استهداف مخيم جنين وبقية المخيمات، فيبدو أن الخطر الأساسي اليوم هو تفريغها من السكان أو إعادة القبضة الأمنية عليها.
وختم عزم: “لدى بن غفير مخطط أكبر مرتبط باستهداف رموز الهوية الوطنية الفلسطينية، مثل تجريم حمل ورفع العلم الفلسطيني، إلى جانب الرموز الهوية والتراث الفلسطيني، فهناك نية لهندسة جديدة للاحتلال، يدخل فيها موضوع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ونرى هنا الاستهداف يطال كل الكيانية والمؤسساتية والهوياتية الفلسطينية، كلها أصبحت مستهدفة ويريد الاحتلال التخلص منها”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية