انقسام أوروبي حول تأييد فرض عقوبات على المستوطنين «العنيفين» في الضفة الغربية المحتلة أسوة بواشنطن

أدم جابر
حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: بينما يتركز قدر كبير من الاهتمام الدولي على الحرب في غزة، عبر مسؤولون غربيون، في الأيام الأخيرة، عن قلقهم المتزايد حيال تنامي أعمال العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة. فبعد الولايات المتحدة الأمريكية التي تبنت لأول مرة عقوبات ضد المستوطنين الإسرائيليين العنيفين الذين يهاجمون الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، أتى الدور على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء الرئيسية لإثارة الموضوع؛ وذلك في مواجهة مخاطر اندلاع حريق في الضفة الغربية المحتلة، ومحاولة العديد من الغربيين المؤيدين لإسرائيل بقوة في ظل اتهامهم في منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى حول العالم بالتورط في المجازر الحاصلة ضد المدنيين في غزّة من خلال الدّعم الكلي الذي تلقته حكومة بنيامين نتنياهو من حكومات هذه البلدان الغربية، رداً على الهجوم المباغت وغير المسبوق الذي نفذته حركة حماس الفلسطينية، على الأراضي الإسرائيلية.
برلين التي طالما عارضت فرض عقوبات ضد المستوطنين على المستوى الأوروبي، كما أشارت صحيفة “دي فيلت” الألمانية، أعلنت أنها تنظر في فرض عقوبات على المستوطنين الإسرائيليين الذين يعتبر سلوكهم “متطرفا” على الرغم من علاقاتها الوثيقة مع الدولة العبرية والتزامها غير المشروط بـ”أمن إسرائيل”. وقال المتحدث باسم حكومة الاشتراكي الديمقراطي، أولاف شولتز، في السادس من كانون الأول/ديسمبر، أنها طلبت فرض عقوبات أوروبية مشتركة على هؤلاء الإسرائيليين المتطرفين، الذين يستفيدون من دعم الجناح المتطرف لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وشددت الحكومة الألمانية على أن تزايد عمليات الاستيطان على الأراضي الفلسطينية، سنة تلو الأخرى، لا يؤدي من خلاله المستوطنون اليهود إلا إلى تفاقم التوترات السائدة في المنطقة وتخريب إمكانية التوصل إلى حل لدولتين في فلسطين.
في الوقت نفسه، طالبت الحكومة الألمانية مع نظيرتها الإيطالية والفرنسية بفرض عقوبات على بعض أعضاء حركة حماس الفلسطينية، وذهبت باريس يوم الخامس من الشهر الجاري إلى اتخاذ قرار أحادي بتجميد أصول زعيم حركة حماس في غزة يحيى السنوار. وعلى غرار واشنطن وبرلين أعلنت فرنسا هي الأخرى عن عزمها اتخاذ إجراءات ضد مرتكبي أعمال العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة والتي تزايدت منذ يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وقالت آن كلير ليجيندر، المتحدثة باسم وزارة الخارجية: “هذا العنف يجب أن يتوقف. إنه من مسؤولية السلطات الإسرائيلية ضمان ذلك ومحاكمة مرتكبي أعمال العنف هذه. نحن ندرس اتخاذ تدابير لحظر الأراضي الفرنسية على هؤلاء المستوطنين وتجميد أصولهم على المستوى الوطني، ولكن أيضًا على المستوى الأوروبي”. وهو موقف أيدته دول أوروبية أخرى كإسبانيا وبلجيكا وإيرلندا.
وقد تمت مناقشة فرض عقوبات محتملة على المتطرفين الإسرائيليين في الضفة الغربية، يوم الإثنين الــ11 كانون الأول/ديسمبر الجاري في بروكسل، خلال اجتماع لوزراء خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كما أشار إلى ذلك رئيس الدبلوماسية الأوروبية جوزيب بوريل، مؤكداً أنه “لم يكن هناك إجماع” حول الموضوع، مضيفاً أن الموضوع سيرفع إلى قادة الدول الـ 27 على شكل اقتراح.
بعد ذلك بيومين، وفي معرض إدانتها للعنف الذي يهدد بتفاقم التوترات الإقليمية، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، يوم الأربعاء الــ13 من الشهر الجاري، أنها تؤيد فرض عقوبات على المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية في ظل تصاعد أعمال العنف من قبلهم والتي تسبب معاناة هائلة للفلسطينيين وتقوض احتمالات السلام الدائم ويمكن أن تزيد من تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي، مشددة القول على إن “هذا العنف لا علاقة له بالقتال ضد حماس ويجب أن يتوقف”. لكن مراقبين ودبلوماسيين أوروبيين يستبعدون امكانية التوصل إلى اتفاق حول هذه فرض العقوبات في ظل معارضة دول مثل النمسا والمجر وجمهورية التشيك بشدة لهذه الخطوة. وتذهب مصادر دبلوماسية أوروبية إلى القول إن أوروبا غير جادة بخصوص هذا الموضوع، مشيرة إلى موضوع العقوبات هذه ضد المستوطنين العنيفين سبق وأن تم ذكره عدة مرات في خلال العقد الأخير، لكن الأمور بقيت حبراً على ورق حتى الآن. واعتبر الوزير الفرنسي الأسبق، هوبير فيدرين، في مقابلة تلفزيونية مع “فرانس-انتر” أن المستوطنين في الضفة الغربية “يتصرفون مثل الأمريكيين مع طائرات الأباتشي، فهم يريدون إجبار الفلسطينيين على المغادرة” مشيداً بطرح الولايات المتحدة وفرنسا لأول مرة لمسألة فرض عقوبات.

عقوبات بريطانيا

أسوة بواشنطن وبعض دول الاتحاد الأوروبي، أعلنت المملكة المتحدة، بدورها، يوم الخميس الـ14 من الشهر الجاري، أنه سيتم منع المسؤولين عن أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد الفلسطينيين من دخول بريطانيا، وذلك بعد الحديث عن قرار مشابه من جانب الاتحاد الأوروبي. قال وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون على منصة إكس: “يقوض المستوطنون المتطرفون، من خلال استهداف وقتل المدنيين الفلسطينيين، الأمن والاستقرار لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين”. وأضاف “يجب على إسرائيل أن تتخذ إجراءات أقوى لوقف عنف المستوطنين ومحاسبة الجناة. سنمنع المسؤولين عن عنف المستوطنين من دخول المملكة المتحدة للتأكد من أن بلدنا لا يمكن أن يكون موطنا للأشخاص الذين يرتكبون هذه الأعمال الترهيبية”. وفي وقت سابق، أعلن وزير الدولة البريطاني آندرو ميتشل للبرلمان يوم الاثنين إن كاميرون ناقش مسألة حظر السفر مع نظيره الأمريكي أنتوني بليكن الأسبوع الماضي. كما تأسف المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية “لجميع أعمال العنف المتطرفة. ليس هناك أي عذر لاضطلاع أفراد بالقانون أو للشغب، وسنواصل الإصرار على التعامل مع جميع أعمال العنف المتطرفة بالقوة الكاملة للقانون”.
تشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن الهجمات اليومية التي ينفذها مستوطنون في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل زادت أكثر منذ الهجوم الذي نفذته حركة حماس الفلسطينية في السابع من تشرين الأول/اكتوبر الماضي على إسرائيل. وقد قتل ما لا يقل عن 270 فلسطينيًا بنيران إسرائيلية وهجمات للمستوطنين منذ هذا التاريخ، وفقًا لمسؤولين فلسطينيين. وكانت مدينة جنين ومخيم اللاجئين التابع لها مسرحاً للغارات الإسرائيلية المتكررة، مما تسبب في مقتل العشرات هذا العام.
ووفقاً للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية غير الحكومية، فقد قُتل سبعة فلسطينيين على يد المستوطنين منذ بدء الحرب الجارية في غزة. لكن منظمة “بتسيلم” توضح أنه “ففي كثير من الأحيان يكون من الصعب التمييز بين المستوطن والجندي الذي يطلق النار، لدرجة أن المستوطنين يرتدون الزي الرسمي جزئيًا، بينما هناك جنود في إجازة، وهم مستوطنون ومسلحون، لكنهم لا يرتدون الزي العسكري”.
وقد اضطر سكان مخيمات للرعاة الفلسطينيين إلى الفرار بعد مداهمات عنيفة شنها المستوطنون. كما تضررت المنازل في القرى، ولم يتم القبض على الغالبية العظمى من مرتكبي هذه الأفعال. وشهد الجنود هذه الهجمات في بعض الحالات دون التدخل. ووجد المستوطنون المتشددون الآخرون، بتشجيع من نفوذهم في الحكومة، أرضية جديدة للتعبير عن رغباتهم، حيث أطلقوا حملة لصالح إعادة احتلال إسرائيل لقطاع غزة في نهاية الحرب، وإعادة بناء المستوطنات في هذا القطاع.
وتعد المستوطنات واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر منذ عقود. وهي مبنية على أرض احتلتها إسرائيل في حرب 1967 يسعى الفلسطينيون لأن تضمها دولتهم المستقلة في المستقبل. وتعتبرها معظم الدول غير قانونية، لكنها تواصل التوسع على مر السنين. فقد تم تفكيك مستوطنات غزة خلال الانسحاب الإسرائيلي من هذه المنطقة عام 2005. وقبل ذلك التاريخ، تم تمركز 8 آلاف مستوطن في 21 مستوطنة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية