الناصرة- “القدس العربي”:
تُلقي حادثة إعدام المحتجزين الإسرائيليين الثلاثة برصاص جنود إسرائيليين داخل قطاع غزة يوم الجمعة الماضي، الضوء على ثقافة وتقاليد الضغط السريع على الزناد، و”نحن لا نأخذ أسرى” حينما يبدو الهدف عربيا، وذلك نتيجة التحريض واستبداد الكراهية وشهوة الانتقام لدى الإسرائيليين.
تجلى ذلك في الماضي في قتل الشاب عبد الفتاح الشريف بمدينة الخليل الذي أعدمه الجندي الإسرائيلي، ليؤور أزاريا، عام 2016. لكن إعدامات ميدانية مشابهة ارتكبت بحق فلسطينيين قبل وبعد هذه الحادثة، وبقيت طي الكتمان لعدم وجود كاميرا توثق الجريمة لحظة وقوعها.
وفي الماضي البعيد، كُشف النقاب عن قتل أسرى مصريين في حربي 1956 و1973.
ووصلت نار الكراهية هذه للداخل الإسرائيلي أيضا كما حصل في القدس المحتلة قبل نحو أسبوعين، عندما قتل جندي المحامي الإسرائيلي يوفال كاستيلمان، رغم أنه كان قد خلع معطفه ورفع يديه وصاح بالعبرية نحو الجنود بأعلى صوته أنه إسرائيلي، وذلك بعدما فرغ من قتل الشقيقين مراد وإبراهيم نمر من صور باهر، اللذين نفذا عملية فدائية. ولاحقا، سارعت الشرطة الإسرائيلية بقيادة الوزير المدان بالإرهاب، إيتمار بن غفير، لمحاولة التستّر على الحقيقة وتشويش التحقيق بالفضيحة.
وأثارت هذه الفضيحة التي أنتجت غضبا وإحباطا واسعين، نقاشا حول ثقافة الإعدامات الميدانية في إسرائيل. وبعد حادثة قتل المحتجزين في غزة، زادت الأوساط الإسرائيلية المطالبة بضرورة معالجة هذه التقاليد الفاسدة “المتناقضة مع روح الجيش الأكثر أخلاقية في العالم” بحسب تعبيرهم، وتعود كيدا مرتدا على الجانب الإسرائيلي”، كما يحذّر مراقبون إسرائيليون.
“هذه ليست حادثة عمل أو خطأ، هذه جريمة” كما أكد اليوم، المعلق السياسي البارز في صحيفة “يديعوت أحرونوت” ناحوم برنياع، وتبعه المعلق العسكري في موقع “واينت” العبري رون بن يشاي، الذي وصف الحادثة بالعار والفضيحة، منوّها إلى فشل الجيش الإسرائيلي في عدم توقع حدوث مثل هذا السيناريو في الميدان (هروب محتجزين) رغم أن ذلك أمر يمكن أن يحدث، وينبغي أخذه بالحسبان والاستعداد له.
في المقال، يدافع عدد كبير من المراقبين والمعلقين الإسرائيليين أيضا عن الجنود وعن الجيش بدعوى أن مثل هذه الحوادث تقع، وأنه لا يمكن الحكم على الجنود مطلقي النار وهم في حرب منذ 70 يوما وداخل حالة ضغط شديدة، خاصة أن القتال في الشجاعية وجباليا كان شديدا وأصاب الكثير من الجنود الإسرائيليين.
وكشف الجيش أمس أن قناصا إسرائيليا كان في طابق ثان داخل عمارة في جباليا قد لاحظ المحتجزين الثلاثة وهم يتقدمون على بعد 50 مترا منه، فسارع لتوجيه بندقيته نحوهم وقتل اثنين منهم رغم أنهم كانوا يرفعون أياديهم فوق رؤوسهم ويستغيثون بالعبرية “أنقذونا” وعندما هرب المحتجز الإسرائيلي الثالث إلى عمارة مجاورة، لحقت به قوة إسرائيلية بقيادة قائد سرية وأجهزوا عليه وهو يصرخ بالعبرية: “أنقذوني أنقذوني”.
من جهته، اعتبر جيش الاحتلال ما حصل “حادثة شاذة موجعة” ومخالفة لتعليمات فتح النار، وأنه سيستفيد من الدروس العملياتية مستقبلا كما قال قائد الجيش، هرتسي هليفي.
ويتساءل البعض لماذا كشف الجيش الإسرائيلي عن هذه الفضيحة التي تورط بها جنوده وتعكس ظاهرة فاسدة في صفوفه؟
في إطار الحرب على غزة، يُبقي الجيش الإسرائيلي الكثير من المعلومات طي الكتمان، خاصة ما يتعلق بعدد القتلى والجرحى في صفوفه، مثلما لا يتطرق لعدد ضحايا قصفه من الفلسطينيين وغيرها من المعلومات ضمن الرغبة بالحفاظ على المناعة والناحية المعنوية، خاصة أن حربا نفسية متبادلة تحدث تزامنا مع القتال على الأرض. لكنه يكشف النقاب أحيانا عن مثل هذه الفضائح كجزء من مبدأ الشفافية وإطلاع الجمهور الإسرائيلي على قسم مما يحدث.
ويبدو أن الهدف الأساسي غير المعلن، هو تسويق صورة المصداقية والشفافية علاوة على صعوبة احتفاظه بالسر الخاص بملابسات قتل هؤلاء المحتجزين الثلاثة، وحاجته لإطلاع ذويهم على حقيقة ما حصل دون التورّط بروايات غير مقنعة من المحتمل جدا فضحها، لا سيما أن حماس غير معنية بقتلهم. وكذلك فإن سيناريو الزعم بأنهم قُتلوا خلال قصف إسرائيلي من شأنه أن يصب الزيت على نار احتجاجات عائلات المخطوفين والأسرى التي تصرخ بصوت عال أن استمرار القصف الواسع يطال أقاربهم أيضا ويهدد حياتهم.
يشار إلى أن منظمات حقوقية إسرائيلية أيضا مثل “بتسيلم” و”أطباء من أجل حقوق الإنسان” تفضح في السنوات الأخيرة عمليات الإعدام الميدانية لفلسطينيين معظمهم مدنيون داخل الضفة الغربية المحتلة، نتيجة فتاوى حاخامات تؤيد استباحة دم الفلسطينيين، ونتيجة تحريض قيادات سياسية وعسكرية وإعلامية إسرائيلية سبق وقالت علانية أنها تتمنى أن تستيقظ في الصباح وتجد المقابر الفلسطينية قد اتسعت.
مثل هذه الجرائم تفضح حقيقة ما يدور في الساحات المختلفة داخل إسرائيل التي تتهم ليل نهار السلطة الفلسطينية بالتحريض على الإرهاب وقتل اليهود كما قال نتنياهو في المؤتمر الصحافي أمس، مهاجما السلطة واتفاقات أوسلو. بيد أن مثل هذه الإعدامات الميدانية تؤجّج الانتقادات ضد إسرائيل في العالم بما في ذلك الشارع الأمريكي. مثال على ذلك استطلاع جديد يفيد بأن معظم الفئات العمرية الشبابية في الولايات المتحدة يعتقدون أنه يجب “إنهاء إسرائيل وتسليمها للفلسطينيين”.
وأجرت الاستطلاع جامعة هارفارد، بين صفوف الشباب الأمريكيين حول موقفهم من الاحتلال الإسرائيلي وقضية الشعب الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر وشن الحرب على غزة.