من منا لم يعرف الخوف؟ من منا لم يضطرب وتتسارع دقات قلبه خوفاً؟ الخوف شعورٌ بدائي، قديمٌ قدم الإنسان، وظفه ليحافظ على وجوده في محيطٍ خطرٍ يتهدد وجوده، أكاد أجزم بكونه أسبق من الحب.
ولما كان «الخوف» عنواناً جامعاً، فإن مشاعر متعددة تنضوي تحت مظلته، تتراوح في حدتها ومدى استحواذها من تلك المخاوف البسيطة التي تزور كلاً منا، كالخوف من التأخير على ميعاد العمل أو امتحان، إلى حالات الرعب التي قد تتملك شخصاً فتعتصر أحشاءه وتدمره.
كل ذلك مألوف وربما لا يعيره أحدٌ اهتماماً ويتم التعامل مع نماذج الخوف تلك كحالاتٍ فردية نختار تجاهلها في أنانيتنا دون أي مجهودٍ يذكر. أما حين يتملك الخوف مجتمعاتٍ ودولاً بأكملها فيسيطر عليها ويصبح حالةً وجودية تحكم خياراتها وترسم مسارها في لحظةٍ من أكثر لحظات تاريخها حرجاً ومحورية، فتلك حكايةٌ أخرى.
منذ ثورة كانون الثاني/يناير 2011، وبعد مضي أيام النشوة والتفاؤل الأولى، بدأ الخوف يشق طريقه إلى قلوب المصريين وغيرهم من سكان منطقتنا المصابة بلعنة النفط والمسكونة بالتشرذم وما يورثه من ضعف…ربما تسرب شيٌء من القلق المصاحب للحيرة إلى نفوسهم إزاء تساؤلاتٍ وخياراتٍ جديدة عليهم واجهتهم عندما بدأت مواسم الاستفتاءات ومن ثم الانتخابات، ربما، إلا أن الأكيد أن أول خوفٍ حقيقي بدأ مبكراً عن ذلك، مع فتح السجون وإطلاق المجرمين الجنائيين إلى الشوارع، أيام اللجان الشعبية، وبعيداً عن الحجة التقليدية الممجوجة بأن جهاز الشرطة الذي أنهكته أيام الثورة الأولى لم يقدر فعلياً السيطرة على السجون، فإن من شبه المؤكد أن ثمة قراراً قد اتخذ بعقاب الشعب المصري الذي تجرأ «فتطاول على سادته» وهو الأمر الذي تأكد بعد ذلك على مدار السنوات اللاحقة حتى انتخاب السيسي. فتح النظام ممثلاً بالمجلس العسكري ومن ثم أجهزة الدولة العميقة أبواب الجحيم على الشعب المصري ليعرف كل معاني الخوف، خوفٌ على الرزق وانعدام أمان، قصص الأطفال المخطوفين الذين يساوم المجرمون أهلهم عليهم مقابل مبالغ طائلة وكذا السيارات ليعرف الناس معنى أقل القليل الذي كان بحوزتهم ويفتقدونه ويحنون إليه وإلى استقراره.
فبالإضافة إلى الخوف، عرف الكثيرون الحنين إلى زمنٍ فهموه وخبروا كيفية التحايل على المعايش فيه، وإزاء انعدام المكاسب والفقدان تعاظمت النقمة على الثورة لدى أناسٍ كانوا أول المتحمسين لها والنازلين إلى الشارع فيها. منتخبو السيسي لم يختاروا ممثلاً للثورة وإنما رجلاً عسكرياً بدا قوياً وحازماً، يستطيع أن يحميهم من مصائر أسوأ، والجيش مؤسسة تبدو الأقوى على الساحة وقادرةً على حمايتهم من كل ما من شأنه تهديد كيان الدولة، الأمر الذي تم تكريسه بمعادلة رُوج لها كثيراً من قبل الإعلام «أحسن من سوريا والعراق».
بيد أن الإنصاف والموضوعية يقتضيان الاعتراف بأن النظام ليس وحده المسؤول عن إشاعة ذلك المناخ من الخوف، فالتنظيمات الإرهابية المتعددة تشيع حالةً من الرعب ليس في مصر وحدها وإنما في كل المنطقة الآخذة في التحلل. أنا لن أزايد على النظام في جسامة ذلك الخطر المحيق ولن أتطرق هنا إلى طرح أسئلة أو تحليل الإخفاقات المتكررة في القضاء على هذه الظاهرة المستفحلة رغم الوعود المتكررة، إلا أنه مؤكدٌ أيضاً أن النظام يستثمر في ذلك الخوف الناجم عن الإرهاب في تشديد قبضته الأمنية وإطلاق العنان لكتبته وأبواقه الإعلامية في حملة تدليسٍ مسعورة لشيطنة ثورة الشعب وسلبه إنجازه وحراكه البديع ذاك. ليس ذلك فحسب، بل والأسوأ من ذلك هو التعلل بذلك الخوف واتخاذه غطاءً للاستمرار في نهج مبارك نفسه من مصادرة النظام للمجال العام واحتكاره مقترناً بتبني الانحيازات والسياسات الاقتصادية نفسها التي أوصلت البلاد إلى طريق الثورة في المقام الأول. وفي تحركاتٍ ذكية استجاب السيسي لذلك الاحتياج للشعور بالأمان ونبذ الخوف حيث عمد إلى إجراءاتٍ بسيطة ولا تكلف الكثير لتشعر الناس بأن شيئاً ما يتغير للأفضل من عينة لجان المرور المنتشرة في كل مكان وضبط حركة السير وإجلاء الباعة الجائلين الذين كانوا قد احتلوا وسط البلد عقب الثورة حتى بات المرور فيها مستحيلاً، ناهيك عن ما طال المارة المضطرين من مضايقاتٍ وملاسناتٍ أحياناً منهم.
أما إذا نظرنا حولنا في محيطنا الإقليمي سنجد أن ذلك الاستثمار في الخوف ليس حكراً بأي حالٍ على النظام المصري، فقد تبنت ذلك النهج أنظمة الأشاوس. على سبيل المثال فإن النظام السوري (الذي لم يتنازل فيطيب خاطر أهالي طفلٍ عُذب بوحشية وقتل بل تمادى في إهانتهم) قفز إلى الأمام فعسكر الثورة ثم استثمر في الخوف من التنظيمات المتطرفة ليعيد تسويق نفسه للغرب ولسان حاله يقول: إما أنا والقبول بي على حالي وإما هؤلاء الوحوش. وكذلك الحال مع النظام العراقي الذي أجد من التجاوز وصفه بـ»نظام» أو «دولة» فهذه الحالة الهلامية المهلهلة المرتهنة للنظام الإيراني والملتاثة بطائفية تائهة لا ترقى إلى مصاف الأنظمة، حتى الفاشل منها؛ ومع ذلك بدت أكثر تحضراً وبالتالي قبولاً من الدواعش بهمجيتهمم ووحشيتهم البدائية.
هذا ما وصلنا إليه: تنظيمات بدائية تمثل نزعةً لتدمير الذات تخلق وتغذي حالةً من الخوف البدائي…والمستفيد الوحيد هو الأنظمة التي تستثمر في هذا الخوف لكي تستمر على اعتبارها البديل الوحيد الواقعي المقبول.
ليست المرة الأولى في التاريخ على أي حال، فكل الطغم والطبقات المالكة/الحاكمة لجأت إلى تلك الحيلة خاصةً في العصر الحديث، والخوف أو التخويف من الخطر الشيوعي والزحف الأحمر والدمار النووي…نحن عرفنا( وما نزال) الخوف من الغرب المتآمر والصهيونية، وفي كل تلك النماذج، وخاصةً الحديث منها، استغل الخوف لصالح السيطرة وتحقيق المكاسب على ظهور الخائفين، أي السواد الأعظم من الناس الذين يشكلون الشعوب.
وهناك الآن آخر صرعة: الخوف من الحوثيين والتمدد الإيراني من خلفهم…لا أحد يذكر إسرائيل هذه الأيام.
في حالة مصر الغرض المنشود في رأيي هو شراء الوقت، لكن السؤال الجوهــري الذي لا يُسأل هو: كم يدوم ذلك الخـــوف؟ أعتقـــد أن من يراهن عليه لمدىً طويل لا يدرك أن تغيـــيراً عميقاً قد حدث للشعب المصـــري، ليس فقـــط لأنه بدأ يهتم بالسياسة بعد فـــترة فتـــورٍ وانصــراف وإنما لأنه بدأ يشك، يشــك في كل المسلمات والمعطيات، وإن كان اختار في الوقت الراهن الاصطفاف حول النظام للحفاظ على كيان مصر فإن ذلك الخيار ليس أبدياً. ما لم تحقق القطاعات الشعبية مكاسب ملموسة فإن تلك الصيغة القلقة الحالية لن تصمد طويلاً.
والأمر نفسه ينطبق على سائر الدول العربية التي تشهد ذوبان الكيانات القديمة تحت وطأة المتغيرات الإقليمية والعالمية وهي في سبيلها لإعادة التشكل وفق توازناتٍ جديدة تستجيب لهذه المتغيرات.
الماضي لن يعود. ليت الطبقات الحاكمة تفهم ذلك. قد يتزايد العنف والبطش، إلا أن وسائل السيطرة القديمة من أمثال التخويف لن يطول العمر بها. وحدها التنازلات والمكاسب، تغييرٌ حقيقي وعملية سياسية حقيقية ستكفل الخروج من مستنقعنا التاريخي.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل