عاموس هرئيل
الحادثة القاسية التي جرت في الشجاعية كانت من اللحظات الحزينة، حزينة ومثيرة للإحباط؛ لأنها لحظات نادرة كان يمكن أن تنتهي بصورة مختلفة تماماً. ثلاثة من المخطوفين هم يوتم حاييم وألون شمريز من كيبوتس “كفار عزة” وتامر طلالقة من قرية حورة البدوية، نجحوا بطريقة ما في التحرر من الأسر والاقتراب من قوة الجيش الإسرائيلي في الحي، لكن لحظة الأمل والخلاص تحولت في ثوان إلى مأساة مخيفة عندما أطلق الجنود النار عليهم بالخطأ وقتلوهم.
من التحقيق الأولي في الحادثة كما عرض على عائلاتهم وفي وسائل الإعلام، تظهر صورة طويلة من الأخطاء المثيرة للقشعريرة. يبدو أن الجنود استخفوا بخرق التعليمات وبصورة كان يكتنفها الخطر على حياة المخطوفين، المدنيين بشكل عام. مع ذلك، يجب الأخذ في الحسبان أيضاً المحيط العملياتي الذي حدثت الحادثة فيه، حيث تجري في الشجاعية معارك قاسية منذ أسبوعين، والثلاثاء الماضي قتل 9 ضباط وجنود من لواء “غولاني” ومن وحدة الإنقاذ 669.
تحاول حماس قضم ذيل القوات بالتصادم من مسافة الصفر. في الأسبوع الماضي سجلت أحداث، في غزة وخان يونس، اقترب فيها فلسطينيون يرتدون الملابس المدنية من جنود الجيش الإسرائيلي وهم يرتدون أحزمة ناسفة وعبوات ناسفة. وأي عقاب انضباطي سيتخذ بحق من أطلقوا النار بالخطأ لن يزيد عن الألم الذي يرافقهم منذ الحادثة.
مهمة نقل البشرى الصعبة للجمهور مساء الجمعة ألقيت على المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، العميد دانييل هاجري. كان يصعب تفويت نظرة الألم على وجهه – كان من الصعب أيضاً نسيان من يختفي وراءه، دون الجرأة على التحدث بشكل مباشر مع الجمهور. لو أن انتهت الحادثة بإنقاذ بطولي للمخطوفين لما كان هناك شك أن يلقي رئيس الحكومة خطابه أمام الشعب حتى السبت، وكان سيتفاخر بأن سياسته الحازمة أمام الإرهاب هي فقط التي أدت لهذا الإنجاز.
لكن ما حدث العكس، ونتنياهو خلافاً للقائد، اختفى. اكتفى مكتبه بإصدار بيان خطي مقتضب فيه مشاركة في الحزن. على الأقل هاجري كان يمكن أن يكون على ثقة بأنه إذا حدثت تطورات إيجابية في القتال، فسيلتقط منه نتنياهو الميكروفون.
الصدمة والحزن إزاء الأنباء الواردة من الشجاعية أخرجت أبناء عائلات المخطوفين الباقين للعمل. أمس، جرت مظاهرة غاضبة أمام مقر وزارة الدفاع في تل أبيب، بعد مرور أسبوعين على انهيار وقف إطلاق النار، عندما وصلت صفقة التبادل الأولى مع حماس إلى طريق مسدود، وتوقفت حماس عن إطلاق سراح عشرة من المخطوفين في اليوم مقابل تمديد الهدنة على الأرض. بعد ذلك، جرت الأمور بشكل بطيء في الطرفين؛ فحماس لم تسارع إلى استئناف المفاوضات، وفي هذا الأسبوع طلبت جهات رفيعة من حماس وقف كلي للقتال وانسحاب كل قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع شرطاً للبدء في المفاوضات.
وإسرائيل أيضاً لم تسارع بنفسها. نتنياهو يخشى من انهيار سياسي إذا خضع لصفقة “الجميع مقابل الجميع”، التي ستبيض السجون الإسرائيلية من السجناء الأمنيين الفلسطينيين. الجيش لا يريد وقف القتال مرة أخرى لعقد صفقة أخرى خوفاً من فقدان زخم الهجوم في شمال القطاع وجنوبه. اتخذت هيئة الأركان هذا الموقف قبل الصفقة الأولى، وتراجعت عنه تحت ضغط الجمهور. هذه المرة، يبدو أن مقاربته ضد الهدنة حازمة أكثر.
أهداف العملية الآن تصل مرة أخرى إلى التصادم. تصعب رؤية كيف يمكن تفكيك سلطة حماس وتحرير جميع المخطوفين من خلال صفقة. على الأقل على المدى الآني، من المرجح أن العملية الثانية ستقوي حماس بدلاً من إضعافها. هكذا نحن أمام وضع يسمع فيه الكثير من الشعارات الفارغة والقليل من التقدم الفعلي. مصدر سياسي قال إن رئيس الموساد دادي برنياع وحاكم قطر محمد الثاني، التقيا في أوروبا وتناقشا حول إطلاق سراح المخطوفين. وحسب تقرير نشر في “وول ستريت جورنال”، كان هدف اللقاء البدء بالتفاوض قبيل الاتفاق على صفقة لإطلاق سراح المخطوفين مقابل وقف إطلاق النار وإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين.
الصورة تتضح أكثر لعائلات المخطوفين وأصدقائهم؛ فهم لا يصدقون ذريعة نتنياهو ووزير الدفاع وكبار الجيش الإسرائيلي بأن استمرار الضغط العسكري السبيل الوحيد لصفقة جديدة وإطلاق سراح المخطوفين. وباستثناء إنقاذ الجندية اوري مغيدش في بداية العملية البرية، لم يتم تسجيل أي عمليات ناجحة لإسرائيل أدت إلى تحرير مخطوفين. المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية عن المخطوفين تبدو جزئية (قوات الجيش الإسرائيلي لم تعرف أن المخطوفين الثلاثة الذين قتلوا كانوا في الشجاعية. وحسب علمنا، لم يعط أحد توجيهات مسبقة للحذر من المس بهم). بعض المخطوفين الذين عادوا من الأسر قالوا إن هجمات الجيش الإسرائيلي عرضت حياتهم للخطر.
الأهم من ذلك، أن كل يوم في القطاع ينطوي على خطر لموت المخطوفين. مؤخراً، أعيد من القطاع خمس جثث لمخطوفين عثر عليها هناك بعد عمليات التفتيش. جثتان منها لجنود من وحدة الارتباط في معبر إيرز، وقد تم تصويرهم في غزة وهم على قيد الحياة بعد عملية الاختطاف. الاستنتاج، إما أن حماس تقتل المخطوفين بشكل متعمد، كما حدث في عدة مرات، أو أنهم يموتون جراء ظروف الأسر أو بسبب هجمات الجيش الإسرائيلي. كل ذلك يثير خوفاً في أوساط العائلات ويزيد مطالبتها بإطلاق سراحهم بأي شروط.
إن الضغط الداخلي في إسرائيل يشجع قيادة حماس في القطاع برئاسة يحيى السنوار. ورغم تقدم قوات الجيش الإسرائيلي، فحماس لم تنهر حتى الآن، والدمج بين ضائقة المخطوفين وتوقع أمريكا من تغيير إسرائيل مضمون العملية في القطاع قريباً، يحثها على مواصلة الصمود. خسائر حماس مرتفعة، وحجم الضرر أيضاً الذي أصاب بناها التحتية العسكرية والمدنية في القطاع كبير. ولكن الضغط الذي يستخدمه الجيش الإسرائيلي لن يؤدي بالضرورة إلى استسلام قريب.
رقعة الثمن
زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي، جاك سوليفان، لإسرائيل الخميس، مكنت من تحقيق فهم أفضل للفجوة بين المواقف الأمريكية والإسرائيلية. فقد عبر سوليفان عن دعم إسرائيل وحربها العادلة ضد حماس، لكنه طلب أن تقلص إسرائيل حجم قواتها وتغير طبيعة الهجوم في القطاع خلال ثلاثة أسابيع.
سياسياً، يعتقد نتنياهو أنه من المفيد مواجهة الإدارة الأمريكية حتى يعيد لنفسه تأييد ناخبي اليمين الذين يريدون مواصلة الحرب حتى هزيمة حماس. وعملياً، من غير الواضح أن لديه جدولاً زمنياً كهذا. في هذه الأثناء، يهاجم رئيس الحكومة في الخارج ويستسلم في الداخل. بعد أن صرح بعدم دخول أي نقطة وقود إلى القطاع، فالوقود يصل بشكل ثابت وبكمية غير قليلة بضغط من أمريكا وبموافقة إسرائيل.
أرسل نتنياهو أمس أيضاً هيئة الأمن القومي لإصدار بيان غريب ومضلل حول نقل البضائع من مصر إلى القطاع في معبر كرم أبو سالم الواقع في أراضي إسرائيل. التراجع الإسرائيلي حول هذا الشأن عرض كجزء من المفاوضات على تبادل المخطوفين رغم أن المرحلة الأولية للصفقة انهارت في 1 كانون الأول. فعلياً، يبدو أنه لم يكن من خيار إلا الموافقة على طلب المجتمع الدولي. ولكن الأمر المغضب هو محاولته المستمرة لتضليل الجمهور في كل خطوة وشبر.
قدرة أمريكا على المساومة أمام إسرائيل تتعزز أكثر إزاء اعتماد الجيش الإسرائيلي على السلاح وعلى الاحتياط من الإنتاج الأمريكي. هبطت في البلاد هذا الأسبوع طائرات نقل أمريكية كبيرة أنزلت معدات وسلاحاً من أجل الحرب في القطاع، ومن أجل تعزيز قدرة الجيش الإسرائيلي على سيناريو حرب ضد “حزب الله” في لبنان. السخاء وحسن النية من قبل واشنطن لها ثمن؛ فعلى الحكومة تنسيق الخطوات مع الإدارة الأمريكية وأخذ مواقفها في الحسبان. هذا بالتأكيد صحيح عندما تتفاقم الأزمة الإقليمية وتشمل تشويشاً ممنهجاً للملاحة في البحر الأحمر إزاء هجمات الحوثيين في اليمن، التي تتم بتعليمات من إيران.
هآرتس 17/12/2023