لندن ـ «القدس العربي»: الزمان: الخامس من نوفمبر / تشرين الثاني الماضي، المكان: ملعب “سانتياغو بيرنابيو”، الحدث: مباراة الجولة الثانية عشرة للدوري الإسباني، التي جمعت صاحب الأرض ريال مدريد بضيفه العنيد رايو فاييكانو، وانتهت بالتعادل السلبي بدون أهداف، في ما اعتبرت على نطاق واسع من قبل مشجعي النادي الميرينغي، بالمباراة التي انتهت بخسارتين بالنسبة للعراّب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، الأولى ضياع نقطتين في الصراع المحتدم مع جيرونا على صدارة الليغا، والثانية وهي الأهم في الوقت الراهن وعلى المدى المتوسط، ما حدث مع “الغالاكتيكو” الجديد جود بيلينغهام، حين خلع القلوب هناك في العاصمة مدريد، لحظة سقوطه على الأرض، والتي فتحت باب التكهنات حول طبيعة الإصابة، لا سيما بعد تأخره في الوقوف على قدميه والاستجابة لعلاج الجهاز الطبي، ليتضح بعد دقائق مرت كالدهر على الميستر كارليتو وجهازه المعاون، أن صانع السعادة في البيت الملكي هذا الموسم، تعرض لانتكاسة أقل ما يُقال عنها سيئة على مستوى الكتف.
التشخيص النهائي
كما تابعنا على مدار الأسابيع والأيام القليلة الماضية في وسائل الإعلام الإسبانية والمحيط الإعلامي الأبيض المقرب من الرئيس فلورنتينو بيريز، كانت هناك حالة الضبابية والغموض حول طبيعة الإصابة التي ألمت باليافع ابن العشرين عاما، ما بين تقارير كانت تشير إلى عدم وجود ما يدعو الى الخوف أو القلق على الدولي الإنكليزي، نظرا لأن التحامه مع لاعب رايو وسقوطه على الأرض، بدا طبيعيا ولم يحرمه حتى من استكمال نفس المباراة، ومصادر أخرى كانت وما زالت تراهن على ما هو أبعد وأسوأ، استنادا إلى بعض الأطباء والجراحين، الذين شخصوا الصورة المفزعة المنتشرة في “السوشيال ميديا”، لبروز مفصل كتف جود للحظات، قبل خضوعه لعلاج مكثف من قبل الجهاز الطبي، انتهى بتأمين كتفه الأيسر بربطات ثقيلة وإعادته مرة أخرى إلى المستطيل الأخضر، لكن بنسخة مختلفة تماما عن نسخته البراقة قبل الانتكاسة، وتجلى ذلك في بطء حركته وحالة الإحباط التي كان عليها في ما تبقى من المباراة، حتى مدرب الفريق كارلو أنشيلوتي، اعترف صراحة في حديثه مع الصحافيين على هامش مواجهة براغا البرتغالي في دوري أبطال أوروبا، أن لاعبه “لم يقم بكل التدريبات الجماعية لتجنب الضربات، لكنه يشعر بارتياح في تحركاته”، لكن ما حدث بعد ذلك، وتحديدا منذ استبعاده من قائمة الفريق في ليلة اصطياد خفافيش فالنسيا بخماسية مقابل هدف في قمة مواجهات الأسبوع الثالث عشر لليغا، هو المقلق.
كابوس الجراحة
بلغت الإثارة ذروتها، عندما بعث أنشيلوتي رسالة إلى نظيره في منتخب الأسود الثلاثة غاريث ساوثغيت على طريقة، كل لبيب بالإشارة يفهمُ، قائلا بالنص قبل عطلة الفيفا الأخيرة في نوفمبر / تشرين الثاني الماضي: “إذا لم يلعب اليوم، فلن يتمكن من اللعب مع منتخب إنكلترا، من الواضح أن بيلينغهام بحاجة إلى القيام بعمل محدد لتقوية كتفه، وهذا ما سيفعله في الأسابيع المقبلة، وأعتقد أنه سيعود أقوى من أي وقت مضى بعد التوقف الدولي”، وبالفعل تمكن كارلو من إيصال الرسالة إلى قلب دفاع المنتخب الإنكليزي في تسعينات القرن الماضي، بموافقة الأخير على إعادة لاعبه الشاب إلى مدينة “فالديبيباس”، ريثما يواصل المرشح للفوز بجائزة “البالون دور” العام المقبل، برنامج إعادة تأهيله وتقوية عضلات كتفه، كما فعلها الفرعون محمد صلاح، بعد نجاته بأعجوبة من إصابته الشهيرة على مستوى الكتف، في لقطته العالقة في الأذهان مع قائد الميرينغي الأسبق سيرخيو راموس في مباراة نهائي الكأس ذات الأذنين عام 2018، وآنذاك احتاج المو لفترة ليست بالقصيرة، لإعادة عضلات الكتف إلى ما كانت قبل التحامه مع راموس، ورغم أن أمور جود، تبدو وكأنها على ما يرام، بظهوره في المباريات الأخيرة وكأنه في حالة فنية وبدنية طبيعية، فقد علمت شبكة “ذا أثلتيك” من مصادرها داخل مكاتب “سانتياغو بيرنابيو”، أن النادي يفكر بجدية في إجراء جراحة للاعب، لإنهاء معاناته مع الإصابة بشكل جدي وجذري، تماما كما فعل ليفربول مع لاعبه الاسكتلندي أندي روبرتسون، الذي تعرض لإصابة مشابهة في أكتوبر / تشرين الاول الماضي أثناء دفاعه عن ألوان منتخب القلوب الشجاعة، وعلى إثرها خضع لعملية جراحية لن يتعافى منها قبل أواخر يناير / كانون الثاني المقبل أو أوائل فبراير / شباط المقبل.
شعرة معاوية
في نفس السياق، تقول النسخة البريطانية لموقع “Goal” العالمي، إن الإصابة التي تعرض لها بيلينغهام قبل شهرين، تعد واحدة من أكثر الإصابات تعقيدا في عالم كرة القدم، وعادة ما يتم التعامل مع هكذا حوادث معزولة باستخدام العلاج الطبيعي طويل الأجل، مثل حالة صلاح، التي جاءت في آخر مباراة في الموسم، وكان من الأفضل معالجتها عن طريق العلاج الطبيعي، بدلا من التدخل الجراحي، لكن ما يدعو للتفاؤل بالنسبة لبيلينغهام، أنه وفقا لنفس المصدر، ليس بحاجة صارخة لإجراء عملية كبيرة، على الأقل في الوقت الراهن، لكن من الأفضل وضع إطار زمني للتدخل الجراحي، وذلك لإنهاء كل احتمالات تجدد أو عودة الإصابة في المستقبل، بيد أنه لو استمر الوضع الحالي كما هو عليه لنهاية الموسم، فبنسبة تزيد على 90% لن يكون يكون في معزل عن المخاطر، وذلك ليس فقط لأن هذا النوع من الإصابات لا تشفى أبدا بشكل صحيح من تلقاء نفسها، بل لاحتمال أن يؤدي الخلع الحالي إلى خلع آخر، وكل ما سبق، يأتي في وقت لا يمكن للاعب وسط بهذا التوهج، أن يخضع لعملية جراحية، لأن على إثرها سيحصل على فترة تعافي لن تقل بأي حال من الأحوال عن ثلاثة أشهر، وفي أحسن الأحوال، وفي حال كان في برج حظه، سيعود في غضون شهرين، ما يعني أنه بالتبعية سيغيب بنسبة 100% عن مواجهة لايبزيغ في معركتي الدور ثمن النهائي لدوري أبطال أوروبا، والأسوأ من ذلك، إذا استسلم لعين الحسود، واُضطر أو أُجبر على إرجاء الجراحة لوقت لاحق، إذ ستكون الضربة القاضية لموسمه الاستثنائي مع ريال مدريد ومنتخب بلاده الإنكليزي، وفي رواية أخرى شعرة معاوية، التي ستكون سببا في غيابه عن أهم فترات الموسم، أو ما تُعرف بأسابيع الحسم في الفترة بين أبريل / نيسان ومايو / آيار، وهي فترة في غاية الأهمية بالنسبة للميرينغي في رحلة البحث عن كأس دوري أبطال أوروبا الخامسة عشرة.
المغامرة الأخيرة
يُقال بين أروقة “سانتياغو بيرنابيو”، إن لاعب الوسط براهيم دياز، تعرض لإصابة مماثلة في الكتف في سبتمبر / أيلول الماضي، لكنه استقر على تأجيل العملية الجراحية حتى نهاية الموسم، وذلك بطبيعة الحال، لفرصه الضئيلة في تمثيل منتخب لا روخا في بطولة يورو ألمانيا 2024، إلى جانب ما يتردد عن رغبته في تمثيل المغرب في بطولة أمم أفريقيا المنتظرة في كوت ديفوار في منتصف الشهر المقبل، لكن بالنسبة للاعب بقيمة ونجومية بيلينغهام، لا يملك هذا الترف، ولا حتى يمكن التضحية بكل وقته مع ناديه ثم ينهي الموسم بالدفاع عن ألوان منتخب الأسود الثلاثة في أمم أوروبا، وبعبارة أخرى، لا توجد ثمانية أسابيع مجانية في السنة التقويمية لفئة الميغا ستار ونجوم الصف الأول في أندية أوروبا الكبرى، وقبل حتى أن يحين موعد أشهر الحسم والاستعدادات لليورو، لنا أن نطلق العنان لأنفسنا ونتخيل سقوط بيلينغهام أو انزلاقة بشكل محرج في إحدى المباريات بعد انتهاء عطلة عيد الميلاد، أو حتى مجرد اصطدامه مع الماكينة الألمانية أنطونيو روديغر أو الدبابة الفرنسية تشواميني في إحدى الحصص التدريبية، في الغالب لن يكون أمام الأطباء أي خيار آخر سوى التدخل الجراحي، لكن في هذه الحالة، سيواجه خطر الغياب لفترة تزيد على الشهرين، وهذا تقريبا آخر وأسوأ سيناريو ينتظره مدرب المنتخب الإنكليزي، الذي يعول كثيرا على نجم اللوس بلانكوس، ليكون العلامة الفارقة في حملة البحث عن أول يورو في تاريخ وطن مهد كرة القدم، خاصة وأنه لا يمتلك جوهرة أخرى بنفس المواصفات، رغم كم المواهب الهائل في مختلف المراكز، على عكس نظيره في “سانتياغو بيرنابيو”، الذي ربما يستطيع التعامل بدون نجمه اللامع، في ظل الوفرة العددية المتاحة في خط الوسط والثلث الأخير من الملعب، وقدرة أنشيلوتي على تطويع المتاحين لخدمة المنظومة الجماعية، لكن سؤال المليون دولار الذي سنعرف إجابته قريبا: هل سيبقى بيلينغهام صامدا أمام محاولات استهدافه من قبل المنافسين الذين يعرفون جيدا نقطة ضعفه مع كتفه؟ صحيح حتى الآن لم يُظهر أي علامات على التباطؤ أو التأثر بالإصابة، لكن ماذا لو استمرت عين الحسود في مطاردته بعد بدايته النيزكية مع الريال وتسببت في سقوطه أو تعرضه لضربة غير مريحة في كتفه الأيسر؟