كمال القاضي
تتخلق ألوان جديدة من السينما التسجيلية بفعل مُتغيرات الواقع وإفرازاته السياسية التي تفرض مناخ الحرب وتخلف توابعها كنتيجة حتمية لأعمال القتل والحرق والدمار، وهي تفاصيل لم تلتفت إليها السينما كثيراً قبل نشوب الصراعات وحتميات المعارك والحروب الضارية داخل ميادين المواجهة والقتال.
وبوجود مُعطيات البقاء والفناء التي شكلت ثنائية مُغرية للكُتاب والمُخرجين نشأت فكرة الأفلام التسجيلية الاستثنائية المُرتبطة بالبحث عن الألغام والتنقيب في الصحاري عن بقايا القنابل والصواعق في عملية تفتيش تستغرق وقتاً طويلاً وتحتاج لخبرات هائلة من مُتخصصين في مجال الحروب وهي الحالة التي صورتها كاتبة السيناريو والمخرجة العراقية سُرى عباس في فيلمها التسجيلي الفارق بامتياز “ذخيرة حية” فقد استلهمت فكرتها الإبداعية من وحي التجربة الواقعية التي عاشتها كواحدة من المُتصلين بعالم الألغام وحقوله المُنتشرة بصحراء العراق.
فالمخرجة صاحبت فريق العمل والخبراء لعدة أسابيع وربما لشهور فاسترعت انتباهها تلك المساحات الواسعة المفروشة بالموت والضحايا التي تركت الحرب البغيضة آثارها على أجسادهم فأفقدتهم أجزاءً عزيزة منها كتلك الفتاة التي بُترت ساقيها وما زالت تُمارس حياتها مُسلمة بقدرها بغير اعتراض أو احتجاج تماماً كزميلتها ورفيقتها في مشوار المحنة والعذاب التي صارت هي أيضاً مُعاقة بعد إصابة بالغة في كتفها وذراعها أتتها من تحت الأرض المزروعة بالقنابل والألغام.
لقد هزت حالات الإصابة مشاعر الكاتبة والمخرجة سُرى عباس فعمدت إلى تسجيل الواقعتين ومثيلتهما في شريط سينمائي ليكون شاهداً على ما اقترفه صُناع الحروب في مراحل سابقة من جُرم في حق الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في ما كان يشغل من جلسوا على مقاعد السُلطة وأداروا دفة الحرب في كل الاتجاهات كأنهم يصوبون بنادقهم على أثمن الأهداف وأغلاها، فلذات الأكباد والأشقاء والأحباب والأصدقاء.
وبينما تستمر حركة البحث عن مكامن اللغم ومُحيطاته نسمع دوي الانفجار في مكان آخر مُتزامناً مع صوت الموسيقى الحزينة يتسلل إلى الأذن من بعيد ليُعلن عن ضحايا مُحتملين وأشلاء تتناثر بطول الصحراء وعرضها في نذير بتصاعد أصداء الغياب الأبدي لمن كانوا قبل لحظات يحلمون بغد أفضل.
إنها دوائر الفناء المُتداخلة يُسلم بعضها البعض بينما تبقى الصحاري ويبقى زلزال القنابل كالرعد يهُز الأرض فتخرج من باطنها حُمم البُركان وقد علقت بها الأجساد والأكباد.
حضارة العراق
تتلاحق الصور التسجيلية في الفيلم لتتجسد داخل الكادر السينمائي مناظر أخرى لقطيع من الأغنام يسير في الاتجاه المعاكس للألغام مُتحدياً الموت ومُعلناً عن حياة تتأسس وتبقى وأعشاب تنمو مع نمو الفكرة الرافضة لفناء البشرية مع مراعاة التشابه بين حروف الألغام والأغنام وإيقاع الكلمتين المُتضادتين في معانيهما ونطقهما.
ويأتي التعليق المؤثر والمُفسر للأحداث والمشاهد بصوت مصطفى حميد مجيد فيروي ما تيسر عن حضارة العراق البادئة مع بداية الكون، فعلى أرضه حسب ما يُعلنه صوت المُعلق كُتبت أول حروف الكلمات وصُنعت لغة هي الأقدم بين لغات الخليقة. فالماضي يشهد بحضارة أرض سومر وآشور وبابل فالتاريخ لا يكذب ولا يُنكر أبداً.
تبعث كلمات المُعلق الحماسية الحرارة في وجدان المُتلقي العربي وهي غاية الرسالة الإنسانية للفيلم الفريد من نوعه بمادته التاريخية والعلمية التي أعدها شكري محمود لتكون وثيقة تُثبت صدق الرؤية السينمائية والرواية المُتضمنة في الأحداث بآلامها وأوجاعها ومراراتها وأحزانها، فها هي دلالات الحرب تُعلن عن نفسها بصور الدمار والانهيار ولا شيء يعوض الخسارة ويُخفف من وطأة الحزن غير شكل العلم مُرفرفاً خفاقاً بألوانه الزاهية ونجومه المتألقة فهو عنوان ما تبقى من نشيد الوطن وعنفوانه ومجده وإبائه.
تلك كانت علامات مشهد النهاية في الفيلم الذي يُرثي شُهدائه بعبارات البطولة والشحذ ويُسلط الضوء على خلفيات مضيئة من عمر الوطن العزيز والقطعة الغالية من جسد الأمة العربية الذي أنهكته المعارك والحروب لكنها لم تفت عضده ولم تُسقطه فهو باق على صلابته وقوته وثباته.