رام الله -«القدس العربي»: بعد أكثر من سبعين يوما متواصلة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، خرجت أولى مبادرات الخلاص الوطني الفلسطيني التي دعت وطالبت بالوحدة الوطنية الفلسطينية، وقدمت فيما يعرف بإنه خريطة طريق تقطع على جميع سيناريوهات اليوم الأول بعد الحرب.
ورفعت المبادرة شعار “الوحدة والقيادة الموحدة قبل كل شيء” حيث وقع عليها مئات الشخصيات الفلسطينية المستقلة والحزبية، وهو ما يجعلها حراكا فلسطينيا داخليا وهو ان تأخر فإنها يمكن أن تكون نقطة للتأسيس عليها والانطلاق منها.
وحسب خليل شاهين، الباحث والمحلل السياسي، وهو أحد الموقعين على المبادرة، فإن هناك سياقا عاما دفع بالمبادرة للظهور للعلن، حيث جاءت في ظل غياب شبه كامل لأي تصور فلسطيني رغم مرور أكثر من شهرين على الحرب على قطاع غزة، وهو غياب من كل الأطراف سواء حركة فتح أو حتى حركة حماس، حيث بقيت الحركتان بعيدتان عن تقديم تصور ماذا نفعل؟ وماذا بعد أن تتوقف الحرب؟ وصولا لما هو تصورنا حول الأفق السياسي الذي تطالب به السلطة الفلسطينية؟
ويضيف شاهين: “لنا أن نتخيل أنه لا يوجد ما يجعلنا نعترض على المحاولات الأمريكية التي تحاول تحقيق النصر السياسي لدولة الاحتلال، في ظل عجزها عن تحقيق أي نصر عسكري”.
ويؤكد أن المبادرة تعكس وجهات نظر من تقدم بها ووقع عليها، وهي بحاجة لمزيد من الضغط في ظل غياب أي تيار يمكنه أن يمارس دورا ضاغطا على السلطة وحركة حماس، فالقوى الموجودة على الساحة الفلسطينية عاجزة عن ممارسة أي دور فعال في الحالة الفلسطينية.
ويشير شاهين إلى أن الفترة الماضية كرست حالة الاستقطاب الحاد بين فتح وحماس، “حتى الحوار كان يتم الاستئثار به من طرفي الانقسام، وهو ما عطل العمل السياسي، ومنع ظهور تيار يؤمن بالوحدة والتغيير، وهو ما يفسر غياب أي قوى سياسية جديدة على الساحة الفلسطينية خلال العقود الماضية”.
التوافق الوطني
وعلمت “القدس العربي” أن القائمين على المبادرة كانوا بين وجهتي نظر، فالأولى كانت ترى أنه يمكن التركيز على العمل مع كل الأطراف الفلسطينية، حيث رأت أن طبيعة المرحلة تجعل من العمل القادم يجب أن يتركز وينصب على الأولويات، وهو أمر يتطلب التوافق الوطني للعمل على وقف إطلاق النار، ومعالجة مشاكل قطاع غزة، وإعادة بناء القطاع وليس إعماره من خلال فترة انتقالية.
أما وجهة النظر الثانية فكانت تنظر إلى السلطة الفلسطينية على أنها مقصرة وتعيش حالة من الانتظار، وهي على مدار فترة العدوان على القطاع لم تقدم جهدا مشتركا، ولم تعمل على المبادرة من أجل معالجة التبعات المباشرة للحرب.
ورغم أن وجهة النظر الثانية التي كانت ترى أنه لا أمل من العمل مع السلطة الفلسطينية، وعبثية أي جهد يبذل معها، في ظل أنها لا تريد المصالحة، وتقوم بدور المتفرج، وترى أن الخلاص من حماس هو الحل، وبالتالي عليها انتظاره، إلى جانب وجود أطراف داخل السلطة ذاتها مستعدة للتعامل مع الاحتلال، وتسوق نفسها للعب دور سياسي بعد الحرب داخل قطاع غزة، ورغم وجهة النظرة هذه إلا ان المشاورات توصلت إلى أن المرحلة الصعبة تفترض البحث عن موقف موحد يضم كل الفصائل والحركات الشعبية والمستقلين والحراكات الشبابية.
وشدد شاهين أن المبادرة تجمع من يريد العمل على مبادئها العامة، فهي ترى الأولوية في حكومة التكنوقراط، في ظل أن القضايا الملحة ليست بحاجة إلى سياسيين بل تحتاج لمرجعية وطنية عليا، وطالبت بأن تكون هناك فترة انتقالية لتشكيل قيادة طوارئ موحدة تعمل على الإشراف على عمل حكومة الطوارئ الوطنية.
ويرى شاهين أن حكومة التكنوقراط أو حتى حكومة مختلطة يمكنها أن تتولى قيادة الضفة الغربية وغزة وتعمل على مخاطبة العالم، ربما تعمل لمدة سنة أو أكثر، وخلال ذلك يمكن أن يكون هناك حوار وطني عام يناقش كل الأمور الفلسطينية العالقة.
وأضاف “يمكن خلال هذه الأثناء أن يظهر تيار وطني ثالث، هو غير موجود الآن، وبالتالي تظهر هنا أهمية المرحلة الانتقالية من أجل العمل على بناء التيار الثالث الجديد، وهنا نقول تيار وليس حزبا سياسيا بحيث يقوم بدور يجمع كل الناس”.
وحول المواقف من المبادرة التي ظهرت قبل أيام شدد شاهين أن هناك مواقف سياسية صدرت مثلا عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكانت تحمل في طياتها ما هو قريب مما تطرحه المبادرة، كما أن هناك من ينتمي لفصائل سياسية وقع على المبادرة بصفته الشخصية، وهو ما يجلها مقبولة ومرحب بها من بعض الأطراف.
ويرى شاهين أن هناك أهمية للمراكمة على إعلان المبادرة بحيث يمكن أن يعقد لقاء يضم 50 شخصية فلسطينية للمتابعة، ويمكن أن تعرض على الفصائل وتناقش معها أيضا.
حوارات ثنائية
وحسب المحلل السياسي شاهين فإن قيمة المبادرة هو أنها تأتي في ظل أن فتح وحماس ما زالتا تمارسان اللعب بنفس المربع، من خلال حوارات ثنائية، وبعدها يدعون من يريد أن ينضم للحوار من أجل اللحاق بهما. فيما تسرب مؤخرا أن هناك حوارات بينهما للتعامل مع القطاع وإدارة شؤونه بطريقة مشتركة.
ويبرر شاهين حماسه للمباردة بإنها تقطع الطريق على التصورات الأمريكية وما يطرح عالميا، إلى جانب انه يرى أن التعامل مع غزة بعد الحرب بحاجة إلى فدائيين للعمل والتعامل مع تبعات الحرب.
ويؤكد أن المبادرة وبالحد الأدنى منها، عملت على خلق حراك سياسي واهتمام إعلامي، وهذا مهم في هذه المرحلة ويجب ان يبنى عليه.
ويرى أن المبادرة تضمن ألا تكون حماس في المشهد السياسي بشكل مباشر وفيها أفق للتحضير لانتخابات.
أما بلال الشوبكي، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، فيرى إنه وبعيدا عما تحتويه المبادرة من أفكار وتصورات يمكن الاختلاف أو الاتفاق حولها، فإن أهميتها في كونها تأتي من الفلسطينيين وتشكل بديلا عما هو مطروح من أطراف غير فلسطينية.
ويضيف: “منذ بداية الحرب ونحن نستمع دوليا وإقليميا لتصورات حول مستقبل الفلسطينيين وتحديدا من الإدارة الأمريكية، حيث هناك تكرار للسياسات الأمريكية في تعاملها مع القضية الفلسطينية، التي كانت تطرح الكرة دوما في الملعب الفلسطيني حيث تطالبه بالنضوج السياسي للطريق للحل السياسي، كما أن هذه الأطروحات فيها نوع من الوصاية على الفلسطينيين”.
الحديث عن آفاق سياسية جديدة
وبالتالي يشدد الشوبكي وهو محلل سياسي في شبكة السياسات الفلسطينية أن المبادرة تعكس جهدا فلسطينيا لا يفترض أن ينقطع أو يتوقف، فمجرد الحديث الفلسطيني حول مستقبلهم، بوجود الحرب على غزة أو عدمها، هو مسألة لا يجب التوقف عنها في ظل أن الحرب على القطاع أتاحت فرصة للحديث عن آفاق سياسية جديدة، وهو ما يجعلها جهدا ينبغي البناء عليه، والاقتداء به، بحيث يستمر النقاش الفلسطيني الداخلي وينتقل من وصف الواقع إلى رسم التصورات المستقبلية التي يمكن أن تكون قاسما مشتركا فلسطينيا بين جميع المكونات السياسية.
وحول طرق تفعيل المبادرة ودب الحياة فيها يشير الشوبكي يرى أنه حتى تلقى المبادرة طريقا للتنفيذ فإنه لا بد من تبنيها من الفصائل والحركات الفلسطينية. أو أن يتم دعوة الفصائل لمناقشتها، مع التأكيد أن ما حملته لا يختلف كثيرا عن مخرجات لقاءات فلسطينية فصائلية سابقا في القاهرة وغيرها.
ويرى أن ذلك الأمر يدفع إلى الإضاءة على معضلة فلسطينية داخلية وهي أن الموافقات المبدئية والإعلان عن ذلك لا يعني نية في التنفيذ، وهو ما يطرح سؤالا ما الخطوة التي تأتي بالمرحلة الأولى: إجراء انتخابات تضمن الحد الأدنى في العملية الديمقراطية، ومن ثم التعامل مع ما تخرجه العملية الديمقراطية من برامج سياسية. أم أن يوضع البرنامج ومن ثم تُجرى الانتخابات، وهي وكلها أمور تستوجب النقاش الجاد.
ويشدد الشوبكي أن دور القائمين على المبادرة مرتبط أساسا بالحالة الفكرية والنقاشية التي أخرجتها، وبالتالي التطبيق يفترض أن يكون من خلال نقاشات لدى صناع القرار الفلسطيني “وبالتالي كي تكون قابلة للتطبيق فإنها بحاجة إلى غطاء سياسي من الفصائل الفلسطينية إلى جانب نقاشات مرتبطة بمواقف دولية وإقليمية أيضا. فلا يمكننا العمل اليوم بمعزل عن المواقف الدولية والإقليمية في ظل أن الحالة الفلسطينية منكشفة للأسف على التأثيرات الخارجية كثيرا، فلا يكفي التوافق الفلسطيني الداخلي، إنما هناك حاجة إلى ترتيبات لدى الفلسطينيين مع أطراف مؤثرة غير فلسطينية”.
وعن معوقات التطبيق يرى الشوبكي أننا “إزاء مبادرة شخصيات من دون أن يكون لها مظلة سياسية تطرح من خلالها، وهنا نكون أمام ضرورة وأهمية أن تجد لها طريقا لدى الفصائل، وبالتالي نحن بحاجة لدفعها وطرحها على الفصائل الفلسطينية، وهذا أولا، أما ثانيا فيعتبر الانقسام الفلسطيني أبرز المعوقات في ظل أن هناك جهات كثيرة نمت وترعرعت من خلال الانقسام ذاته، وهو ما يخلق مصالح متعارضة مع الوحدة وحالة التوافق الفلسطيني، وثالثا، تعتبر التدخلات الخارجية إحدى المعوقات حيث دوما هناك من يريد أن يفرض تصوراته على الفلسطينيين. ورغم أن المبادرة فيها الكثير من المحاور العامة إلا أنها تتضمن الكثير من التفاصيل التي تحتاج إلى نقاش عام وجدي، مثل: تصور الدولة الفلسطينية وأنها على حدود عام 1967 وطرق النضال وأساليبه.. الخ وكلها أمور قد تلعب دورا في أن تكون معوقا في التعاطي معها، في ظل الحاجة إلى القواسم المشتركة”.