في رحيل المسرحي الجزائري صالح لمباركية : انتهى العرض وأسدل الستار للمرة الأخيرة!

حجم الخط
0

رحل المسرحي الجزائري صالح لمباركية في (أبريل/نيسان 1948ـ أبريل/نيسان 2015) بعيد صلاة الجمعة الثالث من شهر أبريل الجاري في المستشفى الجامعي الشهيد التهامي بن فليس في باتنة بعد تدهور مفاجئ في وضعه الصحي.
ترك الراحل خلفه آثارا كتابية وبحثية قيمة خصصها للمسرح الجزائري، الذي أحيا الكثير من درره التاريخية الثمينة التي طمسها الزمان، وكاد أن يعفو عليها ويرميها في غياهب النسيان. وأضاف لها من إنتاجه الفكري ما زاد في حضورها وإشراقها ورواجها.
أبى صالح أن يستسلم في أواخر عمره للمرض المشؤوم الذي هجم عليه فجأة، وأضمر من جسمه ألياف العضل، حتى ظن بعض الناس، أن الرجل يعاني من فاقة، فلا يطعم من جوع ولا يسقى من عطش؟ ولم يبق منه سوى بريق عينيه اللتين غارتا في محجريهما وابتساماته الخفيفة اللماحة. ولكنه ظل شامخا.. صامدا.. عنيدا وجسورا .. لم يحن ظهره، ولم يقعده الداء الفراش، كما ادعت بعض الصحف التي لم تكلف نفسها عناء التبيّن والتثبت. وإنما واصل إيقاعات حياته منافحا في بسالة تشبه المعجزة، وتصلح لأن تكون قصة ملحمية من نوادر القصص التي تروي بطولات الفرسان الشجعان في معترك الحياة، لما تكشر عن أنيابها الصفر. فقد تعلم من المسرح الذي عشقه أن العرض المسرحي يظل مستمرا حتى تسدل الستائر للمرة الأخيرة. وعلى المنوال ذاته، واصل المقاومة رفضا للهزيمة أو السقوط على خشبة الركح جاثما على ركبتيه وفي قلبه أمل بأن تولي ساعات العسر فاسحة المكان لرياح اليسر التي تحمل بين أجنحتها مسرات البرء والشفاء. وفي أصعب الأيام التي مر بها، لم يتقمص صالح، كما يفعل الممثلون، شخوص غيرهم تقمصا ينم عن محاكاة ويضمن الانسجام مع الدور التمثيلي، وإنما أضاف إلى هندامه، في عفوية عابر السبيل، ما ينبئ أن المسيرة قد اقتربت من بلوغ نقطة نهاية شوطها الأخير.. ذقن خفيف يكاد لا يرى زادت شعراته بياضا من رزء الأيام، وقبعة مبرقشة لمست خيوطها السود آثار من بياض شبيه بحبات البَرد الصغيرة يضعها على رأسه منحنية قليلا إلى الأمام.. وعكاز من الخيزران الخفيف يحمل على ذراعه، ويرفض أن يتوكأ عليه إلا عند الضرورة القصوى، حتى لا ينتقد بخور في قواه، وزجاجة ماء يحتضنها بين أصابعه الشاحبة التي أصبحت معوضا للغدد اللعابية التي فتك بها العلاج الكيميائي، وعطل وظيفتها الحيوية، وجفف منابعها من السيلان، وأبقاها كحفر الآبار التي اندس ماؤها غائرا في بواطن الأرض.
ولج صالح دهاليز عالم المسرح الرحب من بوابة المشاركة المبكرة في التمثيل ضمن الفرقة الطلابية، لما كان طالبا يخضع للتكوين والتدريب في معهد ترشيح المعلمين في باتنة في السنوات الأولى من استرجاع الاستقلال الوطني. وحملت أول تمثيلية شارك فيها عنوان: «سقوط غرناطة». وروى لي أحد زملائه في المعهد نفسه الذي جمعته به وشيجة صداقة نقية، بعدئذ، كيف أنه تمكن، ذات يوم، وهما يمتطيان مركوبا في سفر من تحويل نص أدبي عنوانه: «حلاق القرية» قرأه في كتاب أخرجه من خبيئته، إلى مسرحية هزلية قبل أن يصلا إلى حيث مرادهما. واستمرت علاقته بالتمثيل في المدارس الابتدائية التي اشتغل فيها معلما للصبيان، من خلال كتابة نصوص مسرحية مبتسرة تناسب سن النشء، وعرضها في المناسبات المختلفة. ومازلت أذكر أنه ألف تمثيلية مضحكة عرضها في نهاية إحدى السنوات الدراسية بمدرسة أوشن الطاهر، التي كنت قد غادرتها قبل أن يحل فيها مربيا، وحضرها جمهور غفير. وكان عمله بالنسبة إلينا، يومذاك، اكتشافا جديدا مليئا بالاستغراب؛ لأن مدرستنا التي جلسنا على مقاعدها لست مواسم دراسية كاملة، لم تألف مثل هذا الانعطافة التي خالفت نظرة الانضباط التي كنا نذعن لها ملزمين. وتفاجأنا عن وجود فسح للترويح عن النفس في فضاء يقرن ذكره، دوما، بعصا المعلم وما تستتبعه من رهاب. ويمكن أن يدرج مسعاه في إطار النظرة التربوية التي تريد أن تجعل من المدرسة صنوا مشتبكا مع الحياة خارج جدر أقسامها وأسوارها، ومخالفة للموانع التي بنت عوازل القطيعة بينهما. وهي تعبير عن روح التربية الحديثة التي ترى في الانفتاح خير وسيلة لمحاربة التربية التقليدية المتزمتة والمنغلقة، مما يحرم الطفل من عوامل نمو وتطور إضافية لم يرد ذكرها في المناهج التربوية.
في مرحلة دراسته الجامعية العليا، أعاد صالح شحذ مكتسباته وتعميق نظرته إلى المسرح، وتوجيههما وجهتهما السليمة بعد أن شغل نفسه بالمطالعة وركز اهتمامه على الجانب النظري لهذا الفن الإبداعي الذي لا يتوقف، ما يدب في رحمه عن الابتكار والتجديد والإضافة والتمدد، وعن لعب دوره في التثقيف والتعبئة، وطرح الأسئلة المحرجة والمجنحة بشكل مباشر عار من التحفظ والتحرز، أو بصورة متسترة تستند إلى الرمز والإشارة وتتوارى خلف سدائل التلميح. وكانت أبحاثه وكتاباته وإنتاجاته هي جسر مروره من المحلية إلى العالمية التي نال بفضلها أحقية الانضواء تحت مظلات عدة جمعيات مسرحية عربية وأوروبية عن جدارة. واستطاع بتنقيباته أن يعيد ربط حلقات ماضي الفن المسرحي في وطنه الجزائر بحاضره، وان يكون أحد من نقلوا كنوزه خلف الحدود للدعاية له والتعريف برواده وقاماته، الذين ظلوا مقبورين ومجهولين. وفي هذه الرحلة العلمية التي أشبعت فضوله، وجد أنيسا ارتاح له، وتزوّد من علمه، وأخذ منه كما يأخذ المريد الولهان من شيخه، وهو الأستاذ ألفريد فرج (1929ـ 2005م) المسرحي المصري الذي يعد من كبار أعمدة المسرح الجدي في الوطن العربي. وأكاد أجزم، ومن كثرة متابعة صالح لأخبار أستاذه ألفريد فرج وكتاباته وحواراته وأعماله وزياراته المتكررة له، أنه وجد فيه القدوة المثلى التي كان يبحث عنها في الليل والنهار، كمن يبحث عن استرداد إبرة ضاعت في كومة تبن. وكان كلما التقيته وقادنا الحديث للتطرق إلى الأستاذ ألفريد فرج إلا وامتدحه مدحا بلغ به عنان السماء، ورفعه إلى ذروة العلياء. ومن جميل المصادفات أن تكون علاقة الأستاذ ألفريد فرج بالمسرح قد بدأت هي الأخرى من المدرسة الابتدائية، مما يعني وجود قواسم مشتركة بينهما في نقطة الانطلاق. وظهر التوافق والتساوق بين الأستاذ ألفريد فرج وصالح لمباركية في أكثر من موقف.. فقد كتب الأستاذ ألفريد فرج مسرحية صوّر فيها معاناة الشعب الفلسطيني، ووشحها بعنوان: «النار والزيتون»، وكتب صالح مسرحية سرد فيها جوانب من البطولة الجهادية للشعب الجزائري أثناء الثورة التحريرية، منحها عنوان: «النار والنور». ولا استبعد أن يكون اسم أحد شخوص مسرحيته فيه بعث وإحياء واستحضار لاسم عمه عمّار الشهيد. وعندما أتم صالح لمباركية جمع حواراته التي أجراها مع أستاذه ألفريد فرج أخرجها في صورة مقالات في كتيب أصل فيه لمفاهيم ومصطلحات هذا الفن، ونبش في جذورها، وأشبعها شروحا وتفصيلات، أرفقها بأمثلة مبسوطة ومستصدرة من مسرحياته الأستاذ ألفريد فرج نفسه، وشحها بعنوان: «فن المسرحية». وإن لاحظ القارئ الحصيف لهذه المقالات المجموعة أن بناءها خضع لتقويمات أبقت بين فقراتها حلقات مفقودة، فعليه أن يدرك أن هذه الأثلام والأخاديد جاءت من محررها، وهو صالح لمباركية. ولو لم يسحب هذا الأخير جهده المبذول أمام الأعين لما بانت هذه الفراغات الموزعة بين الفقرات. فقد أخفى ظهوره؛ لأنه استعظم حضوره كند مقابل لأستاذه ألفريد فرج صاحب أفضال تدريبه والأخذ بيده وتشجيعه. ولا أشك أنه رأى في التقابل، إن حصل، ما ينقص من آداب المتعلم مع معلمه، ويشرخ العلاقة الحميمة بينهما، ويدك أركانها. وفي صالح سجية راسخة لا يعرفها أغلب الناس، وهي صفة الحياء الداخلي المستبطن الذي جبل عليه، واكتفى بكتابة تقديم مقتضب لهذا العمل المحكّم لم ينسب فيه شيئا ذال بال إلى نفسه تواضعا منه. ومن وجهة نظري، ومع اعترافي بأنني لست من أهل الاختصاص في هذا المجال الفني، فإنني أرى أن هذا المؤلف ـ بفتح حرف اللاّم ـ ، الذي يشبه المتون لصغر حجمه، سيبقى واحدا من المراجع المهمة التي ستعتز بها المكتبة العربية، وسيظل دربا تعبره كل الدراسات الابستمولوجية التي تخوض في مفاهيم فن المسرح خوضا معمقا ومدققا.
ختم صالح حياته كما تختم المسرحيات التي تنفرج عقدها في نهاية المطاف إلى المأمول المفرح، وتفضي إلى حل مريح يزيح القلق ويقضي على الارتباك، ويبعث طلائع الفرحة التي تهيج مكامن البهجة في القلوب. ففي يوم الخميس الذي سبق يوم رحيله أقام حفلا أتم فيه نصف دين واحد من أبنائه الصغار، وأصر أن يرافق موكب العروس في نشوة وزهو، وارتضى لنفسه أن يغامر بنزع إبر المصل السكري التي كان يغذي خلاياه من شرايين ذراعه، وأن يتعب جسمه حتى لا يحرم عينيه من الاستمتاع بجمالية الحفل وما رافقه من أهازيج غنائية وطلقات البارود.
عاد صالح لينام مرتاح الخواطر ودافئ الجنان ومشمولا بعفو الله الرحمن الرحيم، في كنف تربة أرض لا تختلف مظهريا عن تربة أرض الضيعة التي أحبها، ولم يتوقف عن تفريكها بأصابعه، وشمها، والغوص فيها بقدميه العاريتين بعد كل عملية سقي.
كم كان عرض توديعك جميلا ورائعا وفاتنا ولافتا، يا صالح، وحتى إن أرخيت ستائر مسيرة حياتك للمرة الأخيرة، وحجبتك عنا، فإننا سنظل نحترمك وكأنك حي بيننا، ونذكرك في وقار، ونقرأ سيرتك الظافرة على مسمع من فاته التعرف إليك، وندعو لك عقب كل صلاة بقلوب متهجدة لا تكل وألسنة رطبة لا تمل… وداعا، يا صالح.

كاتب من الجزائر

لمباركية نوّار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية