القاهرة ـ «القدس العربي»: كلما اقترب عام 2024 تحسست الحكومة، التي يتردد قرب غيابها عن المشهد، موضع أقدامها، إذ من المقرر ارتفاع إجمالي الالتزامات الخارجية بما في ذلك الأقساط وفوائد الديون لنحو 42.3 مليار دولار، يجب تسديدها خلال العام المقبل، وفقا لتقارير البنك المركزي المصري.
وبينما يأمل بعض أنصار السلطة في دعم خليجي، يؤمن العديد من المراقبين بأن زمن الكرم العربي ولي لغير رجعة، وحول أسباب تراجع الدعم العربي الموجه إلى الاقتصاد المصري، قال سامح عاشور نقيب المحامين الأسبق: «من الواضح أنه يؤلمهم أن تكون مصر كبيرة، رغم أن كبر وقوة مصر تحميهم، مصر تعتبر الدول العربية جزءا من أمنها القومي، بينما هناك إحساس عكسي لديهم؛ بأن التميز المصري ليس مطلوبا أن يتقدم». وقارن بين موقف دول الخليج من تولي الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، مقابل الأزمات التي تواجهها الدول العربية، قائلا: «ديون مصر الخارجية 165 مليار دولار، بينما حصل ترامب عند زيارته للخليج على 500 مليار دولار». وتابع: «هل أمريكا كانت تحتاج لأموال، نصف تريليون دولار كان من الممكن أن تعمر المنطقة العربية وتجعلها منطقة عظمى كالاتحاد الأوروبي، وتساعد الشعب السوداني وتدعم استمرار الشعب المصري في البناء، وتنقذ العراق وسوريا ولبنان، لكن كل ما يحدث الآن لمصلحة إسرائيل». ودعا عاشور خلال تصريحات تلفزيونية لبرنامج «على مسؤوليتي» إلى ضرورة إلغاء الاعتماد على الاستدانة من صندوق النقد الدولي، قائلا: «لا بد أن نوقف التعامل مع صندوق النقد، ونبدأ في عملية مراجعة للمديونية، ونؤجل المشروعات المعتمدة على الدولار». وأضاف أن مخرج الأزمة الاقتصادية الراهنة تتمحور حول الاهتمام بملفي «الصناعة – الزراعة».
وفي ما يخص التهديد الوجودي الذي يواجه المصريين قدّم الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، شرحا لأعضاء الحكومة حول تفاصيل ما تم في الجولة الأخيرة لمفاوضات سد النهضة، كما سرد الوزير، ثوابت الدولة المصرية بصدد هذا الملف المُهم، وأكد وزير الموارد المائية والري أن البيان الصادر عن الوزارة، حول انتهاء مفاوضات سد النهضة، يُعبر عن موقف الدولة المصرية؛ حيث أكد البيان أن انتهاء المسارات التفاوضية جاء نتيجة المواقف الإثيوبية الرافضة، خلال السنوات الماضية، للأخذ بأي من الحلول الفنية والقانونية الوسط التي من شأنها تأمين مصالح الدول الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، فضلا عن تمادي الجانب الإثيوبي في التراجُع عما تم التوصل له من تفاهمات ملبية لمصالحها المُعلنة. وأكد البيان أن مصر ستراقب عن كثب عملية ملء وتشغيل سد النهضة، وأن الدولة المصرية تحتفظ بحقها المكفول بموجب المواثيق الدولية للدفاع عن أمنها المائي والقومي في حالة تعرضه للضرر. وقال الكاتب الصحافي خالد البلشي نقيب الصحافيين: إننا نعيش جرائم واضحة في غزة وما جرى مع كل الصحافيين الفلسطينيين وما جرى مع سامر أبو دقة نموذج لجريمة حرب، موضحا أن ما نشهده من الاحتلال الإسرائيلي ضد الصحافيين في غزة قتل عمد واستهداف واضح. وأكد البلشي خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي أسامة كمال في برنامج “مساء دي أم سي”، أن التحقيقات بشأن مقتل الصحافيين في غزة تتحرك ببطء مقارنة بأوكرانيا، من قبل الجنائية الدولية، مشددا على أن ذلك بسبب الازدواجية في التعامل بين أوكرانيا وفلسطين وطريقة جمع الأدلة. وأوضح البلشي أن هناك تحقيقا مفتوحا ودائما باسم ملف فلسطين منذ 2014 داخل الجنائية الدولية. وأشار نقيب الصحافيين إلى أن إسرائيل انسحبت من الجنائية الدولية، وأحد الشروط أن يكون المتهم حاضرا.
سينزفون لمتى؟
جلس جميل مطر في “الشروق”، أمام شاشة التلفزيون يتابع ما يجري في غزة وقال: قدمت المذيعة لتطورات اليوم في القتال بعبارات وجيزة، ولكن بصوت مرتعش قبل أن تستدعي مراسل القناة ليدلي بدلوه وليقدم التفصيلات الضرورية. أدلى المراسل بدلوه أمام مشاهد مشدود بكل أحاسيسه نحو واقع غير مألوف. رجل على الشاشة ينقل لي بالكلمات ما فعلت الرصاصات الأمريكية بوجه طفل رضيع. الرجل نفسه غير منتبه لاحتمال كبير أن يكون في تلك اللحظة هدفا لرصاصة لئيمة يستعد لإطلاقها في اتجاهه مجرم حرب آخر أشد لؤما. حاولت بجهد أن أركز على رسالة المراسل الفلسطيني، بينما انحاز تركيزي بمجمله إلى أن ما أفعله في حقيقة الأمر لا يخرج عن كوني مشاهدا متوترا يتوقع رصاصة تنطلق في اتجاه المراسل يسقط بعدها مضرجا في دمائه، ليصبح في عناوين الأخبار في النشرة التالية صحافي فلسطيني يضرب بمصرعه الرقم القياسي في لعبة اصطياد الصحافيين، لعبة حرّمها القانون الدولي وشرّعتها الصهيونية بوجهيها الأمريكي والإسرائيلى. لم أعرف إن كان الجندي الإسرائيلي تأخر في إطلاق رصاصته، أم أنني أفقت من كابوس القتل المتعمد للصحافيين على صوت المراسل الفلسطيني يعلن مزودا بالصور اللازمة أن أكوام الإسمنت والأحجار والأثاث والملابس المتناثرة في عديد هذه الصور وبعضها مختلط بالدماء تنتمي جميعها إلى بيت عائلة معروفة. سكت المراسل لثوان قبل أن يعود ليقرر أن العائلة التي سكنت هذا البيت ولها فروع في البيوت الأخرى المجاورة والمتقابلة في هذا الحي هي عائلة الفرا، التي عاشت لقرون في هذا الركن البعيد من قطاع غزة والقريب من حدود فلسطين مع مصر.
أمريكا الغبية
يواصل جميل مطر، الحزن كالحب. ليس كل الحزن واحدا أو متشابها وليس كل الحب واحدا أو متشابها. الحزن على فقد جماعة من الناس ليس كالحزن على فقد أحد بعينه فيها، كما أن مشاعر الحب ليست واحدة أو متطابقة في كل الأحوال وتحت كل الظروف ومع أكثر من فرد. على امتداد سبعين يوما وأكثر عشت مع الحزن بأنواعه العديدة أوقاتا طويلة. كنت شاهدا على قتل مئات من أهل غزة المدينة وغزة القطاع. من هؤلاء قتلت الطائرات بقنابلها الأمريكية «الغبية» آلاف الفلسطينيين من أبناء القطاع. هذه القنابل وصفتها الصحف الأمريكية بالغبية، لأنها مصنوعة لتكون أقل تمييزا فتحصد بغبائها أعدادا أكبر من الضحايا، خاصة بين الأطفال. وسط الحزن وكثير من الغضب تذكرت سنوات رائعة فاضت بالحب والتفاني قضيتها في صحبة وزمالة الدكتور محمد الفرا، شهم فلسطيني آخر من أبناء خان يونس. عملنا معا، هو الرئيس وأنا نائبه، في الإدارة المخصصة لشؤون فلسطين في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. جمعنا للتعارف والعمل معا محمود رياض الأمين العام الأسبق للجامعة العربية. التقيا في نيويورك وكانا مندوبين دائمين لمصر والأردن. وعندما انتقلت الجامعة إلى تونس عرض الفرا أن أعمل نائبا له. كانت فرصة لا تعوض لمن أراد أن يعرف أكثر عن منظمة التحرير والمواقف الحقيقية للدول العربية تجاه القضية، ولمن كان يحلم بالاقتراب من بعض قادة العمل الفلسطيني. في بيته القريب من بيت الرئيس عبدالناصر في القاهرة، وفي مكتبه في مقر الجامعة في شارع خير الدين في تونس وفي بيته في حي المنزه في العاصمة التونسية وفي مختلف مقار القيادات الفلسطينية في مصر، وفي حى التضامن وحي سيدي بوسعيد في تونس العاصمة، هناك عشت ساعات طويلة أجمع لنفسي سير حياة قادة أهم التيارات والفصائل الفلسطينية، خاصة هؤلاء الذين رحلوا، أو في الحقيقة، هاجروا من بيروت، حيث كانت لهم هناك دويلة في حى الضاحية، إلى تونس ليعيشوا في حماية وتحت رقابة جيش الرئيس الحبيب بورقيبة. حضرت مع هؤلاء اجتماعات بصفتي الرسمية ثم بصفتي الشخصية، ودعيت مرات إلى مكتب الرئيس عرفات لأشارك في حوارات هادئة وأخرى عاصفة. كانت فترة غزيرة بالمعلومات عن طموحات شعب رفض أن تنساه الشعوب الأخرى، خاصة شعوب تبادل معها الانتماء.
الجميع ينتظرونه
لا ينقطع الحديث عن اليوم التالي.. وبدوره يتساءل الدكتور مصطفى حجازي في “المصري اليوم”: ماذا بعد أن يمتنع المحتل المختل الصلف- أو يُمنع- عن صب حمم شره وكراهيته وعنصريته على شعب مختطف.. بعد أن ثبت له عقم القوة الغاشمة.. وبعد أن تستنزف أبواقه وكذباته كل معنى وجدوى.. وبعد أن يستفيق قليلا على وقع فشله المدوي الذي لم يكن يراوده في أكثر كوابيسه سوادا وبؤسا.. وبعد أن يهذي بالضرورة عن نصره المؤزر، الذي أحرزه وعن الضرورة التاريخية – دون حقه التاريخي – في الحفاظ على بقائه محتلا للأرض. هل فقط نكون على موعد مع هدنة لالتقاط الأنفاس يجمّل المحتل فيها صورته أمام المجتمع الدولي، ويحاول أن يرمم بعضا من شرعيته المبددة، التي يعرف الجميع أنها منتحلة ومسروقة وكاذبة.. أم ترانا- موقنين- على موعد مع صفحة جديدة من الصراع بين أصحاب الوطن والحلم وبين سارق الوطن ومحتكر الحلم.
إسرائيل ليست دولة.. إسرائيل ومن على شاكلتها هي مشروع استعمار إحلالي استيطاني.. يتدثر بالتاريخ والأسطورة، ويحيا بالقهر وتكريس الجهل والإفقار والمذلة لشعوب يكرهها. مشروع احتلال كريه يشرف على نهايته ولهذا هو في أكثر أطواره توترا وجنونا ودموية وفجاجة واحتقارا لكل ما حوله، كما أنه في أكثر أطواره ارتعادا وشعورا بدنو النهاية، رغم كل ما اغتصبه وكل ما احتكره وكل ما اختطفه.. فالأرض تمور من تحته حرفيا، رغم كل ما يحاول أن يبدو عليه من ثبات مدَّعى وانتحال لسمت الدولة. إيلان بابى وميكو بيليد.. رجلان ولدا من رحم المشروع الاستعماري.. نشآ في كنف عقائده ولأسر يدها مخضبة بدماء فلسطين.. يفعا بين أقران كذبة.. أقران يكذبون على التاريخ والدين ويكذبون على أنفسهم في كل حين.. ولكن ذلك لم يمنع الرجلين من أن تكتب لهما النجاة النفسية، وأن يستفيقا من كل ما سيق لهم من دجل كان يراد لهما أن يسوقاه ويتماهيا معه.
مخلب قط
إيلان بابي مؤرخ وأكاديمي إسرائيلي كرس حياته البحثية والأكاديمية لتعرية الكذبة الكبرى، فألف كما يقول الدكتور مصطفى حجازي أكثر من عشرين كتابا ما بين تأريخ أمين لتاريخ فلسطين المعاصر، الذي يراد أن يكون طمسه وتجاهله والتعامي عنه مدخل كل تعاطٍ سياسي مع القضية الكبرى قضية الشعب والأرض.. وتفنيد قاطع لكل الخرافات المؤسسة لإسرائيل. يفند إيلان بابي الكذبة الكبرى في كتبه، التى تراوحت أسماؤها الدالة بين «الخرافات العشر المؤسسة لإسرائيل» و«التطهير العرقي في فلسطين الحديثة»، و«السجن الأكبر في الدنيا: تاريخ غزة والأراضي المحتلة» و«إسرائيل وجنوب افريقيا: الأوجه المتعددة للتمييز العنصري» و«تاريخ العائلة الأكبر في فلسطين، عائلة الحسيني بين النشأة والفناء 1700 ـ 1948»، وأخيرا كتابه المعنون «رؤيتنا للتحرر، تصور قادة الفكر والثقافة الفلسطينيين عن مستقبل التحرر الفلسطيني». تسبر تلك الرحلة البحثية الأمينة غور سيكولوجية مشروعات احتلال استيطاني كهذه – وهو بالضرورة يدّعي المحلية والانتماء للأرض ذاتها التي يحتلها- وبأنها لا تستطيع أن تبقى إلا إذا بقيت لها ثلاثة عوامل وفقا لتحليل الأكاديمي المخلص بابى: أولها الدعم المادي من قوى دولية تستثمر فيه وتستخدمه كمخلب قط قذر لإثارة الفوضى ولقهر الشعوب وإفقارها، والأهم تستثمر في بلادته وانحطاطه لكي يكون معولا دائما لقتل الأحلام ونزع الأمل من النفوس وتكريس القنوط والإحساس بالقهر. ثانيها خلق حالة من الترابط بين نسيج مجتمع تنبني وشائجه على كراهية الغير والخوف من الزوال وتمثل المؤامرة في كل حين. وثالثها هو الشرعية.. الرواية التاريخية.. أسطورة الحق التاريخ والعلو والتميز والخيرية.
اليوم التالي
السؤال نفسه كما أخبرنا خالد حمزة في “المشهد” يتردد.. في غزة: ماذا في اليوم التالي لانتهاء الحرب، سواء بانتصار إسرائيلي صريح؛ أو حتى بخيبة بالويبا (كما نتمناها) للكيان الذي روج لعهود.. أنه لا يقهر، وفي مصر.. ماذا بعد مولد سيدي الريس؛ وانتهاء المعركة الوادعة لانتخابات منزوعة الأنياب؛ كانت نتيجتها معروفة مسبقا من الكنترول بين رئيس حالي سيستمر معنا لعام 2030؛ وربما لأبعد من ذلك، و3 مرشحين حصلوا بربطة المعلم على نحو 9 في المئة بالتمام والكمال؛ ومعهم نحو واحد في المئة من الأصوات الباطلة، وبشأن دعاة الهزيمة الذين ينتقدهم الكاتب يتحدثون.. عن سيادة إسرائيلية أمنية واندحار تام لحماس وتصفية لقاداتها؛ إما بالقتل أو بالإبعاد عبر صفقة ما، وعن غزة التي لن تعود كما كانت بأي حال من الأحوال؛ ولن تشكل صداعا في قلب الكيان. ويقولون إنه في ظل تلك الترتيبات مع الأخ الأكبر أمريكا، وحلفاء دوليين وإقليميين؛ لن يكون للسلطة الفلسطينية، أي دور أو وجود، ويؤكدون وكأنهم كسبوا الحرب (رغم إذلالهم اليومي من المقاومة) أنه يمكن أن ينفذ المخطط بالانتهاء والتخلص نهائيا من غزة كلها: إما بالتهجير أو الانتشار حول العالم؛ وكأن دمهم سيفرق بين القبائل.
حمادة تاني خالص
بالكاد يتشبث خالد حمزة بالأمل في خروح الشعب الفلسطيني منتصرا في معركته، التي تتم بدعم كامل من الولايات المتحدة الأمريكية لتل أبيب، في الوقت الذي يتحلى العالم بالسلبية. وفي مصر يتحدثون.. عن مصر في الولاية المقبلة؛ وبعضهم يقول لك: اللي فات حمادة.. واللي جاي حمادة تاني يعني إيه؟ يعني أن كل السياسات التي تم تأجيلها بسبب الانتخابات؛ ستمر وبقوة وبدعوى أن الأزمة عالمية؛ وأنها تتوالى من وباء كورونا لحرب أوكرانيا لغزة وأزمة قناة السويس، مع تحول بعض شركات الملاحة منها لرأس الرجاء الصالح؛ بسبب صواريخ الحوثيين، وأنه.. لأن أخاك مكره لا بطل، فان الداء في حاجة لدواء مرّ، ولربما بتر أحيانا؛ للتغلب على أزمات الدولار والسكر والأرز؛ ومعاناة المصريين اليومية مع الأسعار.. وضيق ذات اليد وقلة التدفقات من المصريين في الخارج وهلم جرا. ويقولون.. إنها خطوات لا بد من أن نسير فيها؛ وأن الرهان مثل كل مرة على صبر وقوة تحمل المصريين المستمر منذ عقد من الزمن، ويؤكدون.. أن البديل صعب وخطير؛ وينذر بالأسوأ لشعب تعداده يفوق المئة مليون نفس، لك الله يا غزة.. ومن بعدك مصر.
على الأقل تقزيمها
ما يتردد حول عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الشرق الأوسط من باب الحرب على غزة، ليس بالأمر الدقيق، ولكن الأكثر دقة من وجهة نظر عبد اللطيف المناوي في “المصري اليوم”، أن العودة ستكون بسبب الشك في قدرة إسرائيل على القيام بالدور الذي كانت واشنطن تبني عليه حساباتها منذ عدة سنوات، والذي بنت عليه توجهها الجديد بإمكانية «تخفيف» حضورها العسكري في الشرق الأوسط، لتركز حضورها على منطقة المحيط الهادي والتعامل مع الملف الصيني، بدرجة ذات أولوية واضحة. الحسابات في ذلك الوقت اعتمدت على الاطمئنان بقوة أن إسرائيل لها القدرة على القيام بدور في ملء أي فراغ ناجم عن تراجع الحضور العسكري الأمريكي، أو بشكل أكثر دقة، أن تكون بديلا للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، اعتمادا على اعتبارها القوة العسكرية الأقوى في المنطقة، مقارنة بالقوى العسكرية العربية في المنطقة منفردة أو جامعة. هكذا اعتقدوا، وركنوا إلى هذا اليقين، حتى دخلت إسرائيل حرب غزة وحدث الانكشاف الكبير الذي بدأ بالسقوط الأمني المدوي في انهيار منظومة الأمن، وقبتهم الحديدية في مواجهة هجمات مقاتلي حماس وبعض الجماعات الجهادية الأخرى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، التي انطلقت على إثرها الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي كانوا يعتقدون في قدرتهم على حسمها في أيام قليلة يحققون فيها هدفهم بالقضاء على حماس، أو بحد أدنى «تقزيمها».
فشلت فعادت
اليوم والكلام ما زال لعبد اللطيف المناوي وبعد دخول الحرب على غزة شهرها الثالث، وارتفاع الضحايا إلى حوالي عشرين ألف شهيد فلسطيني، وبعد عشرات الأيام من الدك المتواصل لمباني ومستشفيات القطاع، بما اقترب من تدمير معظمه تقريبا، لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من حسم الحرب حتى الآن، بل بدأ الحديث عن تورطهم في حرب برية لا يملكون حسمها، رغم التفوق الذي عاشوا فيه طوال السنوات الماضية، واقتنعوا به بشكل كامل. هذا الفشل هو ما أدى إلى إعادة الولايات المتحدة الأمريكية النظر من جديد في قرارها السابق بالخروج من منطقة الشرق الأوسط، أو تخفيف الوجود كحد أدنى. واليوم تجد أمريكا نفسها في وضع ستنكشف فيه في المنطقة ما لم تعوض الفراغ، وتعالج الخلل الذي تسبب به الفشل الإسرائيلي. ربما علم الداخل الإسرائيلي الآن أنه لن يستطيع أن يحيا بأمان إلا بالوجود الأمريكي المباشر في المنطقة. وربما الأمر نفسه أدركته واشنطن نفسها، لأن حليفتها التي كانت تعتمد عليها أظهرت فشلا كبيرا في الحرب، رغم كل الدمار الذي تُلحقه بغزة يوميا، فضلا عن إدراك البيت الأبيض أيضا أن حركة التجارة في البحر الأحمر هي الأخرى مهددة بالحوثيين، وعليه فإن الوجود في المنطقة صار ضرورة بالنسبة لإسرائيل، وبالنسبة لأمريكا أيضا. ويبقى السؤال: هل هذا مفيد لنا نحن العرب؟ لو أن مصطلح «العرب» ما زال ساريا كما كنا نفهمه «زمان».
كلنا ننتظره
عرف الدكتور عبد المنعم سعيد كما أطلعنا في “الأهرام” مروان البرغوثي أحد قادة تنظيم “فتح” قبل ربع قرن في إطار التحالف الدولي من أجل السلام العربي- الإسرائيلي، وكان آخر لقاء في رام الله بعد فترة من فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية، ووقتها قال لي أن أكبر الأخطاء الفلسطينية كان عدم استغلال مبادرة الرئيس السادات؛ وأنه ينوى القدوم إلى القاهرة للحصول على شهادة الدكتوراه. ولكن نشبت الانتفاضة الفلسطينية الثانية العسكرية، وكان نصيب مروان دخول السجن الذي ظل فيه قرابة العقدين. كان اعتقادي أن مروان البرغوثي سوف يكون واحدا من القيادات الفلسطينية التي سوف يكون لها شأن في الحصول على الحقوق الفلسطينية المشروعة. ومع مرور الزمن صار “مانديلا الفلسطيني” وفي جميع استطلاعات الرأي العام تفوق من حيث التأييد الشعبي على ما هو أكثر من قادة حماس وفتح وغيرهما من الفصائل. قبل أيام أصدر من السجن بيانا مهما دعا فيه الضفة الغربية إلى إشعال الانتفاضة الثالثة، وأن تكون قوات الأمن الفلسطينية في طليعة المقاتلين الذين هم كل فلسطيني قادر على القتال. باختصار فإن تصور مروان البرغوثي هو ثورة شعبية شاملة غزة والضفة الغربية معا تطالب بدولة فلسطينية وطنية مستقلة، ولا تتوقف فقط على تنظيم حماس الذي بات هدفا لإسرائيل ومن ورائها الدول الغربية. في عدد من المقالات السابقة طالبت الدول العربية بأن تسعى إلى الإفراج عن الرجل، لكي تقوى القدم الفلسطينية في حل الدولتين. وبعد أكثر من عشرين عاما من السجن تصعب معرفة ما آل إليه المناضل الفلسطيني، ولكن مانديلا الجنوب الافريقي بعد 27 عاما من السجن بات قادرا على وضع نسيج لدولة غير عنصرية. وهذه المرة فإن القضاء على العنصرية هو جوهر العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين داخلها، وبينها وبين قطاع غزة والضفة الغربية. وإذا كان السنوار قضى أكثر من عشرين عاما في التفكير في الهجوم على غلاف غزة، فهل يكون البرغوثي قد فكر في كيفية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة؟
الحمد لله
للمرة الثانية قدر الله لنا أن نرى بأعيننا تحطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، التي سعى الكيان الإسرائيلي لترسيخها عن جيشه. المرة الأولى وفق ما يرى هشام الهلوتي في “الوفد” منذ خمسين عاما عندما حطم الجيش المصري هذه البطولة الزائفة يوم السادس من أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، وتمكن خير أجناد الأرض خلال ٦ ساعات من عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف، وتدمير مواقع الجيش الإسرائيلي وإنهاء أسطورة الجيش الذي لا يقهر. المرة الثانية كانت يوم 7 أكتوبر الماضي، عندما قامت حماس بمعجزة عسكرية ونجحت خلال ثلاث ساعات فقط في تدمير فرقة غلاف غزة، أقوى فرقة في الجيش الإسرائيلي وأسر قادتها في عملية أطلق عليها «طوفان الأقصى» أعقبها الهجوم على 10 نقاط عسكرية أخرى، الذي بررته حماس بأنه جاء ردا على الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية، وكسر الحصار المفروض على قطاع غزة والقضاء على حلم المستوطنات حول غلاف غزة. الهجوم الذي نفذته حماس بإتقان شديد يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول كان ضربة قاصمة للجيش الذي لا يقهر ووصمة عار للأجهزة الأمنية في إسرائيل، التي أخفقت في قراءة المشهد الأمني وتحليل البيانات، وهو ما سمح في النهاية لتنفيذ حركة حماس هجومها المفاجئ. الخطأ نفسه الذي ارتكبته إسرائيل منذ خمسين عاما عندما أقامت خط بارليف على طول ضفة شرق قناة السويس بعد حرب 67 بهدف منع الجيش المصري من عبور قناة السويس ووصفته بأنه أقوى خط دفاعي في التاريخ ولا يمكن تدميره، عادت وكررته عندما أقامت الجدار الحديدي عالى التقنية الذي يفصل أراضيها عن قطاع غزة، وأشاعت أنه حاجز أسطوري غير قابل للاختراق، فهو مجهز بالأسلاك الشائكة والكاميرات وأجهزة الاستشعار ومحصن بقاعدة خرسانية ضد الأنفاق والمدافع الرشاشة.
أسوأ الكوابيس
هذه الأسطورة التي حدثتا عنها هشام الهلوتي تحطمت أيضا عندما بدأت عناصر كتائب عزالدين القسام عمليتها المعقدة لاختراق «الجدار الحديدي» الإسرائيلي حول قطاع غزة وفي مواقع متعددة. وجاء الهجوم غير المسبوق الذي وقع صباح ٧ أكتوبر تحت غطاء وابل من الصواريخ الموجهة نحو إسرائيل، ونيران القناصة ومتفجرات ألقتها طائرات مسيرة. هذا الانهيار الثاني لأسطورة الجيش الذي لا يقهر دفع الجنرال الإسرائيلي المتقاعد ياكوف عميدرور مستشار الأمن القومي السابق إلى اتهام أنظمة المخابرات والجهاز العسكري الإسرائيلي بالفشل. وهو أيضا ما أكدته شهادات جنود إسرائيليين كانوا منتشرين على طول الحدود، بأنهم عاشوا رعب الساعات الأولى للهجوم الذي قتلت خلاله عناصر حماس أو أسرت إسرائيليين، ودمرت واستولت على دبابات وغيرها من المعدات العسكرية. وفي شهادة أخرى نشرت على إنستغرام، قالت جندية إسرائيلية إن الهجوم المفاجئ لحماس لم أتخيله في أسوأ الكوابيس. وأمام هذه الهزيمة المنكرة للجيش الذي لا يقهر، التى تعالت معها صيحات الغضب في الشارع الإسرائيلي حاولت حكومة الاحتلال استعادة هيبة جيشها، فلجأت إلى استخدام الأساليب الإجرامية والأسلحة المحرمة دوليا، لإبادة الشعب الفلسطيني في غزة، وبدأت سلسلة من عمليات القتل والتنكيل والتهجير والتدمير للمباني السكنية على رؤوس الفلسطينيين، وقصف للعمارات والأبراج، في هيستريا واضحة لم تسلم منها المستشفيات والمساجد والكنائس ومخيمات النازحين وقوافل الجرحى. وما يؤكد أن جيش الاحتلال الإسرائيلي فقد عقله واختل توازنه وأنه يعيش حالة من الرعب والفشل في مواجهة حماس أن جنوده قاموا بقتل ثلاثة من الأسرى الإسرائيليين في غزة بالخطأ رغم أن الأسرى كانوا يلوّحون لهم بالرايات البيضاء لإنقاذهم.
على قديمه
هل هناك مفاجأة في نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية التي فاز فيها الرئيس السيسي بفترة ولاية ثالثة، ويفترض أن تكون الأخيرة بنسبة 89.6%؟ الإجابة بالنسبة لعماد الدين حسين رئيس تحرير “الشروق” هي لا قاطعة: أظن أن كل المتابعين والمراقبين والمصريين كانوا واثقين من فوز السيسي بمن فيهم المرشحون المنافسون الثلاثة. القراءة في النتائج تقول إن أهم رقم على الإطلاق هو نسبة المشاركة غير المسبوقة، التي بلغت 66%، وبما أن فوز السيسي كان متوقعا، فإن ما لفت نظري في الأرقام التي أعلنها المستشار حازم بدوي رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات هو الملاحظات الآتية: الأصوات الباطلة بلغت 489307 أصوات بنسبة 1.1% فقط، وهي أقل نسبة أصوات باطلة على الإطلاق طوال السنوات العشر الماضية، حيث بلغت في انتخابات 2014 نحو 7% وحلت في المركز الثاني بعد الرئيس السيسي وقبل المرشح الرئاسي حمدين صباحي الذي حصل وقتها على 3.09%. وفي انتخابات 2018 بلغت أيضا أكثر من 7% متفوقة على المرشح الوحيد وهو موسى مصطفى موسى الذي حصل على 2.9% فقط. والقراءة السريعة في هذا الرقم تعني أن المقاطعين لم يذهبوا إلى الصناديق أصلا، وبالتالي فقد انخفضت النسبة، إضافة إلى أن المعارضين للرئيس السيسي صوتوا للمنافسين الثلاثة، وإذا صحت هذه القراءة فإن المرشحين الأربعة وأنصارهم من الأحزاب والقوى المختلفة نجحوا في حشد الناخبين، في حين أن كل دعوات المقاطعة ذهبت أدراج الرياح، والدليل هو نسبة المشاركة المرتفعة 66%. الملاحظة الثانية أن المفاجأة الأساسية ونقطة السخونة الأساسية كانت تتعلق بمن يحتل المركز الثاني، وقبل بدء الانتخابات كان هناك ما يشبه الإجماع على أن السباق سيكون بين حازم عمر وفريد زهران، وتمكن حازم عمر من حسم السباق لصالحه، رغم أن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي لديه كوادر سياسية مدربة ومؤهلة وكانت تشارك في أحزاب كثيرة قبل ثورة يناير/كانون الثاني 2011.
راحت عليه
المؤكد وفق رأي عماد الدين حسين أنه ينبغي أن تتم دراسة ظاهرة صعود حزب الشعب الجمهوري بدقة، وكيف تمكن من الفوز بـ67 مقعدا في مجلس النواب والشيوخ، ليحتل المركز الثالث بعد حزبي «مستقبل وطن» و«حماة وطن»، والآن حصد المركز الثاني بأصوات بلغت 1.986.352 بنسبة 4.05٪ خلف الرئيس السيسي. علينا أن ندرس ونفهم ونعرف الآلية التي عمل بها الحزب، وكيف تمكن من حسم المركز الثاني، وهي نسبة مهمة قد تجعل هذا الحزب يلعب دورا مهما في الفترة المقبلة، إذا واصل العمل بطريقة علمية وعملية، معتمدا على كوادر شبابية جديدة، طبقا لما عرفته من بعض قادة الحزب، حينما سألتهم عن آليات عملهم خلال عملية الانتخابات. الحزب المصري الديمقراطي أدى بصورة طيبة جدا بالنظر إلى ظروفه المختلفة وقصر الحملة الانتخابية، وبرنامجه كان متميزا خصوصا في الجوانب الاقتصادية والسياسية والحقوقية، ومثّل بديلا فعليا لبرنامج الرئيس السيسي، وكثيرون راهنوا على أن يحتل فريد زهران المركز الثاني، لكنه جاء ثالثا بفارق ضئيل عن حازم عمر بعدد أصوات 1.776.952 مليون صوت، بنسبة 4%. أما المرشح الوفدي عبدالسند يمامة الذي حل في المركز الأخير فمثل مفاجأة للبعض، ومؤكدا لدى البعض الآخر. وقال الدكتور السيد البدوي رئيس حزب الوفد الأسبق، إن يمامة كان واثقا من الفوز بالرئاسة، ولا أعرف من أين استمد هذه الثقة رغم أنه لم ينل حتى ثقة كامل أعضاء حزبه، قبل ترشحه للانتخابات. حزب الوفد هو أقدم حزب في افريقيا والمنطقة العربية وهذه نتيجة سيئة للحزب ولتاريخه. وطبقا للتقاليد السياسية في الأحزاب المحترمة فإنه ينبغي أن يقدم الدكتور يمامة كشف حساب لحزبه عن السبب في هذه النتيجة.
وجع ساعة
كره ياسر شورى في “الوفد” مصطلح تعويم الجنيه للأسباب التالية: كرهنا كلمة تعويم.. الجنيه يحتاج إلى تنويم والدخول إلى غرفة الانعاش لضخ كميات هائلة من الأوكسجين تعيده للحياة بدلا من تعويم يقوده إلى مثواه الأخير. الحفاظ على ما تبقى من قيمة للجنيه قضية أمن قومي، وهي أكبر التحديات التي تواجه الرئيس السيسي وحكومته الجديدة في ولايته الثالثة. لا يخفى على أحد أن إعادة انتخاب السيسي جزء منها هو شعور المواطن المصري بضخامة المشكلة التي يواجهها الاقتصاد المصري وعدم قدرة أي شخص آخر على التصدى لها وحلها. أزمة الجنيه المصري هي أزمة إرادة قادرة على اتخاذ خطوات حقيقية تتمثل في حلول عاجلة وأخرى آجلة، الحلول العاجلة تتمثل أولا في رفض شروط صندوق النقد بتعويم الجنيه وبيع الشركات المصرية، خاصة أن قيمة الشريحة الثانية التي لم تحصل عليها مصر ضئيلة وكلفتها باهظة الثمن. ثم بعد ذلك ندخل في إجراءات إصلاحية عاجلة تتمثل في تثبيت سعر الدولار لجذب الاستثمارات الأجنبية التي هربت من مصر بسبب تذبذب سعر الدولار، مع الخطوتين السابقتين لابد من اتخاذ قرار جريء بوقف الاستيراد بالكامل لجميع السلع لمدة 6 أشهر كاملة، مع نشر حملة توعية للمواطنين بترشيد الاستهلاك طوال هذه المدة. أما الخطة الأجلة فهي إجراء دراسات وافية عن ثروات مصر وقدرتها التصنيعية، والتركيز أولا على الصناعات التكميلية، التي نستورد معظمها مثل، الصناعات التكميلية للألومنيوم والرمال السوداء ومشتقات البترول وغيرها، مع حصر منتجاتنا الزراعية والعمل على رفع جودتها للتصدير. قد تكون هذا الحلول أشبه بالدواء المر – وهي بالفعل كذلك – ولكن لو لم نأخذها فإن الجنيه المريض سيموت. الاعتماد على صندوق النقد هو طريق الموت لكل اقتصاد مريض، ولم تثبت كل التجارب السابقة أي نجاح مع هذا الاتجاه. نحتاج إلى إرادة حكام ومحكومين من أجل الخروج من هذا النفق المظلم.